اقتباس
وأنت أنت أيها المسلم: إذا رأيت ظالمًا يظلم إخوانك فلا تصمت ولا تسكت ولا تجبن، بل تقدم وارفع الظلم عن إخوانك: فـ"إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه"، وإن كان ذاك الظالم يخصك أو يهمك أو من قومك فانصره بمنعه عن ظلمه: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا...
لا ندري أيها الظالمون؛ أنغتاظ منكم، أم نشفق عليكم؟! أنغتاظ منكم وننتقم ونتشفى لأنكم تجبرتم وأخذتم الحقوق وارتكبتم المآسي، أم نشفق عليكم لأنكم على وجه الحقيقة لا تظلمون إلا أنفسكم! ومن ظلمتموهم فظلمكم لهم في ميزان حسناتهم؛ إبتلاء لهم من ربهم أو رفعة لدرجاتهم، أما أنتم فإنكم موقوفون ومحاسبون ومنتَقَمٌ منكم في الدنيا والآخرة.
نعم؛ إن الظالم لا يظلم إلا نفسه: (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)[البقرة: 57]، والظالم لا يُهدى: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)[البقرة: 258]، والظالم لا يفلح: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)[الأنعام: 21]، والظالم لا يحبه الله: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)[آل عمران: 57]، وعلى الظالم عدوان الله والمؤمنين: (فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)[البقرة: 193]، والظالم عرضة للهلاك: (هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ)[الأنعام: 47]، والظالم ملعون مطرود من الرحمة: (أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)[هود: 18]، والظالم معذَّب لا محالة: (إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[إبراهيم: 22]، والظالم يسلط عليه ظالم مثله فيُنتقم به منه: (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا)[الأنعام: 129]؛ "أي نسلط بعضهم على بعض فنأخذ من الظالم بالظالم كما جاء في الأثر: "من أعان ظالمًا سلطه الله عليه"(تفسير الخازن).
***
وكل ما سبق هو بعض شؤم الظلم، وشيء من عقاب الظالمين، لكن ما هو الظلم؟ ومن هم الظالمون؟
أما الظلم فهو: "وضع الشيء في غير موضعه"(المخصص، لابن سيده)، "وأصل الظلم: الجور ومجاوزة الحد"(النهاية، ابن الأثير)، "وفي الشريعة: عبارة عن التعدي عن الحق إلى الباطل، وهو الجور"(التعريفات، للجرجاني).
فالشرك ظلم: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)[لقمان: 13]، والكفر ظلم: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[البقرة: 254]، وترك الحكم بشرع الله ظلم: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[المائدة: 45]، واتخاذ الكافرين أولياء ظلم: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[الممتحنة: 9]، وتلك أبشع أنواع الظلم.
ودونها أشكال أخرى من الظلم: فإن ترك التوبة ظلم: (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[الحجرات: 11]، وتعدي حدود الله ظلم: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)[الطلاق: 1]...
والظلم بمختلف أشكاله وألوانه وأصنافه مؤذن بزوال المجتمع وهلاكه وبواره، ومن عجيب الأمور أن نقول: الحياة تستمر مع الكفر والعدل، ولا تستمر مع الإسلام والظلم؛ وقد نقل ابن تيمية قولهم: ""إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة"، ويقال: "الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والاسلام!"(الاستقامة، لابن تيمية).
لذلك حرم الله -تبارك وتعالى- الظلم على نفسه وعلى خلقه، يقول -سبحانه- في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا"(رواه مسلم).
***
والظالم مأخوذ ومعاقب مهما دامت عافيته وغرَّ الناس سلطانه؛ يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)[هود: 102](متفق عليه)، نعم؛ قرى ومدن وحواضر وحضارات بأكملها أبيدت وأُهلكت بسبب ظلمها وطغيانها، والنماذج معلومة محفوظة.
وأيما ظالم نجى من العقوبة في الدنيا -فيما يبدو للناس-، فإنه أبدًا لن ينجو من العذاب في الآخرة: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ)[إبراهيم: 42-43]، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة"(رواه مسلم)؛ فالظالم متقلب يوم القيامة في الظلام والشدائد والكربات والمصائب والأهوال والبلايا، متنيًا المنايا لكنه لا ينالها!
***
وربما هان كل ظلم -مهما بلغ- وسقطت تبعته عن صاحبه بالتوبة والندم والرجوع والإنابة: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا)[النساء: 110]، إلا ظلمًا واحدًا هو ظلم العباد؛ فإنه لا يسقط عن صاحبه حتى يسترضي من ظلمهم ويؤدي إليهم حقوقهم ويوفي مظالمهم، قال -تعالى-: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ)[الشورى: 42]؛ إنما الإثم والذنب والتبعة والمؤاخذة على الذين يبدؤون بظلم خلق الله، لا لشيء إلا لأنهم أقوى منهم!
كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله: "أما بعد، فإذا دعتك قدرتك على الناس إلى ظلمهم، فاذكر قدرة الله -تعالى- عليك"(سير أعلام النبلاء)، وكتب محمد بن واسع إلى رجل من إخوانه: "أما بعد، فإن استطعت أن تبيت حين تبيت وأنت نقي الكف من الدم الحرام، خميص البطن من الطعام الحرام، خفيف الظهر من المال الحرام فافعل، فإن فعلت فلا سبيل عليك"(شعب الإيمان، للبيهقي).
ومن ظلم إنسانًا فقد ملَّك ذلك الإنسان رقبته؛ فإن دعا عليه استجيب له فيه، قال -صلى الله عليه وسلم-: "اتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب"(متفق عليه).
لا تظلمنَّ إذا ما كنت مقتدرًا *** فالظلم ترجع عقباه إلى الندمِ
تنام عيناك والمظلوم منتبه *** يدعو عليك وعين الله لم تنمِ
فاعملوا إذن بنصيحة النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه"(رواه البخاري)، نعم، نعم؛ وكيف ننسى حديث المفلس؟!
تحلل اليوم من المظالم فإنها لا تسقط عنك أبدًا حتى لو كنتَ من أهل الجنة، ففي البخاري: "إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا نقوا وهذبوا، أذن لهم بدخول الجنة"، وعند مسلم: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء، من الشاة القرناء"(رواه مسلم).
***
وأنت أنت أيها المسلم: إذا رأيت ظالمًا يظلم إخوانك فلا تصمت ولا تسكت ولا تجبن، بل تقدم وارفع الظلم عن إخوانك؛ فعن أبي بكر الصديق أنه قال: أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)[المائدة: 105]، وإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه"(رواه الترمذي، وصححه الألباني).
وإن كان ذاك الظالم يخصك أو يهمك أو من قومك فانصره بمنعه عن ظلمه: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: "تحجزه، أو تمنعه، من الظلم فإن ذلك نصره"(رواه البخاري).
وإن لم يكن كل ما مضى مقنعًا لك، أو لم يكن كافيًا لتتضح الصورة أمام عينيك، فقد جمعت من أجلك عددًا من خطب المفوهين فإليك:
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم