اقتباس
فأما ستره -عز وجل- في الدنيا فكلنا نراه ونعاينه ونحيا في كنفه وظله، وأما ستره -سبحانه وتعالى- في الآخرة فقد نقل إلينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئًا منه قائلًا: "إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا...
هل خلق الله -عز وجل- بشرًا -غير الأنبياء- لم تكن لهم زلات أو هفوات أو ذنوب؟ دعوني أجيب بملء الفم فأقول: لا؛ لا بشر بلا أخطاء، بل جل البشرية والغة في الخطايا والأوزار، وكلنا نحفظ قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كل بني آدم خَطَّاء"(رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، وقَلَّ من نجا.
إذا أُخبرتَ عن رجل برىء *** من الآفات ظاهره صحيح
فسلهم عنه هل هو آدمى؟ *** فإن قالوا نعم فالقول ريح
وتخيل معي الآن أن كل منا قد كُتب على جبهة ذنوبه وخطاياه؛ فكلما ارتكب إثمًا أو ذنبًا ثم نام، قام من نومه وقد زيدت الخطايا الجديدة على جبهته! إذن لصار شغلنا الشاغل هو قراءة جبهات بعضنا البعض، وإذن لافتضح الخلق أجمعون، وإذن لما تحاب اثنان أبدًا ولا تصادق اثنان ولا تآلف اثنان، وكيف يتحابان وكل منهما يرى شين الآخر وخباياه وخفاياه ونقائصه ومسالبه ظاهرة عيانًا؟! بل لو حدث ذلك لكره الناس بعضهم البعض، ولتنافروا ولما أدخل أحدنا غيره إلى بيته أبدًا، وبالتالي ستتقطع الأوصال وتتفرق الأرحام ويتعادى الجيران وتتعطل الدنيا وتختل مسيرتها وتتوقف حركتها.. وصدق القائل:
في الناس شر لو بدا ما تعاشروا *** ولكن كساه الله ثوب غطاء
لكن لماذا نتخيل هذا التخيل؟ والإجابة: لندرك قدر منة الله -تعالى- ونعمته حين أسبغ علينا ستره، فلولا ستر الله -عز وجل- لنا لافتضحنا.
ولستُ أنا أول من تخيل هذا التخيل، لكن تخيله قبلي محمد بن واسع -رحمه الله- فقال: "لو أن للذنوب رائحة لم يستطع أحد أن يجلس معي"(الحكم الجديرة بالإذاعة، لابن رجب).
ومن إنعام خالقنا علينا *** بأن ذنوبنا ليست تفوح
فلو فاحت لأصبحنا هروبًا *** فرادى فى الفلا لا نستريح
وضاق بكل منتحل صلاحًا *** لَنَتنِ ذنوبه البلد الفسيح
***
ولا عجب ولا غرابة من كل هذا الستر الجميل العميم على البشر أجمعين؛ فإنه من لدن الله -عز وجل- الذي من أسمائه: "الستير"، فعن يعلى بن أمية أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله -عز وجل- حيي ستير يحب الحياء والستر"(رواه أبو داود، وصححه الألباني).
فأما ستره -عز وجل- في الدنيا فكلنا نراه ونعاينه ونحيا في كنفه ونستظل في ظله، وأما ستره -سبحانه وتعالى- في الآخرة فقد نقل إلينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئًا منه قائلًا: "إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته.."(متفق عليه)، يقول ابن القيم -رحمه الله- في نونيته:
وهو الحيي فليس يفضح عبده *** عند التجاهر منه بالعصيان
لكنه يلقي عليه ستره *** فهو الستير وصاحب الغفران
***
والله -تعالى- يستر عبده طالما ستر العبد نفسه، فإن فضح نفسه رفع الله عنه ستره، وصدق القائل: "للعبد ستر بينه وبين الله، وستر بينه وبين الناس، فمن هتك الستر الذي بينه وبين الله، هتك الله الستر الذي بينه وبين الناس"(الفوائد، لابن القيم)، بل صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين يقول: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه"(متفق عليه).
توارى بجدران البيوت عن الورى *** وأنت بعين الله لو كنت تشعر
وتخشى عيون الناس أن ينظروا بها *** ولم تخش عين الله والله ينظـر
***
والستر مطلوب من البشر بعضهم على بعض، ومطلوب من الفرد الواحد أن يستر نفسه، فأما ستره لنفسه فقد أمر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائلًا: "أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله.."(رواه مالك في الموطأ، وصححه الألباني).
وعن نعيم بن هزال: أن هزالًا كان استأجر ماعز بن مالك، وكانت له جارية يقال لها: فاطمة، قد أملكت، وكانت ترعى غنمًا لهم، وإن ماعزًا وقع عليها، فأخبر هزالًا فخدعه، فقال: انطلق إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبره، عسى أن ينزل فيك قرآن، فأمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- فرجم، فلما عضته مس الحجارة، انطلق يسعى، فاستقبله رجل بلحي جزور، أو ساق بعير، فضربه به، فصرعه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ويلك يا هزال، لو كنت سترته بثوبك، كان خيرًا لك"(رواه أحمد في مسنده، وصححه شعيب الأرنؤوط، وكذا الحاكم والذهبي).
وتأمل معي كيف أعرض النبي -صلى الله عليه وسلم- عن هذا الرجل الذي جاء يقر عنده بذنبه ولم يسأله عن خطيئته، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه- قال: كنت عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًا فأقمه علي، قال: ولم يسأله عنه، قال: وحضرت الصلاة، فصلى مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما قضى النبي -صلى الله عليه وسلم- الصلاة، قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًا، فأقم في كتاب الله، قال: "أليس قد صليت معنا" قال: نعم، قال: "فإن الله قد غفر لك ذنبك، أو قال: حدك"(متفق عليه).
والكلام عن الستر -ذلك الخلق الجليل- له جوانب شتى، قد جمعنا ما استطعنا منها في هذا الملف العلمي، فجاء محوره الأول حول مفهوم الستر وفضله ومكانته، ودار المحور الثاني حول أنواع الستر ومقاصده، أما محوره الثالث فكان عن شؤم التعري والتبرج وإشاعة الفواحش؛ إذ يتضح النقيض بالنقيض، واستعرض المحور الرابع الوسائل المعينة على الستر وتحصيله واستدامته، ثم جمعنا الكتب والمراجع والإحالات جميعها في المحور الخامس... ولا ندعي أننا قد أحطنا بجميع جوانب الموضوع، لكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم