عناصر الخطبة
1/خطأ عبارة "أنا أفضل منه" 2/الدعوة إلى التواضع ونبذ الكبر والأنانية 3/حكم الله البالغة في المنع والعطاء 4/خطورة الكبر 5/الوصية بالرضا والقناعةاقتباس
كلما همَّت نفسُكَ بالتفاخر فتذكَّرْ أنَّ النِّعَمَ لا تدوم، وأن ما تملكه اليومَ قد يُسلَب غدًا، فاخفِضْ جناحَكَ وتواضَعْ، وإن رأيتَ غيرَكَ قد فُضِّلَ عليكَ في رزقٍ أو مالٍ فَقُلْ: اللهمَّ بارك له، وارضني بما قسمتَ لي...
الخطبة الأولى:
الحمد لله حمدًا يرضاه، ويُجزِل لنا عطاياه، وأشهدُ ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، نرجو رحمتَه، ونفوز برضاه، وأشهد أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اصطفاه ربه وهداه، فنال المجدَ وعُلاه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين اقتدوا بهداه، وساروا على خطاه.
أما بعدُ: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فهي جماع الفضائل، وسبب النجاة، ومفتاح الطمأنينة، وموئل السعادة في الدنيا والآخرة.
"أنا أفضل منه"، كلمة قد تتردد على الألسنة أحيانًا، لكنها في حقيقتها ليست مجرد عبارة تقال، بل شعور خفيّ، يتسلل إلى القلوب، ويستقر في أعماق النفس حتى يورد صاحبها موارد السقوط؛ إنها جملة تولد من وهم المقارنات، حين يرى المرء نفسه الأجدر بالفضل، والأحق بالمكانة، والأولى بالرفعة؛ لأنَّه يظن أنَّه يملك من المؤهلات والقدرات ما لا يملكه غيره، ثم يزدري ما أصابه غيره من رزق أو منصب، ويقول جهرًا أو في نفسه: أنا أولى منه، أنا أعلم، أنا أزكى، أنا أحق بالمكان، وهذا الشعور في حقيقته اعتراض خفي على عدل الله، وتشكيك في حكمته، كأن صاحبه والعياذ بالله يستدرك على خالقه في تقسيم الأرزاق والمناصب والوجاهة، ومن استسلم لدوامة المقارنات وقع في شرك الكبر الخفي، وسار على الطريق نفسه الذي هلك فيه أول عاصم.
هذه الكلمة لا تتوقف عند حدود اللسان، بل تظهر في أشكال شتَّى في حياة الناس، قد لا تقال صراحة، لكنها تفهم من نظرة متعالية، أو ضحكة ساخرة، أو نبرة مستعلية، أو سكوت يخطر احتقارا، أو حتى من عبارة عابرة، تُخفِي في طياتها ازدراءً مبطَّنًا، يقولها المدير حين يزدري موظفيه، ويقولها الغني حين يشعر الفقير بالدُّونيَّة، ويقولها المتدين حين يحتقر العاصي، يقولها من يفاخر بعقله أو نسبه أو علمه، بل قد تقال باسم الدين، حين يظن المرء أن الحق حصر فيه، وأن غيره على ضلال، وقد يخفيها بعض الناس تحت ستار النصح أو الدعوة أو الجدال، لكنها في جوهرها كبر صريح، فمن أطلَقَها وهو يُزكِّي نفسَه، ويرى أنَّه أرفعُ من الناس قدرًا، أو منزلةً، يقترن قولُه بكِبْر في القلب، وبطَر للحق، وازدراء للخَلْق، فقد سلَك طريقَ إبليسَ، وإن تغيرتِ الألفاظُ وتبدلتِ الصُّوَرُ، وكيف يجرؤ المخلوق الضعيف أن يعترض على الخالق العظيم، والله -وحدَه- هو الذي خلَق وقدَّر ورفَع وخفَض، وأعزَّ وأذلَّ، وهو العليم بما يَصلُح لعباده، الحكيم فيما قضى وقدَّر، وحكمته فوق ما تدركه العقولُ المحدودةُ، قال -تعالى-: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[الْمُلْكِ: 14]، فما أعطاكَ اللهُ إيَّاه فهو خيرٌ، وإن بدَا في عينيك قليلًا، وما منعك إيَّاه ففيه رحمة، وإن خِلتَه حرمانًا، وقد يكون في التأخير ستر، وفي المنع لطف، وفي الفقد نجاة، فليكن المؤمن عبدًا للرضا، لا أسيرًا للمقارَنات، والزلل أن يجعل النعمة سلما لاحتقار الآخَرين، أو ميزانا للتفوق، ورب من استصغرت شأنه يكون عند الله أرفع منك بدرجات.
ولم تكتفِ الشريعة بالتحذير من الكِبْر، بل وضعت لنا النموذج الأعلى في يوسف -عليه السلام-؛ فقد كان صاحب عِلْم وخُلُق ومكانة، ومع ذلك لما وقف أمام عزيز مصر لم يقل: أنا أفضل من فلان، ولم يسع إلى التفوق بإسقاط غيره، وإنَّما قال بلسان الواثق بمسؤوليته: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)[يُوسُفَ: 55]، قالها بثقة المتواضع، لا بغرور المتعالي، يوسف لم يصغر أحدًا ليعلو، ولم يجعل نفسه مقياسًا لنجاح غيره، بل قدم نفسه خادمًا أمينًا لا متفاخرا، وشتان بين من يعرض كفاءته نفعًا للأمة والوطن، فيؤجر ويرفع، وبين من ينقص غيره ليظهر نفسه الأعلى، فيهلك ويسقط.
وإذا استقرَّ الكبرُ في القلوب فسدت المجتمعات، وتعطلت مسيرة البناء، وضعف التعاون، وتفككت الروابط، حتى تهدم جسور الاحترام، وتؤجَّج نيران الحسد والبغضاء والانتقام، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"، ثم فسره بقوله: "بطر الحق وغمط الناس"، قال -تعالى-: (وَلَا تَمْشِ في الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)[لُقْمَانَ: 18]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ تواضَع لله درجةً رفعَه اللهُ درجةً، حتى يجعله في أعلى عليينَ، ومَنْ تكبَّر على الله درجةً وضعَه اللهُ درجةً، حتى يجعله في أسفلِ سافلينَ"(رواه ابن ماجه والبيهقي).
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفِروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، خالقًا رازقًا، وأشهدُ ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، قاهرًا قادرًا، وأشهد أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، هاديًا شافعًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.
أما بعدُ: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله.
وكلما همَّت نفسُكَ بالتفاخر فتذكَّرْ أنَّ النِّعَمَ لا تدوم، وأن ما تملكه اليومَ قد يُسلَب غدًا، فاخفِضْ جناحَكَ وتواضَعْ، وإن رأيتَ غيرَكَ قد فُضِّلَ عليك في رزق أو مال فقل: اللهمَّ بارك له، وارضني بما قسمتَ لي، واجعل لسانَكَ رطبًا بدعاء يزكي القلب قبل أن يصلح الحال، اللهمَّ طهر قلبي من الكبر والعجب وسوء الظن والرياء.
ألَا فصلُّوا -عبادَ اللهِ- على رسول الْهُدَى، فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)[الْأَحْزَابِ: 56]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا"، فَطُوبَى لمن صلى عليه ورحمه ورفع درجتنه.
اللهمَّ صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهمَّ عن الخلفاء الأربعة الراشدين؛ أبي بكر، وعمر، وعثمان وعلي، وعن الآل والصحب الكرام، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
اللهمَّ إنَّا نسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما عَلِمْنا منه وما لم نعلم، اللهمَّ إنَّا نسألكَ فواتح الخير وخواتمه وجوامعه وأوله وآخره، وظاهره وباطنه، ونسألك الدرجات العلا من الجنة يا ربَّ العالمينَ، اللهمَّ أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا من كل خير، والموت راحة لنا من كل شر يا ربَّ العالمينَ.
اللهمَّ يا رحيم المستضعَفين، يا ناصر المظلومين، يا قريب الإجابة، يا واسع الرحمة، كن لإخواننا في فلسطين، كن لهم عونًا ونصيرًا وسندًا وظهيرًا، اللهمَّ إنهم جاعوا فأشبعهم، وخافوا فآمنهم، وتفرقوا فاجمعهم، وضعفوا فقوهم، اللهمَّ لا حيلة لهم إلا بك، ولا قوة لهم إلا برحمتك، فأطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، اللهمَّ اجبر كسرهم، وارحم موتاهم، واشف مرضاهم، ورد غائبهم، وألبسهم لباس العافية والسكينة، والطف بهم يا أرحم الراحمين، اللهمَّ عليك بمن ظلمهم، وبمن قتل أطفالهم، وبمن أغلق عليهم سبل الحياة، اللهمَّ لا تعجزك قوة، ولا يهزم جندك، ولا تغيب عنك صرخة مظلوم، فانتصر لهم يا قوي يا متين.
اللهمَّ احفظ هذه البلاد المباركة بحفظك، واكلأها برعايتك، احفظ حدودها ورجال أمنها وقادتها، اللهمَّ احفظ ووفق خادم الحرمين الشريفين لما تحب وترضى، اللهمَّ وفِّقْه لهداكَ، واجعل عملَه في رضاكَ، ووفق ولي عهده لكل خير يا ربَّ العالمينَ، وانصر بهما الإسلام والمسلمين، ووفق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعك.
(رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201]، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصَّافَّاتِ: 180-182].
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم