القبر - ملف علمي

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2026-05-06 - 1447/11/19
التصنيفات:

اقتباس

وحديثنا هنا عن المرحلة الثانية في رحلة الإنسان؛ "مرحلة القبر والبرزخ"، ذلك الصندوق المغلق على صاحبه الذي يتمدد فيه الجسد إلى يوم القيامة، لا يصاحبه فيه أحد ولا شيء إلا عمله، عمله فقط؛ يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله"، فيكون جليسه كما سنرى...

ما أن يُقدِّر الله -عز وجل- أن يُلقى الإنسان نطفة في رحم أمه وتنفخ فيه الروح، حتى يصير خالدًا مخلدًا أبدًا، فالإنسان مخلوق له بداية، وليست له نهاية، إلا أن يشاء الله -تعالى- أمرًا؛ فمن لحظة نفخ الروح فيه في بطن أمه وكتابة الملائكة "عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد"(متفق عليه)، يكتب الله -سبحانه وتعالى- له البقاء والدوام، لكنه -سبحانه- يُقلِّبه في مراحل ثلاث:

 

أولًا: يحيا على وجه الأرض حياته الدنيا، سنون يقضيها، ثم يحين الموت، فإذا نزل به الموت وفارقت روحُه جسدَه فقد انتهت مرحلته الأولى في الحياة، وبدأت مرحلته الثانية؛ مرحلة القبر والبرزخ، وما فيها من ضمة للقبر وسؤال للملكين ومن نعيم أو عذاب...

 

ثم ينفخ في الصور نفخة البعث فتبدأ المرحلة الثالثة ويعرف الإنسان مصيره؛ إما إلى جنة وإما إلى نار، وتلك هي المرحلة الأخيرة التي لا يعقبها موت ولا فناء؛ فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: وهل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت"(متفق عليه).

 

وقد تجادلني فتقول: من قال أن الإنسان بمجرد نفخ الروح فيه يصبح خالدًا؟! بل تتخلل حياته فناء؛ حيث يتبدد جسده ويتلاشى ويفنى بعد موته ولا يبقى منه شيء، فهذا فناء وعدم!... وأجيبه: لقد أخطأتَ، بل يبقى شيء منه لا يفنى أبدًا ولا يصيبه العدم مطلقًا؛ أوما سمعت قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن في الإنسان عظمًا لا تأكله الأرض أبدًا، فيه يُركب يوم القيامة" قالوا أي عظم هو يا رسول الله؟ قال: "عَجْب الذنب"(رواه مسلم)، وفي لفظ له: "كل ابن آدم يأكله التراب، إلا عَجْبَ الذنب؛ منه خلق، وفيه يُركب".

 

وحديثنا هنا عن المرحلة الثانية في رحلة الإنسان؛ "مرحلة القبر والبرزخ"، ذلك الصندوق المغلق على صاحبه الذي يتمدد فيه الجسد إلى يوم القيامة، لا يصاحبه فيه أحد ولا شيء إلا عمله، عمله فقط؛ يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله"(متفق عليه)، فيكون جليسه كما سنرى.

 

وما أن يوضع الميت في قبره حتى يضمه إليه، وهذا أول ما يلاقيه المرء في حياة البرزخ، ولا ينجو منها أحد أبدًا، فعن عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "للقبر ضغطة لو نجا منها أحد، لنجا منها سعد بن معاذ"(رواه النسائي وابن حبان، وصححه الألباني)، وعن أبي أيوب -رضي الله عنه- أن صبيًا دُفن، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لو أفلت أحد من ضمة القبر لأفلت هذا الصبي"(رواه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني)، وبهذا يكون قد تحقق وعد الله -تعالى-: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ)[طه: 55].

 

ثم بعد الضمة: سؤال القبر؛ فما أن ينصرف المشيعون عنه حتى يرسل إليه من يختبره؛ فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد -صلى الله عليه وسلم-، فأما المؤمن، فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا... وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين"(متفق عليه)، وفي الحديث الطويل للبراء بن عازب أنها أسئلة ثلاثة: "من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟"(رواه أبو داود، وصححه الألباني).

 

وما أن تظهر نتيجة هذا الاختبار من خلال جواب الميت على سؤال القبر إلا ويأتيه جليسه الذي سيصاحبه إلى يوم القيامة، فأما المؤمن فيُبَشَّر "ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي، ومالي"... وأما الفاجر والكافر فيُخزى "ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة"(رواه أحمد، وصححه الألباني).

 

 وبعدها مباشرة يبدأ نعيم القبر أو عذابه -والعياذ بالله-، فعن عائشة قالت: دخلت علي عجوزان من عجز يهود المدينة فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، قالت: فكذبتهما ولم أنعم أن أصدقهما [أي: لم تطب نفسي أن أصدقهما]، فخرجتا ودخل عليَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت له: يا رسول الله إن عجوزين من عجز يهود المدينة دخلتا علي، فزعمتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فقال: "صدقتا، إنهم يعذبون عذابًا تسمعه البهائم"، قالت: "فما رأيته، بعد في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر"(متفق عليه، واللفظ لمسلم).

 

وعن زيد بن ثابت قال: بينما النبي -صلى الله عليه وسلم- في حائط لبني النجار، على بغلة له ونحن معه، إذ حادت به فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة فقال: "من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟" فقال رجل: أنا، قال: "فمتى مات هؤلاء؟" قال: ماتوا في الإشراك، فقال: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه"، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: "تعوذوا بالله من عذاب النار" قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: "تعوذوا بالله من عذاب القبر" قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر...(رواه مسلم).

 

هذا عن عذاب العاصين والكافرين في قبورهم، أما المؤمنون الطائعون المحسنون فإنهم ينعَّمون في قبورهم، ففي حديث البراء بن عازب السابق أنه بعد إجابة الميت على أسئلة الملكين: "فينادي مناد من السماء: أن قد صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، وألبسوه من الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، قال: ويفتح له فيها مد بصره".

 

***

 

ثم إن هذا الصندوق المغلق هو سيد المواعظ، وأعظم العبر، وهو نذير قائم أمام الأعين المتعظة، منه بكى الأنبياء والصالحون، فعن البراء قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جنازة، فجلس على شفير القبر، فبكى، حتى بل الثرى، ثم قال: "يا إخواني لمثل هذا فأعدوا"(رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني).

 

وعن هانئ مولى عثمان قال: كان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟! فقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه"(رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني)، وزاد ابن ماجه: "ما رأيت منظرًا قط إلا والقبر أفظع منه".

 

ومن أجل طلب النجاة من هول القبر وظلمته ومن ضمته وضغطته وشدته، ومن عذابه، ومن أجل التثبيت عند سؤاله... ومن أجل تبصير الخلق بما فيه ليحتاطوا، وتنبيههم بما يجلب لهم العذاب فيه فيجتنبوه، وإرشادهم إلى ما يجعله عليهم روضة من رياض الجنة فيلتزموه... من أجل كل هذا وغيره قد عقدنا هذا الملف العلمي؛ حجة وموجهًا ومنذرًا ومحذِّرًا، فنسأل الله -عز وجل- أن ينفع به من قاموا على إنشائه وتعاونوا على إخراجه وأن يجعله شفيعًا لهم عند ربهم.

المحور الأول: تعريف القبر ومفهومه:
المحور الثاني: الحياة داخل القبر.
المحور الثالث: أحكام القبور، وزيارتها، ومنهياتها:
المحور الرابع: الرد على منكري نعيم القبر وعذابه وسؤاله:
المحور الخامس: كتب ومراجع وإحالات.
العنوان
خطب موعظة عند قبر 2012/12/25 165173 3026 140
خطب حياة البرزخ 2013/02/27 38701 2761 107
خطب القبر 2013/03/10 12285 1428 100
خطب ذكر القبور 2015/01/17 9185 703 11
خطب ظلمة القبور وتنويرها 2016/06/27 26023 730 21
خطب القبر 2018/03/23 10237 942 71
خطب نعيم القبر 2019/06/04 30706 1080 66
خطب القبر 2021/04/07 2997 859 7
خطب في حياة البرزخ 2022/09/13 4691 1351 7
خطب اليوم الآخر (4-10) عالم القبر 2023/06/11 2159 1196 3
خطب رسائل القبر 2026/01/19 1000 462 6
خطب دروس وعبر من عالم القبور 2026/01/20 1098 442 2
مقالات أحوال القبور قد يكشفها الله عز وجل لمن شاء من عباده 2026/05/03 3 0 0
مقالات الخروج الأخير 2026/05/03 9 0 0
مقالات من أقوال السلف عن عالم القبور وأحوال أهلها 2026/05/03 6 0 0
مقالات من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم عند القبر 2026/05/03 5 0 0
فتاوى إذا كانت الأرض طينية، فكيف يدفن الميت؟ 2026/05/03 6 0 0
فتاوى اللحد أفضل أم الشق 2026/05/03 14 0 0
فتاوى الهيئة التي يوضع عليها الميت في قبره 2026/05/03 6 0 0
فتاوى صفة القبور في السنة 2026/05/03 12 0 0
فتاوى ماهية عالم البرزخ 2026/05/03 9 0 0
صوتيات وفديوهات أسئلة وأجوبة عن ( القبر وعالم البرزخ ) - الشيخ ابن عثيمين. 2026/05/03 4 0 0
صوتيات وفديوهات القبر يناديك - الشيخ خالد الراشد 2026/05/03 6 0 0
صوتيات وفديوهات ما الطريقة الصحيحة للوقوف على قبر الميت والدعاء له؟ - الشيخ أ.د عبدالرزاق البدر. 2026/05/03 3 0 0
صوتيات وفديوهات ماذا يحدث عند دخول القبر - الشيخ محمد العريفي 2026/05/03 5 0 0
صوتيات وفديوهات هل يجوز تلقين الميت في القبر بعد دفنه ؟ - فضيلة الشيخ محمد حسان 2026/05/03 3 0 0
صوتيات وفديوهات ما هي كيفية وضع الميت في القبر؟ - الشيخ د: محمد حسان 2026/05/03 3 0 0
ندوات وحوارات ما هي حياة البرزخ ؟ وما معنى البرزخ ؟ - للدكتور خالد عبد العليم متولي 2026/05/03 3 0 0
ندوات وحوارات يسن في القبر ثمانية أشياء - فصل في المصاب والتعزية - عثمان الخميس 2026/05/03 7 0 0
ندوات وحوارات سكرات الموت - الشيخ الدكتور محمد حسان 2026/05/03 6 0 0
ندوات وحوارات ساعة الاحتضار - الشيخ صالح بن حميد 2026/05/03 6 0 0
ندوات وحوارات 15أحكام الدفن والفرق بين اللحد والشق ـ الجنائز ـ الملخص الفقهي - الشيخ سامح عباس الغنيمي. 2026/05/03 5 0 0
دراسات وأبحاث أسئلة وأجوبة حول القبر 2026/05/03 13 3 0
دراسات وأبحاث الاستعداد للموت وسؤال القبر 2026/05/03 7 1 0
دراسات وأبحاث الحياة البرزخية 2026/05/03 12 2 0
دراسات وأبحاث حياة البرزخ - المطيري 2026/05/03 10 2 0
دراسات وأبحاث حياة البرزخ في القرآن الكريم 2026/05/03 10 1 0
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life