الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد إنها لصفحات مهمة لأنها تتعلق بالقلوب فهي عن أعمال القلوب وعن المنجيات من أعمال القلوب كالإخلاص والخوف والرجاء والتوكل والصدق والحياء والاستغفار والتوبة ونحو ذلك من الأمور هذه الأشياء التي هي الأساس والقاعدة في حياة الإنسان المسلم لا غنى له عنها ولا يمكن أن ينجو بدونها ولذلك فان الاعتناء بأعمال القلوب كان من بديهيات السلف وانفض على ذلك اعتناء العلماء فألفوا فيها المؤلفات بل ابتدأوا بها أعمالهم بالتذكير والحث وكذلك فان هذه الأعمال أعمال القلوب تحتاج إلى مجاهدة وعناية ليس التحكم فيها كالتحكم في هذه الأمور الظاهرة المحسوسة وبما إن النجاة مدارها على أعمال القلوب بالإضافة إلى أعمال الجوارح التي لابد من أن تأتي إذا صحت أعمال القلوب إذ لا يمكن أن تصح أعمال القلوب ولا يكون هناك أعمال جوارح إذا صحت أعمال القلوب جاءت أعمال الجوارح صحيحة تبعا لذلك ونبتدئ الحديث في هذه السلسلة عن أولها وأهمها وأعلاها وأساسها وهو الإخلاص، والإخلاص هو حقيقة الدين ومفتاح دعوة الرسل عليهم السلام كما قال تعالى:(وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)[البينة:5]، وقال عز وجل: (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)[الزمر:3].
خطيبُ الجمعة هو الواعظُ، فله دورٌ كبير وأثرٌ بالغ في بيئته ومجتمعِه وسامعيه وقومه؛ فهو قرينُ المربِّي والمعلِّم، ورجلِ الحسبة والموجِّه، وبقدرِ إحسانِه وإخلاصِه يتبوَّأ في قلوب الناس مكاناً، ويضع الله له قبولاً قلَّ أن يزاحمَه فيه أصحابُ وجاهاتٍ، ولا يدانيه فيه ذوو مقامات، ومردُّ ذلك إلى الإخلاص أولاً، وتوفيق الله -سبحانه وتعالى- أيضاً، ثم إلى حسن الإجادة وجَودة الإفادة، والقُدرة على التأثير المكسوّ بلباس التقوى والمدثَّر بدثار الإخلاص والورع.
والخطيبُ في هذا الباب لا يستغني عن أمرين: هما الإخلاص، والتعرّف على واقع الناس.
فمِن شأن الإخلاص: أن يجعله صادقاً، ويحثّه على تبليغ الرسالة وهداية الخلق إلى الله، ويمتّعه بالرضا النفسي الذي يُهوّن عليه مجابهة الشدائد، ومكابدةَ إعراض الناس عن عظاته وتوجيهاته، ويجعله مُصِّراً على الاستمرار حتى يجدَ من يستمع إليه.
والإخلاص ركنٌ في قبول العمل، فإن دخله رياء فسد، وإن خالطه دعاءُ أموات أو استغاثة بهم حبط، والله -سبحانه- عزيز، لا يقبل من أحد عملاً كانت النية فيه لغيره؛ قال -عزّ وجلّ- في الحديث القدسي: “أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَنْ أشركَ معي غيري؛ تركتُه وشركَه”(رواه مسلم).
أخي الخطيب في هذه الأسطر سينصب حديثنا ويتكرر كلامنا حول أهم شيء نوصيك به هو إخلاصك حتى تكون لكلماتك صدا ولخطبك أثراً في قلوب الناس إذ النائحة الثكلى ليست كالمستأجرة، ثم تأمل معي كم لك من الأجور والحسنات وأن تقوم في مسجدك خطيباً كل جمعة، وكم هو النفع الذي ينتشر بين الناس بسبب كلماتك ونصائحك عبر الخطبة، إن استشعارك أخي لهذه الفضائل يدفعك إن شاء الله إلى السعي الجاد للرقي بخطبتك قالباً ومضمونا، فلا بد أخي أن توقظ في نفسك حس الدعوة إلى الله وتتلمس حاجة مجتمعك وأمتك إلى نصحك ووعظك وتغييرك.
وبكل حال فإن الإعداد الجيد للخطبة مع الإخلاص كفيل بانفعال الخطيب في خطبته، ومن ثم انفعال المستمعين، وكلما ضعف الإعداد وقلّ الإخلاص كان الانفعال أقلّ وتأثير الخطبة أضعف. وفي هذا المعنى قال عامر بن عبدالقيس -رحمه الله- تعالى-: “الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان”، ولما سأل معاوية -رضي الله عنه- صحار بن عياش العبدي عن سر بلاغتهم قال: “شيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا، وقال الحسن البصري -رحمه الله تعالى- لواعظ لم تؤثر فيه موعظته: “يا هذا، إن بقلبك لشرًّا أو بقلبي”.
صحيح أن العمل الجاد يحتاج إلى التعب والجهد ولكنه يحتاج قبل كل ذلك إلى الإخلاص لله -تعالى-، والمثل الرائع يقول: “قل لمن لا يخلص لا تتعب” فما فائدة العمل إن أريد به غير وجه الله -تعالى-؟ نعم لن يكون له أي تأثير لا على المتكلم ولا حتى على المستمعين إن لم يكن هناك إخلاص، “فرب عمل كبير تصغره النية، ورب عمل صغير تكبره النية” فالخلاص في الإخلاص، ومما يعين على الإخلاص كثرة الدعاء بأن يجعل الله العمل صالحاً متقبلاً خالصاً له وحده، وأن يجعل له بالغ الأثر في الآخرين.
معنى الإخلاص
خلص خلوصاً وخلاصاً، أي صفى وزال عنه شوبه، وخلص الشيء صار خالصاً وخلصت إلى الشيء وصلت إليه، وخلاصة السمن ما خلص منه. فكلمة الإخلاص تدل على الصفاء والنقاء والتنزه من الأخلاط والأوشاب. والشيء الخالص هو الصافي الذي ليس فيه شائبة مادية أو معنوية. وأخلص الدين لله قصد وجهه وترك الرياء أمحص الدين لله ونقاه لله. وقال الفيروز أبادي -رحمه الله-: أخلص لله ترك الرياء.
والإخلاص هو لب العبادة وروحها؛ قال ابن حزم: النية سر العبودية وهي من الأعمال بمنزلة الروح من الجسد، ومحال أن يكون في العبودية عمل لا روح فيه، إذ هو بمنزلة الجسد الذي لا روح فيه فهو جسد خراب.
وهو أساس قبول الأعمال وردها فهو الذي يؤدي إلى الفوز أو إلى الخسران، وهو الطريق إلى الجنة أو إلى النار، فإن الإخلال بالإخلاص يؤدي إلى النار وتحقيق الإخلاص يؤدي إلى الجنة.
وكلمة الإخلاص هي كلمة التوحيد، والمخلصون هم الموحدون والمختارون.
ويقصد بالإخلاص في الشرع يقول ابن القيم –رحمه الله -في بعض تعريفاته: هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة أن تقصده وحده لا شريك له.
إن الإخلاص من البديهيات الإيمانية في الإسلام وهو جوهر ديننا الحنيف ولو أمعنا النظر في المبحث اللغوي لهذه الكلمة لرأينا أن الإخلاص تعني صفاء الشيء من الشوائب كما هو بالنسبة للمعادن مثلا فإذا ما تناولنا ذلك من المنظور الإسلامي نرى أنها تعني تنقية العبد لنواياه وأعماله سواء الدينية منها أو الدنيوية لله -سبحانه وتعالى- ومن هذا المنطلق نرى أن صورة الإخلاص (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) تعادل ثلث القرآن لأنها احتوت على النفي الاعتقادي للشرك.
أما صورة الكافرون ففيها نفي عملي للشرك ومن ثم فان صورة الإخلاص فيها تفرد بالربوبية ووحدانية الله -سبحانه وتعالى- خالقنا ووجب علينا أن نعبده حق عبادته وإخلاص النية تكون باستحضار القلب والعقل معا في العبادة والعمل فليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها ويحضرنا هنا في هذا المقام قول أبي سفيان الثوري؛ "والله ما عالجت على نفسي أشد من نيتي".
فان جهاد النفس من أفضل أنواع الجهاد في الإسلام لماذا؟
لأن فيه مكابدة ومعاناة، ولقد صدق رب العزة في قوله -تعالى-: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)، ومعنى ذلك أيضا أنك تطلب تخليص روحك من دناءات النفس وضلال العقل وظنونه وأوهامه وانحرافاته إن الظن لا يغني من الحق شيئا.
نصوص القرآن التي وردت في الإخلاص
قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ)[البينة:5] وقال لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي)[الزمر: 14]، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ)، وقال عز وجل: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)[الملك:2] أحسن عملاً يعني أخلصه وأصوبه.
وقال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ)[النساء:125]؛ يعني أخلص القصد والعمل لله، والإحسان متابعة السنة، والذين يريدون وجه الله عز وجل فليبشروا بالجزاء العظيم أوصى الله بأن نكون معهم، وقوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)[الكهف:28]، (ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ)[الروم:38]، وقوله: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى).
وأما أهل النقيض وأهل الرياء فإن الله ذمهم وبيّن عاقبتهم فقال: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ)[هود:16]، وقوله (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً)[الإسراء:18]، (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ)[الشورى:20]، وقوله تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)[لأنفال:47].
وقد مدح الله المخلصين كما تقدم وذكر عن أهل الجنة أنهم في الدنيا يطعمون المساكين لوجه الله قال تعالى: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً)[الإنسان:9]، وقوله: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)[النساء:114]، وقوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ)[الشورى:20].
صحيح ما ورد في السنة عن إخلاص العمل وإتقانه
لقد تواترت الأحاديث النبوية في الدعوة إلى العمل الصالح المخلص، وأن الإنسان محاسب علي عمله، وأن أساس نفعه في الدنيا وقبوله في الآخرة يتوقف على مشروعيته وإخلاصه وقدر إتقانه ونتناول إن شاء الله جانباً من أقوال المصطفي في العمل وإتقانه، مع تأكيد عموم الأدلة في إتقان العمل سواء كان بينه وبين ربه أو لنفسه أو مع الناس.
الإخلاص في الأعمال:
1- أخرج البخاري ومسلم عن عمر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى... الحديث” فهذا الحديث العظيم قاعدة من قواعد الدين، وأصل من أصوله التي يدور الدين كله عليه، ومدار الأعمال كلها على نية صاحبها، والأمور بمقاصدها، وقد جاء هذا الحديث لتصحيح اتجاهات القلب، وضمان تجرده من الأهواء ولو كانت يسيرة، والنية هي: قصد العمل تقرباً إلى الله وطلباً لرضائه وثوابه، فيدخل في هذا نية العمل، ونية المعمول له، أما نية العمل من العبادات والمعاملات والعقود وغيرها، فإن النية داخلة فيها تميزها عن غيرها، وتميز بعضها عن بعض، وتحدد قصد صاحبها ومراده، فيجازى على حسب نيته، والله يعلم المفسد من المصلح قال تعالى: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ)[آل عمران:29].
2- عن أبي أمامه الباهلي -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: “أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر، ماله؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لا شيء له” فأعاد ثلاث مرات، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- “لا شيء له” ثم قال: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه”(رواه النسائي (6/25) وحسنه العراقي).
3- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”(رواه مسلم (2564).
وعن إتقان العمل
ورد إتقان العمل في عدة أحاديث بلفظ “الإتقان، الإحسان، والصالح، والسداد”.
1- عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه” ومن الإتقان إخلاصه.
2- عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله: فقيل: كيف يستعملنا رسول الله، قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت”(رواه الترمذي (2142) وقال: حديث صحيح).
3- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إن لكل عمل شرّة -أي نشاط ورغبة -ولكل شرَّة فترة- أي ضعف فإن كان صاحبها سدد وقارب فأرجوه، وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدُّوه”(رواه الترمذي (2453) وصححه). وحين أن يكون العمل لله ومخلصا له فيه فإنه سيدوم ويستمر، لأن ما كان لله دام واتصل وما كان لغيره انقطع وانفصل.
4 -وقال لنا: “من غزا في سبيل الله ولم ينوي إلا عقالاً فله ما نوى”(حسنه الألباني في صحيح النسائي)، فقد علمنا ديننا الإخلاص في كل شيء في الصلاة في الصيام في الجهاد في الصدقة في الحج في كل شيء
5- وبعث الناس سيكون على حسب نياتهم قال صلى الله عليه وسلم: “إنما يبعث الناس على قدر نياتهم”.
6- وفي قوله تعالى: (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)” قال الفضيل أخلصه وأصوبه فقيل له: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة، ثم قرأ قول الله -تعالى-: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)[الكهف:110].
والله أراد أن ينقي المؤمنين في غزوة أحد بالابتلاء والتمحيص والتجرد لله وعلمهم بالدروس العملية التي دفعوا ثمنها دما وقتلا وجراحات؛ (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ)[آل عمران:152]، وقال (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ).
من أقوال السلف في الإخلاص
- والإخلاص لله أن يكون الله هو مقصود المرء ومراده، فحينئذ تتفجر ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه. ابن تيمية /النبوات ص / 147
- وكلما قوي إخلاص العبد كملت عبوديته. ابن تيمية الفتاوى 10/198
- بحسب توحيد العبد لربه وإخلاصه دينه لله يستحق كرامة الله بالشفاعة وغيرها. ابن تيمية -الصارم المنكي ص/390
- ما ينظر المرائي إلى الخلق في عمله إلا لجهله بعظمة الخالق. ابن رجب كلمة الإخلاص ص/31
- ولا يحصل الإخلاص إلا بعد الزهد، ولا زهد إلا بعد التقوى، والتقوى متابعة الأمر والنهي - ابن تيمية الفتاوى 1/94
- اجتهدوا اليوم في تحقيق التوحيد، فإنه لا يوصل إلى الله سواه، واحرصوا على القيام بحقوقه، فإنه لا ينجي من عذاب الله إلا إياه. ابن رجب كلمة الإخلاص ص54
- فمن كان مخلصاً في أعمال الدين يعملها لله كان من أولياء الله المتقين. ابن تيمية الفتاوى (1/8)
- إذا حسنت السرائر أصلح الله الظواهر. ابن تيمية الفتاوى (3/277)
- صحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد يمده تقوى الرب وحسن القصد ابن القيم -أعلام الموقعين (1/69)
- الصادق مطلوبه رضي ربه، وتنفيذ أوامره وتتبع محابه فهو متقلب فيها يسير معها أينما توجهت ركائبها، ويستقل معها أينما استقلت مضاربها فبينا هو في صلاة إذ رأيته في ذكر ثم في غزو ثم في حج ثم في إحسان للخلق بالتعليم وغيره من أنواع المنافع. ابن القيم -مدارج السالكين (2/286)
- فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه فالله الله في إصلاح السرائر فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح الظاهر. ابن الجوزي -صيد الخاطر ص 287
- فالإخلاص هو سبيل الخلاص والإسلام هو مركب السلامة والإيمان خاتم الأمان. ابن القيم -مفتاح دار السعادة (1/74)
- فإن قوة إخلاص يوسف عليه السلام كان أقوى من جمال امرأة العزيز وحسنها وحبه لها. ابن تيمية -الفتاوى (10/602)
- فلا إله إلا الله كم في النفوس من علل وأغراض وحظوظ تمنع الأعمال أن تكون خالصة لله وأن تصل إليه، وإن العبد ليعمل العمل حيث لا يراه بشر ألبته وهو غير خالص، ويعمل العمل والعيون قد استدارت عليه نطاقا ًوهو خالص لله، ولا يميز هذا إلا أهل البصائر وأطباء القلوب العالمون بأدوائها وعللها. ابن القيم -مدارج السالكين (3/422)
- وقال بعض السلف: ملاك هذه الأعمال النيات، فإن الرجل يبلغ بنيته ما لا يبلغ بعمله.
- لا يزال العبد بخير إذا قال، لله، وإذا عمل، عمل لله.
- وعاتب بعضهم نفسه بقوله: يا نفس! أخلصي تتخلصي.
- وقال بعضهم: طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا وجه الله -تعالى-.
كتب سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز بموعظة جاء فيها:”...واعلم أنّ عون الله -تعالى- للعبد على قدر النية، فمن تمَّت نيته في الخير تمَّ عون الله له، ومن قصرت نيته قصر من العون بقدر ما قصر منه”(رواه أحمد في “الزهد” ص 302).
“ من ازداد علماً، ولم يزدد هدىً، لم يزدد من الله إلا بعداً” كما جاء في الحديث الشريف... فهذه الخدمة (الدعوة) التي أحوج ما تكون إلى الإخلاص والورع والهدى.
من مظاهر وعلامات المخلصين
- أن يكون العمل لله تعالى، لا نصيب لغير الله فيه.
- إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة.
- تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين.
- تصفية العمل من كل شائبة.
- المخلص الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الناس من أجل صلاح قلبه مع الله عز وجل، ولا يحب أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله.
ومن الصور التي يظهر فيها عدم إخلاص الداعية لدعوته:
1- إعطاء الدعوة فضول وقته فحسب.
2- التثاقل عن الأنشطة الدعوية، وتجد الداعية لا يداوم على البذل، بل يعطي تارة ويشح تارة، ويحضر مرة ويتغيب مرات وغيرها.
ومما ينافي إخلاص الداعية أو يعكر عليه صدق نيته:
1- أن يبتغي بدعوته طمعا دنيويا أو رفعة وجاها ً.
2- أن يبتغي بدعوته طلب محمدة الناس ولفت أنظارهم إليه.
3- أن يطلب من وراء بذله الدعوي الرئاسة وتكثير الأتباع بين يديه.
4- أن يبتغي بدعوته إثبات وجوده ومنافسة أقرانه.
والداعية الجديد قد لا يقصد هذه الأمور، لكنه يصاب بها في مواضع ويهمل إصلاح قلبه فيصل إليها ويتدهور أمره.
أما كيف يبتلى بهذه الآفات؟ فالجواب: إن لذلك صورا عديدة منها:
ذكر عن شاب في تجمع دعوي أنه كان يغار من زميله الداعية، ولأنه يلحظ استجابة الآخرين لهذا الصاحب، صار يجتهد في الدعوة ليثبت للمربين الذين يعرفونهما أنه ذو قدرات مماثلة لزميلة، إضافة إلى إرضاء نفسه وإشباع غروره، وهذه صورة متكررة نعلم منها أن الغيرة من الآخرين قد تفسد نية الداعية وهو لا يدري.
من الأسباب المعينة على مداومة استشعار الإخلاص ما يلي:
1- أن تحرص على أن يكون تعلمك لدينك الذي ستدعو إليه خالصا لوجه الله، وقد قال صلى الله عليه وسلم:” من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله يريد به عرضا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها من مسيرة كذا وكذا..”(رواه الترمذي والحاكم وصححه).
2- استشعار فضل الدعوة إلى الله، فبذلك يرتقي همّ الداعية إلى تحصيل ما هو أكبر وأفضل من ثناء الناس المؤقت؛ قال صلى الله عليه وسلم:” من دل على خير فله أجر فاعله”.
وقال صلى الله عليه وسلم:” لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حُمر النعم”.
3- لا يليق بالداعية أن يكون كالشمعة يضيء للآخرين ويحرق نفسه، فإن الناس ينتفعون بعلم الداعية ونصحه ويقبلون قوله وفعله وهم يخلصون لله في ذلك كله فيؤجرون ويتقبل الله منهم صالح أعمالهم وهذا الداعية ينسى الإخلاص ويسعى للمحمدة فيرد عليه عمله ودعوته وتذهب حسناته هذه في مهب الريح.
فكن مخلصا لدعوتك وهذا يعني بذل النفس والنفيس في سبيلها، وعدم الاكتفاء بالكلام وترديده فإن هذه علامة التناقض وعدم الحرص، ومن ذلك أن تجد:” أننا نظهر الاهتمام في الأمر ونحن في أعماق نفوسنا معرضون عنه كارهون له، ولا يستطيع الأكثرون أن يصلوا إلى إدراك ما هو مستقر في أعماق نفوسنا ولذلك يأتون بالأمور المتناقضة ولا يشعرون”.
ونجاح الداعية لا يكون إلا بإخلاصه لدعوته فإن العامل الأساسي للنجاح ليس هو كثرة علم الداعية ولا قوة بيانه وسحره، ولكن قبل ذلك الإيمان بدعوته التي يدعو إليها، والخوف الشديد مم يعتريها، إن مثل هذا الإنسان يصيح بالناس ويترك أقوى الآثار ولو كان أبكم، يقول أ.محمد الراشد “إنما يوصل الداعية إلى غايته شغفه بدعوته وإيمانه واقتناعه وتفانيه فيها وانقطاعه إليها”.
ولذا يحسن بنا أن نتذكر دائما أنه (إنما يوصل الداعية إلى غايته: شغفه بدعوته وإيمانه، واقتناعه بها وتفانيه فيها، وانقطاعه إليها بجميع مواهبه وطاقاته ووسائله، وذلك هو الشرط الأساسي والسمة الرئيسية للدعاة (الناجحين) و “والله لا نجاح للدعوة، ولا وصول، إن أعطيناها فضول الأوقات ولم ننس أنفسنا وطعامنا“، ويظهر جليا هذا المعنى في سير الأنبياء والمصلحين، فها هو نوح عليه السلام يقول: (رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً)، ويقول: (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً)، وبقي مخلصا في ذلك السنوات الطوال؛ (أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا)، لم ينقطع عن ذلك إلا لحضور منيته عليه صلوات الله وسلامه.
من أمراض طلبة العلم
ثلاثة أمراض تكثر في طلبة العلم ومن أصابه منها مرض فقد هوي على وجهه نسأل الله العافية والسلامة.
المرض الأول: الرياء في طلب العلم والوعظ والدعوة والتصدر، وعلاجه الصدق والإخلاص.
المرض الثاني: الحسد وما أكثره في طلبة العلم وهو من كبائر الذنوب، وعلاجه الإيمان بالقضاء والقدر والاستعاذة وتذكر فضل الله -تعالى-.
المرض الثالث: الكبر وهو طاغوت القلوب وفرعون الأرواح ونمرود المتعلمين جزاء صاحبه الحقارة والصغارة والخزي في الدنيا والآخرة - وعلاجه التواضع ومعرفة النفس.
تحدث الشيخ الشنقيطي عن مقومات نجاح الدعوة وأهمية تمتع الداعية بصفات تؤدي إلى النجاح المطلوب وبيَّن أن الإخلاص في الدعوة إلى الله يأتي في مقدمة صفات الداعية وعدة نجاحه فالإخلاص هو أول ما يجب أن يحرص الداعية عليه، أن يخلص لله -جلَّ جلاله-، وما من داعية إلى الله يخلص في قلبه إلا أظهر الله له التوفيق والسداد في جوارحه وأعماله، وفتح الله أبواب الخير أمام دعوته وكلماته ومواعظه؛ لأن الله -سبحانه- يحب ما كان خالصاً لوجهه، ولا يرضى من الأقوال والأعمال إلا ما أريد به وجهه، ومن وطئت قدماه سبيل الدعوة إلى الله، مفرغ القلب من كل شيءٍ سواه، ملأ الله قلبه بالحكمة والنور والتوفيق والسداد، إن الله -سبحانه- مطلعٌ على القلوب والضمائر، مطلع على من يريد وجهه ومن يريد حظوظ الدنيا، من أراد أن يدعو إلى الله، فليعلم أن هذا الدين لله وليس لأحدٍ سواه، لا يدعو للدنيا ولا يدعو رياءً، لا يدعو ليمدح أو يثنى عليه، ولكن لله -جلَّ جلاله-.
فقد يبدأ الخطيب مشوار الخطابة بداية متواضعة وربما حقر فيها نفسه، ولكن ما أن تقف قدماه على منبر الخطباء النجباء الذين يملكون قلوب الناس قبل أسماعهم إلا وتبقى نفسه عرضة للانزلاق في مهاوي العُجب، الذي يحمله على الاعتداد برأيه دون غيره فيقع فريسة للأخطاء ومجانبة الصواب، لاسيما في الأمور المعضلة التي تنزل بالمجتمع حيناً بعد آخر، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد ذمَّ هذه الصفة بقوله: “إذا رأيت شحّاً مطاعاً وهوىً متبعاً ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك، ودعْ العوام”(رواه أبو داود والترمذي وحسنه (86) من حديث أبي ثعلبة الحشني -رضي الله عنه-. سنن أبي داود (4 / 512)، جامع الترمذي (5 / 257 رقم (3058).
قال أبو حاتم البستي: “إعجاب المرء بنفسه أحد حصاد عقله انظر: روضة العقلاء ص (62). اهـ.
ونقل ابن عبدالبر عن أحد السلف قوله: الإعجاب آفة الأحباب.
ونقل عن آخر قوله: من أعجب برأيه ضلَّ، ومن استغنى بعقله زلَّ انظر: جامع بيان العلم وفضله (1 / 142).. اهـ.
ولو ترك المرء لنفسه مجالاً في إتباع الهوى والإعجاب بنفسه لأفسد في الناس، ولوجد لإفساده أتباعاً من جنسه وأشياعاً قلُّوا أو كثروا. وقد أشاع ابن قتيبة إلى مثل هذا بقوله:” والناس أسراب طير يتبع بعضها بعضاً، ولو ظهر لهم منْ يدَّعي النبوة مع معرفتهم بأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خاتم الأنبياء، أو يدعي الربوبية لوجد على ذلك أتباعاً وأشياعاً.. “ إلى أن قال: ولكن يمنع من ذلك طلب الرياسة وحب الأتباع واعتقاد الإخوان بالمقالات. اهـ.
السِّربُ والسُّربةُ من القطا، والظباء والنساء: القطيعُ. والجمع أسراب. لسان العرب (مادة سرب).
الشَّيعةُ: أتباع الرجل وأنصاره، وجمعها شِيعٌ، وأشياعٌ جمع الجمع. لسان العرب (مادة شيع).انظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص (14).
ولقد أحسن أبو العتاهية حين قال:
أأخي من عشق الرياسة خفت أن *** يطغى ويحدث بدعة وضلالاً
انظر: جامع بيان العلم (1 / 143).
وقد قال رجل لابن عباس -رضي الله عنه-ما: “الحمد لله الذي جعل هوانا على هواكم. فقال ابن عباس: الهوى كله ضلالة “انظر: الإبانة لابن بطة (1 / 355).
وقال الحسن البصري -رحمه الله-: “اتهموا أهواءكم ورأيكم على دين الله وانتصحوا كتاب الله على أنفسكم “انظر: المصدر السابق (1 / 389).
وقال أبو الدرداء: علامة الجهل ثلاث: العجب، وكثرة المنطق فيما لا يعنيه، وأن ينهى عن شيء ويأتيه انظر: جامع بيان العلم وفضله (1 / 142).. اهـ.
ولقد أحسن علي بن ثابت حين قال: المال آفته التبذير والنهب والعلم آفته الإعجاب والغضب انظر: جامع بيان العلم (1 / 143).
والمقولات عن السلف في هذا الباب كثيرة جداً قد يطول بنا حصرها، غير أن أحسن ما يداوي المعجب بنفسه هو أن ينظر إلى من فوقه علماً وتواضعاً من سلفنا الصالح وعلمائنا الكرام ممن قال الله عنهم (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)[يوسف: 76].
ومعلوم أن باب الشهرة باب غامض كما قال سفيان الثوري: “إياك أن تكون ممن يجب أن يُعمل بقوله، أو يُنشر قوله، أو يُسمع قوله، وإياك وحب الشهرة فإن الرجل يكون حب الشهرة أحب إليه من الذهب والفضة، وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة“ انظر: الآداب الشرعية (2 / 233).. اهـ.
قال الشاعر:
من شاء عيشاً هنياً يستفيد به *** فلينظرن إلى من فوقه أدباً
في دينه ثم دنياه إقبالا *** ولينظرن إلى من دونه مالا
وقد نقل ابن مفلح عن الفضيل أنه قال: “من أحب أن يُذكر لم يذكر ومن كره أن يُذكر ذُكِر “انظر: المصدر السابق.. اهـ.
وقال إسحاق بن بنان: قال أحمد: سمعته يقول -يعني بشراً -قال: إبراهيم بن أدهم: ما صدق الله عبد أحب الشهرة “انظر: المصدر السابق. اهـ.
وقال المروزي: سمعت أبا عبدالله يقول: من بُلي بالشهرة لم يأمن أن يفتنوه إني لأفكر في بدء أمري، طلبت الحديث وأنا ابن ست عشرة سن. انظر: الزهد لابن المبارك ص (151).اهـ.
وذكر ابن المبارك عن مطرف بن عبدالله بن الشخير قال: “لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إليَّ من أن أبيت قائماً فأصبح معجباً.
وتحدث الشيخ محمد رشيد رضا موصياً الخطيب بقوله: “وإياه أن يأخذه الغرور بعلو المكانة وارتفاع الدرجة، أو يغلبه الرياء والتطلع للثناء، فإن ذلك مرض الواعظ القاضي على سلطانها، المانع من تأثيرها، بل عليه أن يراقب الله وحده.... الخ “ انظر: مجلة المنار (29 / 342).. اهـ.
وحتى تكون هذه الخطبة أو تلك ناجحة موفقة لابد لها أن يتكامل فيها الإخلاص والصواب: فالإخلاص: هو أن يكون العمل لله وحده -سبحانه-.
والصواب: هو أن يكون العمل موافقاً للشريعة الإسلامية.
ودائماً يقدم العلماء الإخلاص على كل الأعمال لأن الأعمال غالباً لا تثمر إلا به، ولكن الحقيقة أن المستمع يهمه الصواب، فالإخلاص خاص بالخطيب وأما ما يتكلمه ويشيعه بين الناس هو الذي يهم هذه الشريحة أو تلك.
والدليل على أن بعض الخطباء يكونون غير مخلصين رغم انتفاع الناس بهم الحديث المتفق عليه: (يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه (أمعاؤه) فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ما لك ألم تك تأمر بالمعروف وتنه عن المنكر، فيقول بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه)
فالمخلص ينفعه إخلاصه لكن صوابه ينفع الناس أكثر من إخلاصه ولكن التركيز على الصواب والإخلاص فيه البناء والنجاة.
فالذي ينبغي للخطيب في ذلك أن يكون منشأ الخطبة والسعي إليها وطلبها، من باب الإخلاص لله عز وجل، وتبليغاً للدين، ودعوةً إلى التمسك بالعقيدة الصحيحة والشريعة السمحة، عملاً بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “بلغوا عني ولو آية”، ولكن هذا العمل لا يتم قبوله بعد الإخلاص لله عز وجل- إلا بمتابعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهذان هما شرطا قبول العبادة لقوله -تعالى-: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)[هود:7]. اهـ
واعلم بأن الأجر ليس بحاصل *** إلا إذا كانت له صفتانِ
لابد من إخلاصه ونقائـــه *** وخلوه من سائر الأدران
وكـذا متابعة الرسول فإنـها *** شرط بحكم نبينا العدنـان
فعلى الخطيب أن يتسربل بسربال التقوى ويتدثر بدثار الاستقامة ناهجاً نهج الورع والعفة والصلاح مع الاجتهاد في تحري الصدق والإخلاص وتجرد الإيمان والبعد عن الأغراض والأهواء مستشعراً عظم المسؤولية والأمانة التي تحملها.
والعمل الصالح المصحوب بالتقوى يزيد ويبقى، والعمل وإن كان صالحًا، لكن فسدت في النيةُ يضمحلّ؛ قال سبحانه: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا)[الفرقان: 23].
إخوة الإسلام: إن الإخلاص لله دأب الصالحين، وسنة الأنبياء والمرسلين، فهذا أشرف الأمة وأفضلها وقدوتها عليه الصلاة والسلام يأمره ربه بقوله: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ) [الزمر:11] إلى قوله سبحانه: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي)[الزمر:14]
فما أعظم شأن الإخلاص، وما أعز أهله! لا سيما في أزمنة طغت فيها الماديات، وغلب على أهلها المطامع والشهوات، ونظر فيها إلى السائرين في برد الإخلاص نظرة استهانة وازدراء.
أمة الإسلام: إن الأمم لا تبني أمجادها إلا على أكتاف المخلصين الذين لا يعرفون إلا الجد والنصح والمثابرة، ولا تشيد حضاراتها إلا بسواعد أهل النزاهة الصادقين الذين لا يعرفون دروب المرائين، ولا يسلكون مسالك المنافقين الذين يتفننون بذلاقة اللسان، والله أعلم بقلوبهم ومقاصدهم، ولا يصدع بنيان الأمة، ويقِّوم أركانها إلا الذين فقدوا الإخلاص لله، والتفاني في نهضة الأمة وتقدمها، وهيهات أن يخلص للأمة، أو يقدم لها نفعاً من لم يخلص لربها ودينها.
أمة الإسلام: إن الأمم لا تبني أمجادها إلا على أكتاف المخلصين الذين لا يعرفون إلا الجد والنصح والمثابرة، ولا تشيد حضاراتها إلا بسواعد أهل النزاهة الصادقين الذين لا يعرفون دروب المرائين، ولا يسلكون مسالك المنافقين الذين يتفننون بذلاقة اللسان، والله أعلم بقلوبهم ومقاصدهم، ولا يصدع بنيان الأمة، ويقِّوم أركانها إلا الذين فقدوا الإخلاص لله، والتفاني في نهضة الأمة وتقدمها، وهيهات أن يخلص للأمة، أو يقدم لها نفعاً من لم يخلص لربها ودينها.
إخوة الإسلام: إن الإسلام يرقب بعناية تامة ما يقارن أعمال الناس من نيات، وما يلابسها من مقاصد وإرادات.
وقيمة العمل في الإسلام ترجع إلى نية صاحبه وقصده الذي تمخضت عنه، وإن صلاح النية، وسلامة السريرة، وإخلاص الفؤاد لله رب العالمين يرتفع بمنزلة العمل الدنيوي، فيجعله عبادة متقبلة، وإن فساد النية، وخبث الطوية يهبط بالأعمال الصالحة، فيجعلها معاصٍ خطيرة لا ينال المرء منها بعد التعب والنصب إلا الرد والخسارة.
ألا فليعلم ذلك من أقفرت قلوبهم من الإخلاص، وفسدت ضمائرهم، وباعوا آخرتهم بدنياهم، وفتك الرياء بأعمالهم، وفتكت العلل القاتلة بأجسادهم الناحلة، وتتبعوا محامد الخلق ومنافعهم، وتلمسوا رضاهم وثناءهم؛ ليأكلوا من ورائهم، فصلاتهم وصدقاتهم، وتعلمهم ونفقاتهم، وسائر أعمالهم شابتها شوائب الرياء والسمعة، وسفت عليها سوافل المقاصد الدنيئة، وغلب عليها حزب الظهور والشرف والشهرة؛ وقد سبب ذلك الشقاء والرجوع بالأمة إلى الوراء، ولو كان الإخلاص رائد جميع العاملين، من علماء ومتعلمين، والنصح في الأعمال ديدن كل من ولي أمراً من أمور المسلمين، لما حصل تقصيرٌ في الأعمال، وتضييعٌ في الحقوق، ومماطلةٌ في أداء الواجبات، واتكاليةٌ في القيام بالمعاملات.
كل محاضر أو متحدث أو خطيب يود أن يكون حديثه له تأثير في نفوس السامعين، قد وعوه ولاقى القبول منهم، وحتى يتحقق هذا الهدف، فلابد من توفر الإخلاص والاقتناع الداخلي بالموضوع الذي يلقيه المتحدث أو الخطيب، فكيف يقنع الآخرين إذا لم يكن هو قد أحاط بالموضوع واقتنع به أنه ضروري ومفيد وإذا كانت المعلومات غير كافية فهذا يسبب له المتاعب، والإخلاص أهم نقطة للتأثير في الجماهير، لأن الناس بحاستهم السادسة يدركون ويفرقون بين الكلام الذي يدل عليه علامات الإخلاص والصدق وبين الكلام المتصنع المزخرف الذي لم يخرج من القلب، إن الإخلاص وإن كان شيئًا داخليًا إلا أن له دلائل تدل عليه في لهجة المتحدث أو وجهه وغير ذلك من الأمور التي لا تبدو للظاهر، ولكن المستمع يدركها، ألم يقل الصحابي عبد الله بن سلام حين رأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأول مرة “إن هذا الوجه ليس بوجه كذاب، وكان هذا سبب إسلامه، الإخلاص يوجد نوعًا من الاستجابة الإيجابية لدى المستمعين أو المشاهدين.
والإخلاص من الصفات الخاصة بشخصية خطيب الجمعة يعني ألا يعتبر الخطبة وظيفة لها وقت محدد مقابل أجر محدد، فهذا هو طريق الفشل بعينه، بل يعني الإخلاص حمل الرسالة والهم والرغبة الأكيدة في إفهام الناس ورفع مستواهم الإيماني والفكري، أن تكون لدية رغبة حقيقية تُشعر الناس بحماس من يحدثهم وحبه لهم وحرصه عليهم وعلى مساعدتهم، فيتفاعلون معه، ويقتربون منه، ويتأثرون بأفكاره، ويشد بعضهم من أزر بعض.
إن إخلاصَ العمل لله شرط لنجاح أي عمل، وفي عمل كخطبة الجمعة، يجعل الإخلاص كيان الداعية كله لله، كما قال الله في كتابه: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).
فالنية أصل جميع الأعمال وليكن قدوة الخطيب في ذلك الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم كما قـال خطيب الأنبياء شعيب فيما حكـاه الله عنه؛ (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ....)[هود: 88].
فأساس التأثير -أخي الخطيب- ثلاثة أمور: التوفيق من الله، والإخلاص، والقدوة. وعلى الخطيب أن يجاهد نفسه بإصلاح نيته في هذا الأمر؛ لأن في النصح العلني ما فيه من أغراض النفس والموفق من وفق للتجرد لله.
وفي رأيي أن الخطبة لكي تؤتي ثمرتها في تربية الأمة لابد أن يراعى فيها أمران: ما يخص الخطيب وهو الإخلاص وصدق اللهجة، وحسن السيرة والسمعة وحسن الخلق، بالإضافة إلى ما يتمتع به من علم وثقافة، وفصاحته وحسن مظهره، ثم تثبته من المعلومات، والأخبار، والأحكام التي يلقيها على الناس، وتجنبه للتقعر والتكلف وتقليد غيره في الكلام والحركات، وأن يقوم بإعداد الخطبة إعدادا جيدا، ويقوم بتقويمها تقويما دقيقا حتى يتسنى له تجنب الأخطاء والعثرات، ويرتقي إلى المستوى المطلوب.
وما يخص المدعو وهم المخاطبون فيراعى فيهم اختلاف مستواهم من حيث السن والعلم والأعراف، فالخطبة في الوسط الشبابي المثقف غير الخطبة في وسط الكبار في السن الذين يغلب عليهم قلة العلم، وتتمكن منهم العادات والتقاليد.
أثر الخطابة والوعظ في تعزيز الأخلاق الكريمة وحماية المجتمع من الانحلال الخلقي - (1 / 3)
ومن أجل الوصول إلى التأثير الجماهيري المطلوب من الخطيب الناجح والواعظ المبدع لابد من التعرف على أهم الصفات التي يجب أن تتوفر فيهما، وتتمثل في: الإخلاص لله تعالى، فيقول الله -تعالى-: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ).
· إتباع هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في كلامه وخطبه، فيقول الله -تعال-: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
· الالتزام بجميع الأخلاق الإسلامية الكريمة [9]، والبعد عن سوء الأخلاق وما يؤدي إليها من قول أو عمل، وأول الأخلاق الكريمة الحكمة وحسن التصرف.
· التحضير المناسب للخطبة بأقصى استطاعته، مع الاهتمام بالموضوعات التي تساعد على بناء المسلم الحقيقي من جهة، ومعالجة القصور في تطبيقه لأحكام الإسلام من جهة أخري.
· الخطيب والواعظ قيادي في موقعه، فعليه تمثل صفات القائد المسلم[10].
· تصدّيق القول بالعمل، مع مراعاة إمكانية التعليم بالتطبيق العملي لأحكام الإسلام.
· وضوح اللغة وسلامتها. فيقول الله -تعالى- “: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)[11]. البيان الزاهر - (1 / 17).
إن الخطبة كاللباس المفصل على الجسد، لا يظهر جماله ولا يحسن منظره إلا بقدر انسجامه مع بدن لابسه، ولا يكفي لتحقيق الخطبة مقصودها، ولتؤتي أكلها استيفاؤها عناصرها، بل لابد من الانسجام بين الخطيب وخطبته، وكم من خطبة مؤثرة إذا ألقاها غير صاحبها أصابت سامعها بالملل والسآمة، وما ذاك إلا لافتقار الانسجام والموافقة بين الخطيب وخطبته، وسأعرض فيما يلي جملة من هذه الصفات التي ينبغي للخطيب أن يتحلى بها.
أولاً- يمكن تقسيم الصفات المطلوب توفرها في الخطيب إلى نوعين، النوع الأول: صفات وهبية، والثاني: صفات كسبية: ويقصد بها الصفات التي جبل عليها ولم يبذل في تحصيلها دراسة أو مران أو دربة.
خمسون وصية ووصية لتكون خطيبا ناجحا - (1 / 8)
أولًا: الشعور بالمسؤولية: -
يجب أن يشعر الخطيب بأنه صاحب رسالة يؤديها، ويقصد من خلالها وجه الله، حتى ولو كانت تلك وظيفته التي يقتات منها، وذلك لأن صاحب الرسالة يستفرغ كل طاقته في محاولة إيصالها إلى الناس، لا يكل ولا يمل.
والحقيقة إذا ما توفر هذا الشعور في نفس الخطيب فإن النجاح سيكون حليفه، وسيكون من أحسن الناس قولًا. قال الله -تعالى-: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ). فلا أحد أحسن قولًا ممن حمل مشعل الدعوة إلى الله وإلى اتباع منهجه والالتزام بأحكامه وتعاليمه، والواجب على الداعية أو الخطيب أن يعلن هويته وانتماءه بقوله: إنه من المسلمين بعيدًا عن الفئوية الضيقة، والنظرة المحدودة. لأن الإسلام هو الأصل وهو الأعم والأشمل.
والخطيب الناجح والمؤثر هو خطيب يتخذ الإخلاص مطية، تصل به إلى دربه ومبتغاه، ويحزم متاعه برباط الخوف من قيوم السماوات والأرض.
ثم اعلم أخي الخطيب أنه قد اصطفاك الله لحمل دعوته، ورعاية أمانته، وصيانة عهده، وتحقيق وعده فعلم الناس دين الله وابسطه بين أيديهم؛ (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)[فاطر:32]، (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ)[آل عمران:79].
فيا أيها الخطيب أري الله من نفسك خيرًا، واعلم أنك من ورثة الأنبياء.
فنون خطابية - (1 / 4)
صحيح أن العمل الجاد يحتاج إلى التعب والجهد ولكنه يحتاج قبل كل ذلك إلى الإخلاص لله -تعالى-.. والمثل الرائع يقول: “قل لمن لا يخلص لا يتعب”؛ فما فائدة العمل إن أريد به غير وجه الله -تعالى- نعم.. لن يكون له أي تأثير لا على المتكلم ولا حتى على المستمعين.. إن لم يكن هناك إخلاص.
ومقام الإخلاص هذا أصل في الأعمال كلّها؛ قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ)[البيّنة 5].
ولكن يتعيّن الإخلاص في العلم، ومعناه: اصطحاب النيّة في إزالة الجهل عن نفسك، وفي تبليغ العلم لغيرك.
قال الشيخ عبد الحميد بن باديس -رحمه الله-: “غاية العالم المسلم أن يهتدي في نفسه وأن يهدي غيره، أما كثر الطلاب فمنهم من تكون غايته الوظيفة، فهم في غفلة من أنفسهم وعن غيرهم، ومنهم من تكون غايته أن ينال الشهادة بالعلم، فهو مثل الأول، فأين الغاية الحقيقة التي ذكرنا، فما أقل أهلها لأنها لا ذكر لها في برامج التعليم، ولا اهتمام بها من المعلمين. وحق على كل طالب أن تكون هي غايته، وهو مع ذلك نائل العلم، ونائل ما يؤهله للوظيفة إن أبى إلا أن تكون من قصده، ولكنه بالقصد إلى تلك الغاية يكون عاملاً في أثناء تعلمه على تهذيب نفسه، ويكون مصدر هداية الناس في المستقبل، كن هذا إنما يتم للطالب إذا كان شيوخه يهتمون بهذه الغاية ويعملون لها، ويوجهون تلامذتهم لها. وما أعز هذا الصنف من الشيوخ”(ابن باديس لعمار الطالبي 4/203 –204).
وقد جاء الوعيد الشديد لمن شاب نية طلبه للعلم بشوائب الرياء والمباهاة وغيرها، كما في الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “من تعلّم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله جهنم”(رواه ابن ماجه وصححه الألباني).
من ثمار الإخلاص
وللإخلاص أثر عجيب في بركة العلم، وفي أثره، ولذلك قال يحيى بن معاذ الرازي -رحمه الله-: “من أشخص بقلبه إلى الله انفتحت ينابيع الحكمة من قلبه، وجرت على لسانه”(رواه أبو نعيم في “الحلية” 10/52).
وقال الخطيب البغدادي -رحمه الله-: “الإخلاص لله يورث الفهم عن الله”(اقتضاء العلم العمل” ص 32).
وإنّ الإخلاص من أعظم الأسباب التي تعين المرء في طلبه للعلم، فهو يمنحه معية الله -تعالى-، ورعايته، وتيسير الأمور عليه.
تربية النفس وتهذيبها وتزكيتها وإصلاحها ولأجل أن تكون (تربية النفس) من المسائل الموفّقة لدى الخطيب، عليه أن يسعى جهد إمكانه في سبيل الوصول إلى:
- أولها تحقيق أعلى درجات الإخلاص وهذا أولها لأن الإخلاص لله سبحانه هو روح عمل الخطيب، فالمفروض بالخطيب أن لا يكتفي بأقل درجات الإخلاص (كقصد القربة في الصلاة والصيام وغيرها من العبادات)، فهذا القدر هو المفروض توفره لدى أي إنسان مسلم عادي، بينما الخطيب المرشد الذي تصدى لمسألة إسلامه فإنه يحتاج إلى السعي للحصول على أعلى درجات الإخلاص، وذلك بأن يجعل كل لحظاته لله خالصة، فقد أوصى النبي محمد(ص) الصحابي الجليل أبا ذر -رضوان الله عليه-: يا أبا ذر، ليكن لك في كل شيء نيّة حتى في الأكل والنوم”.
وفي مرة من المرّات سألت أحد الخطباء البارعين: كيف يستطيع الإنسان أن يكون خطيباً بارعاً؟ فأجابني: الإخلاص... الإخلاص!! (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ).
ويتركّز الإخلاص على ركيزتين: “عقلية”، وهي معرفة الله -تعالى-. و”عاطفية”، وهي حب الله -تعالى-.
فإذا امتزجت معرفة الله بمحبته في نفس العبد، حصل له الإخلاص، وكان ألذّ شيء عنده هو رضوان الله الذي هو أكبر من جنة عرضها السماوات والأرض؛ قال سبحانه: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
- وثانيها الورع والتقوى فهذه الصفة الربّانية في شخصية الخطيب، تشكّل الأساس والمنطلق في تحركه وجهاده وعمله وحسن عاقبته، حيث يقول تبارك وتعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)، ويقول سبحانه: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، لذا فإن أبرز عنصر في شخصية الخطيب هو (التقوى والورع) والالتزام الشرعي، ولا قيمة لكل القابليات والجهود والملكات مع غياب هذه الصفة.
فاتقوا الله -عباد الله-! والزموا الإخلاص لوجه الله تنالوا ثمراته المباركة من النصر والنجاة، والرفعة والهدى، والخير في الآخرة والأولى، وتنجو من الهزيمة والعذاب، والضلال والشقاء، والفضيحة في الدنيا والآخرة.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم