السعي إلى الله في حركة الحياة

عبدالباري بن عواض الثبيتي

2026-04-24 - 1447/11/07 2026-04-25 - 1447/11/08
عناصر الخطبة
1/اختلاف سعي الناس وأغراضهم 2/سعة أهداف السعي عند المسلم 3/بيان نوعَي السعي الحميد والسعي الضائع 4/وصايا ليكون السعي حميدًا 5/الآثار الحسنة للسعي الحميد

اقتباس

السعيُ في الإسلامِ ليس محصورًا في صلاةٍ أو عبادةٍ ظاهرةٍ، بل هو أوسعُ من ذلك وأشملُ، هو حركةُ الإنسانِ كلُّها؛ في عملِه وفي بيتِه، وتجارتِه وتعليمِه، وعلاقاتِه وقراراتِه؛ فالمُعلِّمُ ساعٍ، والتاجرُ ساعٍ، والطبيبُ ساعٍ، وربُّ الأسرةِ ساعٍ. وكلُّ واحدٍ منهم إمَّا أن يسعَى إلى اللهِ، أو يسعَى بعيدًا عنهُ...

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ، الحمدُ للهِ ربِّ الأرضِ والسَّماءِ. أحمدُه -سبحانه- وأشكرُه، له الحمدُ في الأُولى والآخرةِ، وبيدِه الفضلُ والعطاءُ. وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ؛ تفرَّدَ بالعظمةِ والكبرياءِ. وأشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه؛ أرسلَه بالهُدى ودينِ الحقِّ رحمةً للعالمين ونورًا يهدي إلى الضياءِ. صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصحبِه، صلاةً دائمةً مُباركةً ما تعاقَبَ الليلُ والنهارُ وتوالَتِ الأيامُ والسِّنونَ إلى يومِ اللقاءِ.

 

أما بعدُ: فأُوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ؛ فهي زادُ القلوبِ، وبها تُستجلَبُ الخيراتُ، قال اللهُ -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71].

 

إذا تأملتَ حركةَ الحياةِ؛ رأيتَ الناسَ كلَّهم يسعون، لا يكادُ أحدٌ يسكُنُ، ولا يكُفُّ أحدٌ عن العملِ. يُجلِّي القرآنُ هذا المشهدَ بقولِه: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى)[اللَّيْلِ: 4]، هو سعيٌ واحدٌ للناسِ في الظاهرِ، لكنَّه في الميزانِ مُختلِفٌ؛ إذ تتشابهُ الأعمالُ، وتفترِقُ المقاصِدُ. فهذا يعملُ للدنيا، وذاك يعملُ للآخرةِ، وثالثٌ يسعَى ولا يدرِي لِمَ يسعَى! فحركةُ الأيدي واحدةٌ، لكن اتِّجاهَ القلوبِ هو الذي يصنعُ الفارِقَ؛ إذ تعلُو الأعمالُ بصدقِ المقاصِدِ.

 

السعيُ في الإسلامِ ليس محصورًا في صلاةٍ أو عبادةٍ ظاهرةٍ، بل هو أوسعُ من ذلك وأشملُ، هو حركةُ الإنسانِ كلُّها؛ في عملِه وفي بيتِه، وتجارتِه وتعليمِه، وعلاقاتِه وقراراتِه؛ فالمُعلِّمُ ساعٍ، والتاجرُ ساعٍ، والطبيبُ ساعٍ، وربُّ الأسرةِ ساعٍ. وكلُّ واحدٍ منهم إمَّا أن يسعَى إلى اللهِ، أو يسعَى بعيدًا عنهُ.

 

ومن هنا تتجلَّى القاعدةُ التي تضبِطُ هذا الاتِّساعَ في السعيِ بقولِه -سبحانه-: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا)[الْبَقَرَةِ: 148]. فالعملُ قد يتشابَهُ، لكنَّ الذي يرفعُه أو يضعُه هو الوجهةُ التي يتجهُ إليها القلبُ. في التعليمِ: قد يتعلَّمُ اثنانِ؛ فيرتفعُ أحدُهما لأنَّه أرادَ الإصلاحَ، ويخسَرُ الآخرُ لأنَّه أرادَ السُّمعةَ. وفي التجارةِ: قد يُتاجِرُ اثنانِ؛ فيُبارَكُ لأحدِهما لأنَّه قصَدَ الحلالَ وخدمةَ الناسِ، ويُحرَمُ الآخرُ؛ لأنَّه جعلَ غايتَه مُجرَّدَ الكسبِ.

 

وعلى هذا ينقسِمُ السعيُ إلى: سعيٍ حميدٍ، وسعيٍ ضائعٍ.

 

فأمَّا السعيُ الحميدُ: فهو الذي امتلأَتْ به الحياةُ، لكنَّه اتجهَ إلى اللهِ؛ فالعملُ الدنيويُّ بنيةٍ صالحةٍ يتحوَّلُ إلى عبادةٍ ويُبارَكُ أثرُه ويَكبُرُ؛ فالنومُ بنيةِ التقوِّي عبادةٌ، والعملُ بإتقانٍ عبادةٌ، والإنفاقُ على الأهلِ قُربَةٌ، والسعيُ في قضاءِ حوائِجِ الناسِ إحسانٌ، وبِرُّ الوالدَيْنِ رِفْعَةٌ، وتربيةُ الأبناءِ أمانَةٌ، وإماطةُ الأذى عن الطريقِ صدَقَةٌ، والكلمةُ الطيبةُ بِنَاءٌ، والصبرُ على أذى الناسِ عبادةٌ خفيَّةٌ، والعدلُ في التعامُلِ عبادةٌ ظاهرةٌ. كلُّ ذلك إذا صحَّتِ الوِجهةُ؛ تحوَّلَ المُعتادُ من الأعمالِ إلى عبادةٍ، واليوميُّ إلى قُربَةٍ، ويُصبِحُ اليسيرُ عظيمًا لأنَّ القلبَ اتَّجَهَ والنيَّةَ صدَقَت.

 

وأمَّا السعيُ الضائِعُ: فهو الذي يكثُرُ فيه التعبُ وتغيبُ عنه النيَّةُ وتضيعُ الوجهةُ. يعمَلُ صاحبُه كثيرًا، لكنَّه لا يعرِفُ لماذا يعمَلُ! يتحرَّكُ بلا بُوصلةٍ، فإذا وصلَ لم يجِدْ شيئًا؛ كما صوَّرَ القرآنُ حالَه: (كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ)[النُّورِ: 39]. هو جُهدٌ مبذُولٌ، ونتيجةٌ مفقودةٌ؛ لأنَّ الوِجهةَ صُرِفَتْ عن اللهِ إلى سُمعةٍ تُطلَبُ، أو شهوةٍ تُتَّبَعُ، أو شُهرةٍ تلهَثُ خلفَها الأنظارُ، أو إلى رِضَى الناسِ. فصارَ السعيُ كثيرًا في صورتِه، قليلًا في قيمتِه.

 

تَمضِي الأيامُ وتتراكمُ الأعمالُ، لكنَّ المرءَ قد لا يسألُ نفسَه: إلى أين أنا ذاهِبٌ؟! حتَّى يُفاجأَ بنهايةِ الطريقِ وقد ضاعَ عُمرُه في غيرِ ما خُلِقَ له، قال اللهُ -تعالى-: (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)[الْكَهْفِ: 104].

 

هذه الآيةُ تدعُو كلَّ إنسانٍ أن يُراجِعَ نفسَه: هل ما أعملُه صحيحٌ؟ هل هو على هُدًى؟ هل أريدُ به اللهَ أم غيرَه؟ يضعُ القرآنُ الميزانَ الذي يُعيدُ الإنسانَ إلى نفسِه، ويُحَمِّلُهُ مسؤوليتَه كاملةً؛ كما في قولِه -تعالى-: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى)[النَّجْمِ: 39-40]. فلا يَحمِلُ عنه عملَه أحدٌ، ولا يُغني عنه اسمُه ولا مكانُه. وكلُّ ما يملكُه حقًّا؛ سعيُه الذي قدَّمَه. يراه يومًا حاضِرًا بين يديهِ؛ تَتَفَكَّكُ فيه دقائقُ أعمالِه، وتنكشفُ خَبَايَا نِيَّاتِهِ.

 

فإذا استقرَّ هذا في القلبِ؛ لم يَعُدْ للسعيِ قيمةٌ إلَّا أن يكون للهِ. وهنا يُبَيِّنُ القرآنُ طريقَ القبولِ في قولِه -سبحانه-: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا)[الْإِسْرَاءِ: 19].

 

مَنْ أرادَ الآخرةَ فصَوَّبَ القلبَ وقَوَّمَ الوِجهةَ، وسعَى لها سعيًا منضَبِطًا على هديِ الشرعِ، بإيمانٍ يُحيي العملَ ويُبارِكُ أثَرَه؛ كان سعيُهم مشكورًا. سعيٌ مقبولٌ، محفوظٌ، مُنَمًّى؛ يُثنِي اللهُ عليه، ويجزِي عليه أضعافًا. وليس الشكرُ هنا مُجرَّدَ ثناءٍ؛ بل قبولٌ وتكريمٌ وبركةٌ وزيادةٌ، حتَّى يُصبِحَ القليلُ كثيرًا، واليسيرُ عظيمًا.

 

إذا استحضَرَ المُسلمُ هذا الفضلَ العظيمَ وَوعى سَعَةَ العطاءِ، جاءَ النداءُ الربَّانيُّ: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)[الْبَقَرَةِ: 148]؛ نداءٌ يُوقِظُ قلبَ المسلمِ، ويستنهِضُ همَّتَه؛ ليجعلَ حياتَه مَيدانَ سِباقٍ، بل يجعلَ حياتَه كلَّها للهِ؛ في عملِه وراحتِه، وفي كسبِه وعطائِه. كما قال اللهُ -تعالى-: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ)[الْأَنْعَامِ: 162-163].

 

أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلِّ ذنبٍ؛ فاستغفِروه، إنه هو الغفورُ الرحيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا، أحمدُه -سبحانه- وأشكرُه شُكرًا مَزِيدًا. وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له توحيدًا مُنِيرًا. وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه هادِيًا بَشِيرًا. صلى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصحبِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعدُ: فأُوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ.

 

وإذا توجَّهَ القلبُ في سعيِه بكلِّيَّتِه إلى اللهِ؛ زَكَتْ نفسُه، وخَمَدَتْ جَذْوَةُ الحسدِ، وانطفأَتِ الضَّغَائِنُ، وتَرَفَّعَ عن صغائِرِ التنافسِ، فلا يُزَاحِمُ على زَائِلٍ، وتسمو اهتِماماتُه إلى البناءِ والتشييدِ والإصلاحِ والإتقانِ.

 

ثم تمتدُّ هذه الروحُ إلى المُجتمعِ؛ فَتَعْلُو أهدافُ سعيِ أبنائِه، وتتآزَرُ الجهودُ، ويشتدُّ التكاتُفُ، فتتحوَّلُ الطاقاتُ إلى عطاءٍ نافعٍ، ومشاريعَ مؤثِّرةٍ، ونفعٍ عامٍّ ممتدٍّ؛ لأن القلوبَ اجتمَعَت على وِجهةٍ واحدةٍ، فاجتمَعَت معها أسبابُ النجاحِ والقبولِ.

 

ألَا فصلُّوا وسلِّموا على خيرِ خلقِ اللهِ؛ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ. اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك عليه عددَ ما ذكرَه الذاكرون، وعددَ ما غفَلَ عن ذكرِه الغافِلون. وصلِّ اللهمَّ عليه في الأولينَ والآخِرينَ، وفي الملأِ الأعلى إلى يومِ الدينِ.

 

اللهمَّ ارزُقنا شفاعتَه وحُسنَ اتباعِه، واجعلنا من أهلِ سُنَّتِه السائرينَ على هديِه. وارضَ اللهمَّ عن خلفائِه الأربعةِ الراشدين: أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ؛ وعن الآلِ والصحبِ الكرامِ، وعنَّا معهم بعفوِك يا أكرمَ الأكرمينَ.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأَصلِح أحوالَهم، واجمَع كلمتَهم على الحقِّ والهُدى.

 

اللهمَّ احفَظ ديارَ المسلمين، وكن لهم في فلسطينَ وفي كلِّ مكانٍ مُؤيِّدًا ونصيرًا وظهيرًا.

 

اللهمَّ مَنْ أرادَنا وأرادَ بلادَ المسلمين بسوءٍ، فأشغِله بنفسِه، واجعل تدبيرَه تدميرَهُ، ورُدَّ كيدَه في نحرِه.

 

اللهمَّ احفَظ أمنَ بلادِنا المملكةِ العربيةِ السعوديةِ؛ مَأْرِزِ الإيمانِ، ومَهْوَى أفئِدَةِ المسلمين. احفَظها من كلِّ سوءٍ، وأَدِمْ عليها نعمةَ الأمنِ والاستقرارِ. واحفَظ جنودَها، واردُدْ عنها كيدَ الكائِدين، ومكرَ الماكِرين، وعُدوانَ المُعتدين. اللهمَّ إنَّا نجعلُك في نحورِهم، ونعوذُ بكَ من شُرورِهم.

 

وعَمِّمِ الخيرَ والرخاءَ والسعادةَ جميعَ أوطانِ المسلمينَ، وأَلْبِسْهَا ثوبَ الأمنِ والاستقرارِ.

 

اللهمَّ أَصلِحْ قلوبَنا وزكِّ نفوسَنا، واهدِنا سواءَ السبيلِ. اللهمَّ اجعَلْ سعيَنا في رِضاكَ، ووفِّقنا لما تحبُّ، واجعل أعمالَنا خالصةً لوجهِك الكريمِ. اللهمَّ تقبَّلْ منا واغفِر لنا وارحَمْنا.

 

اللهمَّ أغِثنا يا أرحمَ الراحمين. اللهمَّ سُقيا رحمةٍ، لا سُقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرقٍ. اللهمَّ تُحْيِي به البلادَ، وتُغِيثُ به العبادَ، وتجعلُه بَلَاغًا لِلْحَاضِرِ وَالْبَادِ.

 

اللهمَّ وَفِّقْ إمامَنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى. ووفِّقه ووليَّ عهدِه لكلِّ خيرٍ يا أرحمَ الراحمين. ووفِّق جميعَ ولاةِ أمورِ المسلمينَ للعملِ بكتابِك وتحكيمِ شرعِك يا أرحمَ الراحمينَ.

 

(رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201].

 

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النَّحْلِ: 90]. فاذكُروا اللهَ يذكُركم، واشكُرُوه على نعمِه يزِدكم، وَلَذِكْرُ اللهِ أكبرُ، واللهُ يعلمُ ما تصنَعون.

 

 

المرفقات

السعي إلى الله في حركة الحياة.doc

السعي إلى الله في حركة الحياة.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات