فضل العشر الأواخر وخصائص ليلة القدر

أ. د حسن بن محمد شبالة

2026-03-05 - 1447/09/16
التصنيفات: رمضان
عناصر الخطبة
1/فضل العشر الأواخر من رمضان 2/خصائص ليلة القدر 3/الحذر من تضييع العشر الأواخر وليلة القدر.

اقتباس

العشرُ قد أقبلتْ؛ فماذا نحنُ صانعونَ فيها؟ كانَ من هديِهِ -صلى الله عليه وسلم- إذا أقبلتِ العشرُ أن يشدَّ المئزرَ كنايةً عن اعتزالِ النساءِ، ويوقظَ أهلَهُ للعبادةِ، ويقومَ اللَّيلَ كلَّهُ كنايةً عن...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

عبادَ اللهِ: إنَّما الأعمالُ بالخواتيمِ، وهذا شهرُ رمضانَ قد أعلنَ الرَّحيلَ واقتربَ انصرافُهُ؛ فذهبَ منهُ الثُّلثانِ، وبقيَ ثُلثُهُ الأخيرُ وهو أفضَلُهُ وأعظمُهُ؛ فمن فرَّطَ في أوَّلِهِ وأوسطِهِ فلا يُفرِّطْ في آخِرِهِ، فآخِرُ رمضانَ أفضَلُ من أوَّلِهِ، فيهِ اللَّيالي العشرُ التي أقسمَ اللهُ -سبحانه وتعالى- بها فقال: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ)[الفجر: 1-5].

 

وليالي العشرِ في أحدِ تفسيرِ أهلِ العلمِ هي العشرُ الأواخرُ من رمضانَ، والشَّفعُ والوترُ هو كلُّ شفعٍ ووترٍ في هذهِ الحياةِ، ويدخلُ فيهِ الصَّلاةُ، صلاةُ الشَّفعِ وصلاةُ الوترِ، ثمَّ أقسمَ اللهُ باللَّيلِ إذا انقضى وذهبَ، وهو محلُّ العبادةِ والطاعةِ والخلوةِ باللهِ -سبحانه وتعالى-، وهذا إشعارٌ بأنَّ العمرَ يذهبُ سريعًا على صاحبِهِ؛ كما تذهبُ اللَّيالي والأيَّامُ.

 

نعم -أيُّها المؤمنونَ- هذا القَسَمُ كافٍ لمن كانَ عندهُ عقلٌ يمنعُهُ عن الباطلِ؛ (هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ)[الفجر: 5]، أي لذي عقلٍ يمنعُ نفسَهُ من المعصيةِ والمنكرِ.

 

أيُّها المؤمنونَ: هذهِ العشرُ قد أقبلتْ، فماذا نحنُ صانعونَ فيها؟ كانَ من هديِهِ -صلى الله عليه وسلم- إذا أقبلتِ العشرُ أن يشدَّ المئزرَ كنايةً عن اعتزالِ النساءِ، ويوقظَ أهلَهُ للعبادةِ، ويقومَ اللَّيلَ كلَّهُ كنايةً عن الجِدِّ والاجتهادِ في الطاعةِ والسَّهَرِ في عبادةِ اللهِ -سبحانه وتعالى-.

 

ذلكَ أنَّ في هذهِ العشرِ ليلةً هي أفضَلُ اللَّيالي على الإطلاقِ، وهي خيرٌ من ألفِ شهرٍ، إنَّها ليلةُ القدرِ؛ هذهِ اللَّيلةُ العظيمةُ، العبادةُ والطاعةُ فيها تساوي ثلاثًا وثمانينَ سنةً وأربعةَ أشهرٍ في غيرِها؛ فمن صلَّى للهِ صلاةً فيها كانَ كمن صلَّى تلكَ الصَّلاةَ ثلاثًا وثمانينَ سنةً، ومن سبَّحَ للهِ فيها كانَ كمن سبَّحَ للهِ ثلاثًا وثمانينَ سنةً، ومن تصدَّقَ ومن قرأَ القرآنَ ومن استغفرَ ومن فعلَ سائرَ الطاعاتِ والقُرباتِ؛ فإنَّ فعلَهُ لتلكَ الطاعاتِ في تلكَ اللَّيلةِ يساوي عبادةَ ثلاثٍ وثمانينَ سنةً.

 

وهذهِ من فضلِ اللهِ وكرمِهِ ومنَّتِهِ على أُمَّةِ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وقد قيلَ في حكمةِ هذهِ اللَّيلةِ المباركةِ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أراهُ اللهُ أعمارَ أُمَّتِهِ فوجدَها قصيرةً بالنِّسبةِ لأعمارِ الأُممِ السَّابقةِ، فقالَ: "أُمَّتي أعمارُها من ستِّينَ إلى سبعينَ وقليلٌ من يتجاوزُ ذلكَ".

 

هذا العمرُ قليلٌ في مقابلِ أعمارِ قومِ نوحٍ وغيرِهم؛ فأعطاهُ اللهُ هذهِ اللَّيلةَ لتُغطِّيَ ذلكَ النَّقصَ في أعمارِ الأُمَّةِ، وتخيَّلْ أنَّك كلَّ سنةٍ من عمركَ الذي يبلغُ ثلاثينَ أو أربعينَ أو خمسينَ سنةً تُوفَّقُ لهذهِ اللَّيلةِ فتقومُها إيمانًا واحتسابًا وتجتهدُ في الطاعةِ والقُربى فيها؛ فلو ضربتَ سنواتِ عمركَ في ثلاثٍ وثمانينَ سنةً فانظرْ كم سيكونُ عمركَ في الواقعِ.

 

أيُّها المؤمنونَ: هذهِ اللَّيلةُ المباركةُ في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ فيها مجموعةٌ من الخصائصِ والفضائلِ، ومنها:

أوَّلًا: أنَّهُ نزلَ فيها القرآنُ، قالَ اللهُ -تعالى-: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)[القدر: 1]، وقالَ في آيةٍ أخرى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)[البقرة: 185].

 

فليلةُ القدرِ في شهرِ رمضانَ، والقرآنُ ابتدأَ نزولُهُ في شهرِ رمضانَ، وجاءتِ السُّنَّةُ الصَّحيحةُ تقولُ إنَّ ليلةَ القدرِ هي في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ وفي ليالي الوترِ منها، وأنَّ القرآنَ نزلَ فيها نزولًا إجماليًّا من اللَّوحِ المحفوظِ إلى سماءِ الدُّنيا، ثم ابتدأَ نزولُ القرآنِ على نبيِّنا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- في ليلةِ القدرِ في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ وهو يتعبَّدُ في غارِ حراءَ.

 

وقد قيلَ إنَّها كانت ليلةَ سبعٍ وعشرينَ، ونزلَ عليهِ؛ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)[العلق: 1]، إلى نهايةِ الخمسِ الآياتِ الأُولَى، ثم استمرَّ القرآنُ ينزلُ على نبيِّنا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- ثلاثًا وعشرينَ سنةً؛ فنزولُهُ في هذهِ اللَّيلةِ دليلٌ على فضلِها وبركتِها.

 

ثانيًا: أنَّ اللهَ -تعالى- جعلَ العبادةَ فيها خيرًا من العبادةِ في غيرِها من اللَّيالي بألفِ شهرٍ، وهي تساوي ثلاثًا وثمانينَ سنةً.

 

ثالثًا: أنَّها ليلةٌ مباركةٌ فيها البركةُ ونموُّ الخيرِ؛ كما قالَ -سبحانه-: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ)[الدخان: 3].

 

رابعًا: أنَّ الملائكةَ تتنزَّلُ فيها، بل يكثرُ نزولُ الملائكةِ إلى الأرضِ في هذهِ اللَّيلةِ المباركةِ، كما قالَ -تعالى-: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا)[القدر: 4].

 

خامسًا: أنَّها وُصِفَتْ بأنَّها سلامٌ؛ كما قالَ -تعالى-: (سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ)[القدر:5].

 

سادسا: أنَّ من قامَها إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ، كما في الحديثِ: "مَنْ قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ".

 

سابعا: أنَّ اللهَ خلَّدَ ذكرَها بسورةٍ كاملةٍ في القرآنِ سمَّاها سورةَ القدرِ؛ (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ)[القدر: 1-5].

 

أيُّها المؤمنونَ: هذهِ اللَّيلةُ المباركةُ في هذهِ العشرِ اللَّيالي المباركةِ تحتاجُ إلى الجِدِّ والاجتهادِ والتشميرِ ونبذِ الكسلِ، فقد كانَ نبيُّنا محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- إذا دخلتِ العشرُ اجتهدَ فيها ما لم يجتهدْ في غيرِها، وربما أحيا اللَّيلَ كلَّهُ.

 

نعم -أيُّها المؤمنونَ- هذهِ العشرُ المباركةُ تحتاجُ إلى الجِدِّ والاجتهادِ والزيادةِ في الطاعاتِ والقُرباتِ، وقد مَنَّ اللهُ علينا بتنوُّعِ العباداتِ؛ فمن لم يقدرْ على عبادةٍ محدَّدةٍ فليأخذْ غيرَها، فهناك عباداتٌ بدنيةٌ، وعباداتٌ ماليةٌ، وعباداتٌ مشتركةٌ، وعبادةُ الذِّكرِ، وعبادةُ قراءةِ القرآنِ، وعبادةُ الصدقةِ، وعبادةُ الاستغفارِ، وعبادةُ المسامحةِ والعفوِ عن الناسِ، وعبادةُ القيامِ بين يديِ اللهِ طاعةً وقُربةً خضوعًا وسجودًا وركوعًا، وعبادةُ التفكُّرِ والتدبُّرِ، وغيرُها من العباداتِ المتنوِّعةِ، ولا يُحرَمُ من الخيرِ المتنوِّعِ في هذا الشهرِ إلا من حرمهُ اللهُ -سبحانه وتعالى-.

 

وليالي العشرِ تبدأُ من غروبِ شمسِ اليومِ العشرينَ، فإذا غربتْ شمسُ يومِ العشرينَ من رمضانَ فقد دخلتِ العشرُ الأواخرُ، وتنتهي العشرُ بغروبِ آخرِ يومٍ من رمضانَ. هذهِ العشرُ قد تكونُ عشرًا وقد تكونُ تسعًا إذا كانَ الشهرُ تسعًا وعشرينَ، وقد جاءَ في الحديثِ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانَ"؛ بمعنى: حتى ولو كانَ الشهرُ تسعةً وعشرينَ؛ فإنَّ اللهَ يعطي أجرَ ثلاثينَ يومًا لعبادِهِ فيها؛ لأنَّ اللهَ كريمٌ عظيمٌ -سبحانه-، ووقتُ ليلةِ القدرِ يبدأُ من غروبِ الشمسِ إلى طلوعِ الفجرِ؛ كما قالَ -تعالى-: (سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ)[القدر: 5].

 

ومحلُّ ليلةِ القدرِ هو اللَّيلُ، ولذا يُشرعُ الاجتهادُ في اللَّيلِ أكثرَ من النَّهارِ في العشرِ الأواخرِ، فيجتهدُ في الطاعةِ والعبادةِ والقربِ من اللهِ في ليالي العشرِ أكثرَ من نهارِها، لأنَّها موطنُ ليلةِ القدرِ.

 

وليلةُ القدرِ كما قُلنا مخفيَّةٌ، قد تظهرُ بعضُ علاماتها في بعضِ السنينَ دونَ بعضٍ بعدَ أن تحصلَ وليس قبلَ أن تحصلَ، وفي الحديثِ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- في إحدى ليالي رمضانَ، وهي ليلةُ إحدى وعشرينَ، قال: "إِنِّي أَرَى لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ ـ يَعْنِي الَّتِي مَضَتْ ـ أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَسْجُدُ عَلَى مَاءٍ وَطِينٍ".

 

فجاءهم مطرٌ وهم يُصلُّونَ؛ فنزلَ المطرُ من سطحِ المسجدِ عليهم فسجدَ على الماءِ والطينِ، فتحقَّقتْ رؤيتُهُ في أن تكونَ تلكَ اللَّيلةُ هي ليلةَ القدرِ. والناسُ اليومَ ينشغلونَ كثيرًا في البحثِ عن العلاماتِ الحسيَّةِ لليلةِ القدرِ ويُضيِّعونَ الاجتهادَ في العبادةِ، ونحنُ مأمورونَ أن نجتهدَ في العشرِ كلِّها؛ فربما وُفِّقتَ إلى ليلةِ القدرِ وأنتَ لا تدري، فقط أخلِصِ النيَّةَ واجتهدْ في العبادةِ، ولا تشغلْ نفسَك هل مضتْ أو لا، فهذا كلُّهُ من وسواسِ الشيطانِ لتضييعِ العبادةِ، خاصَّةً لمن يُقالُ له إنَّ ليلةَ القدرِ قد تمتْ بالأمسِ فيكسلُ باقيَ الليالي ويُضيِّعُ الفرصةَ على نفسِهِ، وربما لم تكنْ قد ذهبتْ؛ لأنَّهُ لا يعلمُ الغيبَ إلا اللهُ -سبحانه-.

 

عبادَ اللهِ: في هذهِ اللَّيالي المباركةِ عبادةٌ كانَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يهتمُّ بها، وهي عبادةُ الاعتكافِ؛ فقد كانَ -صلى الله عليه وسلم- إذا دخلتِ العشرُ اعتكفَها، والاعتكافُ سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ لمداومةِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- عليها. والاعتكافُ هو الانقطاعُ في المسجدِ لعبادةِ اللهِ -سبحانه وتعالى- وطاعتِهِ، وأن تنقطعَ عن الدنيا وعن أهلِكَ وتنويَ اللُّبثَ في المسجدِ للذِّكرِ والصلاةِ والتدبُّرِ وقراءةِ القرآنِ وسائرِ الطاعاتِ، وهو مشروعٌ وسُنَّةٌ كما قُلنا، ويُشرعُ الاعتكافُ في كلِّ مسجدٍ تُقامُ فيهِ الجمعةُ حتى لا يضطرَّ الإنسانُ إلى الخروجِ لصلاةِ الجمعةِ، وإذا لم يجدِ الإنسانُ مسجدًا مناسبًا فيهِ جمعةٌ واعتكفَ بمسجدٍ لا جمعةَ فيهِ فلهُ أن يعتكفَ فيهِ ويشترطَ الخروجَ للجمعةِ ثم يعودَ إلى معتكفِهِ ويستمرَّ في اعتكافِهِ.

 

وكذلك من أحكامِ الاعتكافِ أن ينويَ الإنسانُ الاعتكافَ مع دخولِ ليالي العشرِ، من غروبِ شمسِ يومِ عشرينَ من رمضانَ يبدأُ الاعتكافُ إلى ليلةِ العيدِ، وإن استمرَّ إلى أن يُصلِّيَ العيدَ فهو أفضلُ.

 

كذلك من أحكامِهِ أن من لهُ حاجةٌ أثناءَ الاعتكافِ؛ فلهُ أن يشترطَ في اعتكافِهِ أن يخرجَ لقضاءِ تلكَ الحاجةِ والعودةِ، ولا ينقطعُ اعتكافُهُ، والأصلُ أن يعتكفَ الإنسانُ وينقطعَ عن شواغلِ الدنيا كلِّها حتى يكونَ اعتكافُهُ كاملًا؛ والأصلُ في الاعتكافِ أن تعتكفَ ليالي العشرِ كلَّها، ولكن من لم يقدرْ على ذلكَ فلا يحرِمْ نفسَهُ من الأجرِ؛ فليعتكفْ ولو ليلةً واحدةً.

 

فإذا اعتكفتَ في المسجدِ فاتركِ القيلَ والقالَ والكلامَ الذي لا فائدةَ منهُ، وخاصَّةً المحرَّماتِ كالغيبةِ والنميمةِ، وانشغلْ بالطاعاتِ، ويجوزُ لكَ الكلامُ المباحُ لكن لا تُكثرْ منهُ؛ فيكفي ما تتكلَّمُ فيهِ طيلةَ العامِ، فهذا وقتٌ للطاعةِ والعبادةِ فاشغلْ نفسَكَ بها.

 

كذلك انتبهْ لمبطلاتِ الاعتكافِ؛ كالجماعِ ومقدِّماتِهِ، واليومَ يمكنُ للإنسانِ أن يُبطلَ اعتكافَهُ وهو في المسجدِ بسببِ وسائلِ التواصلِ ورسائلِ الجوالِ والمحادثاتِ بينهُ وبينَ أهلِهِ، خاصَّةً إذا تحرَّكتْ شهوتُهُ وهو معتكفٌ؛ فضلًا عن الخروجِ إلى بيتِهِ فيقعَ على زوجتِهِ؛ فهذا يُبطلُ اعتكافَهُ تمامًا؛ كما قالَ اللهُ -تعالى-: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)[البقرة:187].

 

ويجوزُ للمعتكفِ أن يخرجَ للحاجةِ؛ كالوضوءِ والأكلِ خارجَ المسجدِ، وللسلامِ على من يزورُهُ إلى جوارِ المسجدِ ونحوِها، ولكن بحدودٍ، ولا يُكثرْ من ذلكَ حتى لا ينشغلَ بالمباحاتِ عن العباداتِ. ومن اضطُرَّ إلى قطعِ الاعتكافِ ولو لم يشترطْ فاعتكافُهُ السابقُ إن شاءَ اللهُ مقبولٌ، ولو عادَ يُجدِّدُ اعتكافًا جديدًا بنيَّةٍ جديدةٍ.

 

وكذلك يُستحبُّ لمن لا يستطيعُ الاعتكافَ ليلةً كاملةً أن يُجاورَ في بيتِ اللهِ، والمجاورةُ أخصُّ من الاعتكافِ، يعني أن يجعلَ أكثرَ وقتِهِ في المسجدِ وخاصَّةً في اللَّيلِ؛ لأنَّ اللَّيلَ هو محلُّ ترقُّبِ ليلةِ القدرِ؛ فمن أرادَ أن يعتكفَ فليعتكفْ، ومن لا يستطيعْ فلا يُضيِّعْ وقتَهُ بالقيلِ والقالِ وأماكنِ اللهوِ في ليالي رمضانَ، وليجلسْ أكبرَ قدرٍ من وقتِ اللَّيلِ في المسجدِ، ولينْوِ بهِ الاعتكافَ فيقولَ: اللهمَّ إنِّي نويتُ أن أعتكفَ هذهِ السَّاعةَ، هذهِ العشرَ ساعاتٍ، هذهِ الخمسَ ساعاتٍ، واللهُ -سبحانه وتعالى- كريمٌ عظيمٌ؛ فمن أتى إليهِ بالطاعةِ قبلَ منهُ منها ولو كانَ قليلًا.

 

المهمُّ أنَّ هذهِ العشرَ فرصةٌ لكي نستدركَ ما فاتَ، ربما ذهبتِ العشرونَ عنَّا ونحنُ في تقصيرٍ وضعفٍ عن الطاعةِ والعبادةِ؛ فلا أقلَّ من أن نجتهدَ فيما بقيَ من الوقتِ، والأعمالُ بالخواتيمِ، فمن خُتِمَ لهُ بالاجتهادِ والطاعةِ فقد فازَ، ومن خُتِمَ لهُ بالكسلِ -والعياذُ باللهِ-؛ فقد حُرِمَ. نسألُ اللهَ -سبحانه وتعالى- أن يُوفِّقَنا للطاعاتِ والقُرباتِ واستغلالِ هذهِ الأيَّامِ المباركاتِ، إنَّهُ وليُّ ذلكَ والقادرُ عليهِ.

 

أقولُ ما سمعتم، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم؛ فاستغفروهُ، إنَّهُ هو الغفورُ الرحيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين-.

 

عبادَ اللهِ: مِنْ فَضْلِ اللهِ وَكَرَمِهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يُنَوِّعَ لَهُمْ مَوَاسِمَ الطَّاعَاتِ، وَأَنْ يُكَرِّرَهَا بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ، حَتَّى يُدْرِكَ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ، وَيَجْتَهِدَ مَنْ لَمْ يَجْتَهِدْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ يُرِيدُ بِنَا الْخَيْرَ، وَيُرِيدُ لَنَا أَنْ نَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قَالَ -تَعَالَى-: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ)[النساء: 147].

 

وَاللهُ -تَعَالَى- يُرِيدُ لَنَا أَنْ نَكُونَ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، قَالَ -سُبْحَانَهُ-: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا)[النساء: 27].

 

فَانْظُرُوا -رَعَاكُمُ اللهُ- إِلَى مَا يُرِيدُهُ اللهُ لَنَا، وَإِلَى مَا يُرِيدُهُ أَصْحَابُ وَأَتْبَاعُ الشَّهَوَاتِ لَنَا؛ فَاللهُ يَدْعُونَا إِلَى الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ، لِيُكَفِّرَ عَنَّا السَّيِّئَاتِ وَيُدْخِلَنَا الْجَنَّاتِ، وَأَصْحَابُ الشَّهَوَاتِ يُرِيدُونَ لَنَا الْاِنْحِرَافَ وَالضَّلَالَ.

 

وَلِذَلِكَ شَغَلُونَا بِكَثْرَةِ الْقَنَوَاتِ الْفَضَائِيَّةِ، وَمَا تُبَثُّهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، مِمَّا أَشْغَلَ كَثِيرًا مِنَ الْعِبَادِ الصَّائِمِينَ الطَّائِعِينَ عَنْ عِبَادَةِ اللهِ؛ وَفِي ظِلِّ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الَّتِي تَعِيشُهَا الْأُمَّةُ مِنَ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ، لَوْ قُدِّرَ لَكُمْ أَنْ تَعْلَمُوا كَمْ مَلَايِينَ مِنَ الْأَمْوَالِ أُنْفِقَتْ عَلَى تِلْكَ الْمُسَلْسَلَاتِ الَّتِي أُنْتِجَتْ، لَا أَقُولُ فِي قَنَوَاتٍ كَافِرَةٍ، بَلْ فِي قَنَوَاتٍ عَرَبِيَّةٍ وَإِسْلَامِيَّةٍ، فِي بِلَادٍ تَئِنُّ مِنَ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ، وَالنَّاسُ فِيهَا فِي حَالٍ يُرْثَى لَهَا؛ لَعَرَفْتُمْ مَعْنَى قَوْلِهِ -تَعَالَى-: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا)[النساء: 27].

إِذًا أَمَامَنَا فَرِيقَانِ؛ فَرِيقٌ يَدْعُوكَ إِلَى الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ وَالِاسْتِقَامَةِ، وَفَرِيقٌ يَدْعُوكَ إِلَى الْاِنْحِرَافِ وَالرَّذِيلَةِ وَالْفَسَادِ، وَهُنَاكَ مَعْرَكَةٌ شَرِسَةٌ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ لَا تَنْتَهِي إِلَّا بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ فَإِبْلِيسُ وَمَنْ مَعَهُ هُمْ حِزْبُ الشَّيْطَانِ، وَالْمُؤْمِنُونَ وَمَنْ مَعَهُمْ هُمْ حِزْبُ الرَّحْمَنِ.

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: لَقَدْ أَعْطَانَا اللهُ سَمْعًا وَبَصَرًا وَعَقْلًا لِنُمَيِّزَ بِهَا بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَلِنَسْتَغِلَّ أَوْقَاتَنَا فِي طَاعَةِ اللهِ، خَاصَّةً فِي مَوَاسِمِ الْخَيْرَاتِ؛ فَمَنْ فَرَّطَ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا، وَفِي الْعِشْرِينَ الْأُولَى مِنْ رَمَضَانَ؛ فَلَا يُفَرِّطْ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ؛ فَاجْتَهِدُوا فِيهَا، فَرُبَّمَا وُفِّقْتُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَتَكُونُوا كَمَنْ عَبَدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سَنَةً.

 

أَعْزِمُوا عَلَى ذَلِكَ، وَتُوبُوا إِلَى اللهِ مِنَ التَّفْرِيطِ وَالْكَسَلِ، وَمِنْ تَضْيِيعِ الْأَوْقَاتِ فِي مُتَابَعَةِ هَذِهِ الْمُسَلْسَلَاتِ وَتِلْكَ الْقَنَوَاتِ، وَمِنَ الْإِكْثَارِ مِنَ النَّوْمِ لَيْلًا وَنَهَارًا، أَوْ تَضْيِيعِ الْأَعْمَارِ فِيمَا لَا يَنْفَعُ؛ عَسَى أَنْ يَخْتِمَ اللهُ لَنَا بِخَيْرٍ، نَسْأَلُ اللهَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَنْ يَخْتِمَ لِي وَلَكُمْ بِالْحُسْنَى.

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.

 

اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين.

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life