رمضان: تطهير وتكافل واستقامة

الشيخ محمد سليم محمد علي

2026-02-23 - 1447/09/06
التصنيفات: رمضان
عناصر الخطبة
1/الوصية بحسن استقبال رمضان واغتنامه 2/خصوصية رمضان في بيت المقدس وأكنافه 3/الصائمون في رمضان ثلاثة أصناف 4/رمضان شهر البر والعطاء والصدقات

اقتباس

بعضُ الناس يزعُم أنَّه لا يُوجَدُ فُقراءُ بيننا لإعطائهم زكاةَ أموالِهم، وصدقةَ فطرِهم، فنقولُ لهؤلاء الكرام: العُمَّال الذين يتقاضَوْن أجرًا لا يكفيهم، والعمَّال الذين لا يجِدون عملًا ولا كسبًا، والأيتام، والنساء اللاتي لا عائلَ لهنَّ، كلُّ هؤلاء إِنْ لم يكن لهم مالٌ ولا كسبٌ، أو...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله ربِّ العالمينَ، أعطَى شهرَ رمضانَ نصيبًا من اسمِه؛ فهو شهرٌ تُرمَضُ فيه الذنوبُ، وتُحرَقُ بالأعمال الصالِحة لمن أحسَنَ صيامَه، واتَّقَى اللهَ ربَّه، فالصيامُ جُنَّةٌ، وحِصنٌ حصينٌ من النار، وأشهدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه، فرَضَ الصيامَ في رمضان؛ فقال -سبحانه-: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)[البَقَرَةِ: ١٨٥].

 

فيا عبادَ اللهِ: أعطُوا رمضانَ حقَّهُ من أداء الفرائِض والواجِبات، ومن اجتِناب المحظورات، وعدم الوقوع في المُحرَّمات، فذلك الصيامُ على وجهِ التَّمامِ فالزَمُوه، وهذا هو الصيامُ على وجهِ الكمالِ، فاللهَ اللهَ فيه. وأشهدُ أن محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه صامَ رمضانَ وقامَه، وأحسَنَ صيامَه وقيامَه، وكان كما قال ابنُ عبَّاسٍ: "أجودَ الناسِ، وكان أجودَ ما يكونُ في رمضانَ"، فكان جَوَادًا بنفسِه، ومالِه، ووقتِه، وجاهِه.

 

فيا مسلمون: اقتَدُوا برسولِكم، واتَّصِفُوا بصفة نبيِّكم، وسيرُوا على هديه ونهجِه، وأقبِلُوا على الله في شهر رمضان، كي يُقبِلَ اللهُ عليكم برحمتِه ورضوانِه، وأقبِلُوا على الله في كل حالٍ، لتكونُوا في صُحبةِ خير المُرسَلين محمدٍ. اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك عليه، وعلى آله وأصحابِه، وعلى التابعينَ لهم بإحسانٍ، وصلِّ اللهمَّ على كل مُسلِم ارتَقَى بدينِه من منزلَة الإسلام إلى منزلَة الإيمانِ، ومِنْ منزلَةِ الإيمانِ إلى منزلَةِ الإحسانِ، ومن منزلَةِ الإحسانِ إلى منزلَةِ الورعِ واليقينِ، فهذه منازلُ مَنْ يقبَلُ اللهُ منه صيامَه وقيامَه، فاللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك عليهم، وعليكم جميعًا إلى يوم الدين.

 

أما بعدُ، أيها المُؤمنون: لو أن مَلِكًا من مُلوك الإسلام الصالِحين علِمتُم بقُرب زيارتِه لكم في بَيْت الْمَقدسِ وأكنافِه. كيف تستقبِلُونه؟ سوف تلبَسُون لاستِقبالِه كلَّ جديدٍ، وتستعدُّون لمجيئِه بتزيين الشوارِع، وتنظيف الطُّرقات، ونَثْر الورود.

 

يا مُسلمون: رمضانُ مَلِكُ الشهورِ كلِّها، نزلَ فيكم ضيفًا كريمًا فأحسِنُوا استقبالَه وضيافتَه بغسلِ قلوبِكم من الغلِّ والحسَد، ونظِّفوا جوارِحَكم من حقوقِ الناسِ، ورُدُّوا إليهم أموالَهم، وكُفُّوا عن أعراضِهم ودمائِهم، حذارِ أن تستقبِلُوا رمضانَ ملِكَ الشهور بأيادٍ معتدِيةٍ، وأفئِدةٍ مُنافِقةٍ عاصيةٍ سوداءَ؛ فرمضانُ هذا الملِكُ الكريمُ تُفتَحُ فيه أبوابُ الجنةِ، وفيه تُغلَّقُ أبوابُ النارِ، وفيه تُصفَّدُ الشياطينُ، وفيه ابتدَأَ نُزولُ القرآنِ، وفيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ، وفيه الدعاءُ المُستجابُ، وفيه العِتْقُ من النار، والعُمرةُ فيه تعدِلُ حجَّةً، فكان رمضان -حقًّا- مَلِكًا مُتوَّجًا على الشهور كلِّها، فنُهنِّئُكم، ونُهنِّئُ شعبَنا، ونُهنِّئُ المُسلمينَ بهذا الشهرِ الكريمِ، ونسألُ اللهَ -سبحانه- أن يجعلَه فاتِحةَ خيرٍ للشهور بعدَه تفريجًا لكُربات المُسلمينَ، ودفعًا للبليَّات عنهم، وجمعًا لكلمتهم، وتأليفًا لقلوبِهم على دينِهم، وحقنًا لدمائِهم، ورفعًا لمنازِلهم في الدنيا والآخرة.

 

يا أهلَ بيتِ المقدسِ، ويا أهلَ أكنافِ بَيْتِ الْمَقدسِ: تلتَقُون مع رمضان، وتعيشُون معه أفضلَ أيامِكم، ولياليكم، فاحرِصُوا على شدِّ الرِّحال إلى المسجد الأقصى للصلاة فيه، وذِكْرِ اللهِ وطاعتِه، حافِظُوا على حُرمتِه، وقدسيَّته، ونظافتِه، وأشغِلُوا أوقاتَكم بالأعمالِ الصالِحاتِ، وإيَّاكم والمُحدَثاتِ فيه، قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَمَسْجِدِي هَذَا".

 

يا مسلمون، يا عبادَ اللهِ: مَنْ لم يستطِعِ الوصولَ إلى المسجد الأقصى للصلاة فيه، وكانت نيَّته شدَّ رحالِه إليه، وحيلَ بينَه وبينَه فحبَسَه العُذر نُبَشِّرُه أن أجرَه يُكتَبُ كامِلًا عند الله كأجر مَنْ شدَّ الرحالَ إليه، فقد قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وهو في تبوك: "إنَّ بالمدينة لَرجالًا، ما سِرْتُم مسيرًا، ولا قطَعْتُم واديًا، إلا كانوا معَكم شرَكُوكُم الأجرَ"، وفي رواية: "حبَسَهم العُذرُ"، وفي روايةٍ: "حبَسَهم المرضُ". فاللهمَّ ارزُقنا الغُدُوَّ والرواحَ إلى أقصانا، اللهمَّ ارزُقنا الغُدُوَّ والرواحَ إلى مَسرَانا، اللهمَّ ارزُقنا مُجاورتَه ما بَقِينَا.

 

أيها المُؤمنون: إنَّ الصائمينَ في شهرِ رمضانَ ثلاثةُ أصنافٍ، الصنفُ الأول صائمةٌ وصائِم، صيامُه له لا عليه، والصنفُ الثاني صائمةٌ وصائِمٌ، صيامُه عليه وليس له، والصنفُ الثالث صائمةٌ وصائِم، صيامُه لا له ولا عليه.

 

يا عبادَ اللهِ، يا مُؤمنون: أما الصائمُ في رمضان الذي صيامُه له لا عليه فهو الذي نُريدُكم أن تدخُلوا في معيَّته، وأن تتَّصِفُوا بصفاتِه، فصُونوا صيامَكم عن الرَّفَث والصَّخَب، وعن قول المُنكَر، وسماعِه ومُشاهَدَتِه كي تكونوا من هذا الصنف المقبول صيامُه.

 

يا صائمون: واشعُروا بغيرِكم من الناس، وخفِّفوا من معاناتهم ما استطعتُم، وتحمَّلوا الأذى، واحلمُوا، واصفَحوا عمَّن أساءَ لكم، وليكن شِعارُكم في رمضان: "اللهمَّ إني صائم" قولًا وعملًا، "اللهمَّ إني صائم" نيَّةً وسُلوكًا، عيشُوا مع مَلِكِ الشهورِ رمضانَ بعزيمةٍ صادقةٍ جادَّةٍ على عملِ الطاعاتِ، سارِعوا إلى الخيراتِ، واستبِقُوا غيرَكم إلى عملِ الصالحاتِ، وافتَحوا صفحةً جديدةً مع اللهِ حتى يكون صيامُكم لكم، ولا يكونَ عليكم، وحتى يُكتبَ لكم الأجرُ كاملًا غيرَ منقوص، وحتى تُفتَح لكم أبوابُ الجنةِ. فمَنْ كان من هذا الصنف فهو الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ صامَ رمضانَ إيمانًا واحتِسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبِه".

 

أيها الصائمون: هذا هو صومُ العبادةِ التي يُريدُها اللهُ منكم، فمع صيامِ بُطونِكم عن الطعام والشراب، ومع صيامِ فُروجِكم عن الشهوَة، لِتصُمْ جوارِحُكم عن كل ما يُسخِطُ اللهَ عليكم، ليصُم اللسانُ عن قول الزُّور والباطِل، فإنَّ خطرَ اللسانِ على الصيام كبيرٌ، حتى أفتَى الإمامُ الأوزاعيُّ بعدمِ قَبولِ صيامِ مَنْ يغتابُ في شهر رمضان، ومع أن جمهورَ الفقهاءِ يقولون غيرَ ذلك، إلَّا أن هذه الفتوى تُحذِّرُكم من الهُجوم باللسان على المُحرَّمات، وبخاصَّة في شهر رمضان.

 

يا صائمون، يا صائمات: صوِّموا أرجُلَكم عن المشي إلى المُحرَّمات، وصوِّموا أسماعَكم عن سماعِ اللهو والمنكَرات، وصوِّموا أياديَكم عن البطش بالناس أو التعدي عليهم، وصوِّموا عيونَكم عن النظر عمَّا لا يحلُّ لكم من العورات، واحفَظوا حُرمةَ رمضانَ في ليلِه ونهارِه؛ فحُرمةُ ليالي رمضان كحُرمة نهارِه، فلا تجعلُوا من شوارِع القُدس، ومن بابِ العمودِ، ومن منتدياتِكم أماكنَ لمعصيةِ اللهِ والجهرِ بها في ليالي رمضان خاصَّةً، ولْتحذَرِ النساءُ من مُزاحَمة الرجال في الأسواق، وأحيُوا صلاةَ التراويحِ في المسجد الأقصى، فإن أجرَ الرَّكعة الواحدة فيه بألف ركعةٍ، وذلك لصلاة الفريضة والنافِلة، واتَّخِذُوا من البيتِ المُقدَّس في شهر رمضان بيتًا لطاعةِ الله وعبادتِه، واحذَرُوا من التحليقِ فيه للرَّفَث واللَّغْو، قال جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-: "إذا صُمتَ فليصُم سمعُك وبصرُك ولسانُك عن الكذب والمحارِم، وليكُنْ عليكَ وقارٌ وسَكِينةٌ يومَ صيامِكَ، ولا تجعل فِطركَ وصومَكَ سواءً".

 

يا مُسلمون، يا مُؤمنون، يا عبادَ اللهِ: هذا هو الصيامُ المقبُول بهذه الصفاتِ والأعمالِ، فعَضُّوا عليها بالنواجِذ واعمَلوا بها، وتخلَّقوا بأخلاقِها حتى يكون صيامُكم لكم، ولا يكون عليكم.

 

واعلمُوا -يا عبادَ اللهِ- أنَّ الاحتِساب في صيام شهر رمضان أن تصومُوه رغبةً في الثواب غيرَ مُستثقِلينَ صيامَه، ولا مُستطِيلينَ لأيامِه، حافِظينَ جوارِحَكم من المعاصِي، ومُؤدِّينَ الفرائِضَ، ومُقبِلينَ على النوافِل؛ كتلاوةِ القرآن، وإطعامِ الطعام، والبِرِّ بالمساكين والأيتام. فأقبِلوا يا صائِمون على كل ذلك إقبالَ الظامِئ على الماء، فَلِلَّهِ درُّ هذا الصائِم ما أعظمَ ثوابَه! وما أعظمَ وفادتَه على ربِّه! فهذا الصائِم هو الذي بنفسِه يُصفِّدُ الشياطين بترك المعاصِي والمنكَرات، وهو الذي بنفسِه يفتحُ أبوابَ الجنة بأعمالِه الصالِحات، وابتِغاء الخيرات، وهو مِنَ الذين قيلَ فيهم: "وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ". فاللهمَّ اجعَلْنا من بُغاةِ الخيرِ، اللهم اجعلنا مِنَ العتقاءِ مِنَ النارِ.

 

أيها المسلمون: وأما النوعُ الثاني من الصائمين والصائمات، فهو الذي صيامُه عليه وليس له، والعياذُ بالله، فاحذَروا هذا النوعَ، ولا تتَّصِفوا بصفاتِه، فهو الذي لا يجتنِبُ الزُّورَ، ويسُوءُ خُلُقُه بسببِ جُوعِه، فيشتُم ويتشاجَرُ مع الناس، لسانُه ذرِبٌ بالفُحشِ والتفحُّشِ، ولا يحفَظُ جوارِحَه مِنَ الحرامِ، ويمضِي سحابةَ نهارِه في الرَّفَثِ والصخَبِ، وإساءةِ الجِوارِ، وقطعِ الأرحامِ، ويفتَحُ مِطعمَه ومتجرَه في نهار رمضان ويبيعُ المُفطِرين، بائِعٌ فاعلٌ للمُنكَر، ومُعينٌ عليه، وهو الذي يقضِي ليلَه قائمًا على الفيسِ والتلفاز، فليلُه لهوٌ وسهوٌ، وغفلةٌ عن طاعةِ الله وذِكرِه. وأمَّا هي فتخرُجُ متبرِّجَةً، تُزاحِمُ الرجالَ في الأسواق، ولا تُراعِي حقوقَ زوجِها، ولا تعينُه على صِلَةِ رحمِه، فهذه هي الصائِمة والصائِم الذي صيامُه عليه وليس له، وهو الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "رُبَّ صائِمٍ ليس له من صيامِه إلا الجوعُ، ورُبَّ قائمٍ ليس له من قيامِه إلا السَّهَرُ". وهذا الصنفُ من الصائِمينَ هو الذي جاء تحذيرُهم من نبيِّنا -صلى الله عليه وسلم- حينَ قالَ: "مَنْ لم يدعَ قولَ الزُّورِ والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يدعَ طعامَه وشرابَه".

 

أيها الصائِمون، يا أهلَ القرآن، ويا أهلَ الإسلام: وأمَّا الصنفُ الأخيرُ من المُسلمينَ والمُسلِماتِ الذين يصومون في رمضان، وصيامُهم لا لَهُمْ ولا عليهم، فَهُمُ الذينَ يصومون ولا يُصلُّون، وهم الذين ينامون عن الصلوات المكتُوبات، وهم الذين لا يعرِفون بابًا لمسجِد يُؤدُّون فيه الصلواتِ، وهم الذين لا يَطرُقون بابًا لذي رحمٍ يصلُونه، ولا يُصلُّون التراويحَ، ولا يحرِصُون على الصدقاتِ، ولا يُخرِجُون زكاةَ أموالِهم. صيامُهم عادةٌ فحسبُ، امتِناعٌ عن الطعامِ والشرابِ ومُعاشرةِ الزوجاتِ من طلوع الفجر إلى غيابِ الشمسِ، لا يعرِفون معنًى للصيام غير هذا المعنى، يستثقِلون صيامَ رمضان، ويستطيلون أيامَه، جوارِحُهم فارِغةٌ من الخيراتِ، وميزانُهم مُثقَلٌ بالتبِعاتِ، لم ينالُوا الأجرَ والثوابَ على الطاعات؛ لأنهم لم يُبادِروا إليها، ولم يقوموا بها، فهؤلاء يَقبَلُ اللهُ منهم أداءَ فريضةِ الصيامِ، ويَسقُطُ عنهم إثمُ تركِها، ولكنهم يخرُجون من شهر رمضان مُفلِسين، فإذا نُصِبَت الموازين خفَّت موازينُهم، وإذا مرُّوا على الصراط فأنَّى نجاتُهم! وإذا غادرَ ملِكُ الشهور رمضان فلا ينالُون عطاياه. فخابَ وخسِر مَنْ أدرَك رمضانَ ولم يُغفَر له، وخابَ وخسِرَ مَنْ أدرَك شهرَ الصيام، ولم يُعْتَق من نارِ جهنَّم، وخابَ وخسِرَ مَنْ أساءَ إلى زوجتِه، وأهلِ بيتِه، وجيرانِه، وأقارِبِه لجُوعِه وعطشِه في رمضان، وخابَ وخسِر من افتعلَ النِّزاعات والشجارات مع الناس بحُجَّة أنَّه صائِمٌ وجائِعٌ.

 

يا مسلمون: ويبقَى صنفٌ رابِعٌ عليه أن يتوبَ توبةً نصُوحًا؛ وهو الذي يُجاهِر بالإفطارِ في شهر رمضان، ويُفطِرُه عمدًا من غير عُذرٍ شرعيٍّ، فهؤلاء وصفَهم الفقهاءُ بأنهم زناديقُ، وصفةُ الزنديقِ لا تليقُ بعاقلٍ ولا مجنونٍ، فكيف يقبَلُونها على أنفسِهم؟! ألَا يعلمُ هؤلاء أن صالِحَ المؤمنين لا ينظُرُون إليهم بعين الرِّضا، ولا يرتضونَ أن يكونُوا بينهم على ما هم عليه من فُسوقٍ وعصيانٍ. فنُحذِّرُهم من المُجاهَرة بالإفطار في رمضان، وننصَحُهم بالتوبة وبصيام رمضان؛ لأنَّه فريضةٌ مُحكَمة يُعذَّبون على تركِها بالنار يومَ القيامةِ، جاء في الحديث الشريف: "بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصومِ رمضانَ، وحجِّ البيتِ لمن استطاعَ إليه سبيلًا". فاللهمَّ إنَّا نُشهِدُك أنكَ أنتَ اللهُ وحدَكَ لا شريكَ لكَ، ونشهَد أنَّ محمدًا عبدُك ورسولُك، فأعِنَّا على إقامةِ الصلاةِ، أعِنَّا على إيتاءِ الزكاةِ، أعِنَّا على صومِ رمضانَ، وارزُقنا حجَّ البيتِ وأعِنَّا عليه.

 

اللهمَّ حبِّب إلينا الإيمان، وزيِّنه في قلوبِنا، وكرِّه إلينا الكفرَ والفُسوقَ والعصيان، واجعلنا من الراشدين.

 

عبادَ اللهِ: توبُوا إليه واستغفرُوه، وادعُوه وأنتم مُوقِنون بالإجابة.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وأشهد أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِكْ عليه، وعلى آلِه وأصحابِه، وعلى التابعينَ لهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.

 

أما بعدُ، يا مسلمون: أما الصائم الذي صيامُه له لا عليه، فإن صدقةَ الفطر التي يُخرِجُها ترفعُ منزلتَه عند ربِّه بتحقيقِ التكافُلِ مع غيرِه من المسلمين. وأمَّا الصائم الذي صيامُه عليه لا له، فإنَّ صدقةَ الفطر التي يُخرِجُها تطهيرٌ لصيامِه مما اقترَفَه في رمضانَ من الذنوب، من اللغوِ، والرفَث، وصغائِر الأمور. وأمَّا الصائم الذي صيامُه لا له ولا عليه، فإن رحمةَ اللهِ واسِعةٌ، وصدقةُ الفطرِ ستكونُ في ميزانِ حسناتِه وجوبًا وثوابًا.

 

أيها الصائمون: وإذا كان وقتُ وجوبِ صدقةِ الفطرِ يكونُ بغُروبِ شمسِ آخِرِ يومٍ من شهرِ رمضانَ، فإنَّه يجُوزُ أن يُعجِّلَها المسلمُ من أول شهر رمضان، وكذلك الزكاة فإنَّه يجُوزُ للواجِبة عليه أن يُعجِّلَها قبل الحول، فعجِّلوا إخراجَ زكاة فطرِكم، وزكاةَ أموالِكم من بدايةِ شهرِ رمضانَ؛ فإنَّه الأنسبُ لأحوال شعبِنا وظُروفِه التي يعيشُها، نسألُ اللهَ أن يُفرِّجَ كُرُباتِكم وكُرُباتِ المسلمينَ.

 

أيها الصائمون: وبعضُ الناس يزعُم أنَّه لا يُوجَدُ فُقراءُ بيننا لإعطائهم زكاةَ أموالِهم، وصدقةَ فطرِهم، فنقولُ لهؤلاء الكرام: العُمَّال الذين يتقاضَوْن أجرًا لا يكفيهم، والعمَّال الذين لا يجِدون عملًا ولا كسبًا، والأيتام، والنساء اللاتي لا عائلَ لهنَّ، كلُّ هؤلاء إِنْ لم يكن لهم مالٌ ولا كسبٌ، أو كان لهم مالٌ لا يكفيهم لحوائِجهم الضروريَّة هم ومَنْ يعُولُون، فإنهم يُعطَون من الزكاة ومِنْ صدقةِ الفطرِ، وهم بينَكم وحولَكم، فاتقوا اللهَ فيهم، قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "وَمَن كَانَ في حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ في حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ".

 

أيها المسلمون، أيها الصائِمون: واعلموا -رحمكم الله- أنَّ من كمالِ عقولِكم أن يظلَّ تواصُلُكم مع ربِّكم معقودًا، وأنَّ من تمامِ رُشدِكم أن يظلَّ حبلُ تواصُلكم مع المسجد الأقصى ممدودًا، فالله ربُّكم فاعبدُوه حقَّ العبادة في رمضان وفي غير رمضان. أرحامَكم أرحامَكم صِلُوها ولا تقطعُوها، أرحامَكم أرحامَكم يا من تقطعون الرحم صِلُوها ولا تقطعُوها، ودِينَكم دِينَكم هو لحمُكم ودمُكم فاحفَظوه كي تُحفَظُوا.

 

أيها المؤمنون، أيها الصائِمون، أيها المسلمون: والأقصى جُنَّتُكم في الآخرة من النار، وجَنَّتُكم في الدنيا، فخُذُوا جُنَّتَكم في أقصاكم بإحسان مُجاورتِه، واتَّخِذُوه جَنَّتَكم بالصلاة فيه وذِكْرِ الله وطاعتِه، وعلِّقُوا قلوبَكم به فهو المسرَى والأقصى، وهو القِبلةُ الأُولى التي تشُدُّون إليها الرِّحال.

 

يا عبادَ اللهِ، يا مسلمونَ، يا صائمونَ: الصبرَ الصبرَ على الطاعات، الصبرَ الصبرَ عن المُحرَّمات، الصبرَ الصبرَ على البلاء، فإن الصبرَ على البليَّات، والصبرَ على الطاعات، والصبرَ عن المُحرَّمات طريقٌ لتفريجِ الكُرباتِ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: ٢٠٠].

 

اللهمَّ تقبَّل صيامَنا، وصلواتِنا، وقيامَنا، وصدقاتِنا، وصلةَ أرحامِنا، اللهمَّ إنَّا نعوذُ بك من الفتن والمِحن والنفاق والعُصيان.

 

اللهمَّ اجعل أقصانَا آمِنًا بأمانِكَ، عزيزًا بعزِّكَ، اللهمَّ انصُر الإسلامَ والمسلمينَ، وأعلِ كلمةَ الحقِّ والدينِ، اللهمَّ لا تَدَعْ لنا ذنبًا إلا غفرتَه، ولا همًّا إلا فرَّجتَه، ولا مُبتَلًى إلا عافيتَه، ولا أسيرًا إلَّا وإلى أهلِه رَدَدْتَه، ولا ميتًا إلا رحمتَه.

 

اللهمَّ تولَّ أمرَنا، وفرِّج كَرْبَنا، اللهمَّ اقضِ الدَّينَ عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضَى المسلمين، ورُدَّ عَنَّا ظُلمَ الظالمين، وأحسِن خلاصَنا يا أرحم الراحمين.

 

اللهمَّ اصحَبْنا الصحةَ في أبدانِنا، والعِصمةَ في دينِنا، وأحسِن مُنقَلَبَنا، وارزُقنا عافيتَك وطاعتَك ما أبقَيتَنا. اللهمَّ اغفِر لنا ولوالدِينا، ولزوجاتِنا، ولأولادِنا، ولبناتِنا، ولأهلِنا، وللمسلمينَ والمسلماتِ، الأحياء منهم والأموات.

 

عبادَ اللهِ: إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ، وإيتاء ذي القُربى، وينهَى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعِظُكم لعلَّكم تذكَّرون، فاذكروا اللهَ يذكُركم، واشكُرُوه يزِدكم، واستغفِرُوه يغفِر لكم.

 

وأنتَ يا مقيمَ الصلاةِ أقِم الصلاة؛ (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[الْعَنْكَبُوتِ: 45].

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life