عناصر الخطبة
1/التخلية قبل التحلية 2/من ثمرات العمل الصالح 3/تنوع العمل الصالح وفائدته 4/من معوقات العمل الصالح 5/معصية أبي محجن لم تثنه عن الجهاداقتباس
ليسَ من شروطِ قبولِ العملِ الصالحِ تركُ الذنبِ أولاً، فإن عجزتَ عن تركِ الذنوب، فغالبْها بالعملِ الصالح، فمهما كنتَ مقصراً ومذنباً فليكن لك حظُكَ من قراءةِ القرآن، وحظُكَ من الصدقاتِ ومساعدةِ المحتاجين، وحظُكَ من صيامِ الاثنين والخميس...
الخُطْبَةُ الأُولَى:
الحمد لله الذي جعلَ العملَ الصالح سلَّماً للارتقاء إليه، ومجازياً بمثليه عبدَه عليه، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ منْ عبَدَ ربَه، وخيرِ من تصدقَ وصلى وصام، وجاهدَ في الله حقَ الجهاد، وسلم تسليماً كثيراً إلى يومِ المعاد.
أوصيكم -أيها الناسُ- ونفسي بتقوى الله؛ فبها يزيدُكُمُ الله علما، بما فيه خيرُكم وصلاحُكُم في الدنيا والآخرة؛ (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)[البقرة: 282].
وبعد: أرأيتَ -يا رعاكَ الله- لو كان عندك عسلٌ، وإناءٌ ليس بالنظيفِ والطاهر، فما عساك أن تفعل؟ كأني بك تقول: سأُطَهِرُ الإناءَ أولاً، ثم أسكبُ فيه عسلي، وهذا هو الموقفُ الصحيح الذي لا يكادُ يختلفُ عليه اثنان.
ومن هنا قرر علماءُ السلوكِ قاعدةً شهيرةً، وهي قاعدةُ "التخليةِ قبلَ التحلية"؛ لأنهم شبهوا القلوبَ بالآنية، والإيمانَ والعملَ الصالح بالعسل، فلابد أولاً من إزالةِ شوائبِ القلوب، ثم الشروعُ في العمل الصالح؛ بهذا تكون القلوبُ مهيأةً لنظر الله إليها، ومشعةً بنور الله فيها، فيكونُ قلبُ المؤمنِ كالكوكبِ الدريِّ في دياجير الظلمات.
تحدثنا في الجمعةِ الماضية عن التوبةِ والاستغفار، وهي التي يحصلُ بها تخليةَ القلبِ من الشوائبِ والأكدار، وحديثنا اليوم عما تُحلى به القلوبُ بعد طهارتها، وهو العملُ الصالح.
العملُ الصالح هو الموصلُ إلى أعظمِ منزلةٍ يصل إليها العبد، وهي محبةُ الله له، كما جاء في الحديث القدسي، يقول الله -تعالى-: "منْ عادى لي وَلِيّاً فقدْ آذنتهُ بالْحرْب، وَمَا تقرَّبَ إِلَيَ عبْدِي بِشْيءٍ أَحبَّ إِلَيَ مِمَّا افْتَرَضْت عليْهِ، وَمَا يَزالُ عَبْدِي يتقرَّبُ إِلى بالنَّوافِل حَتَّى أُحِبَّه، فَإِذا أَحبَبْتُه كُنْتُ سمعهُ الَّذي يسْمعُ بِهِ، وبَصره الَّذِي يُبصِرُ بِهِ، ويدَهُ الَّتي يَبْطِش بِهَا، ورِجلَهُ الَّتِي يمْشِي بِهَا، وَإِنْ سأَلنِي أَعْطيْتَه، ولَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَّنه"(رواه البخاري).
العملُ الصالح يكفرُ الله به الذنوبَ والآثام؛ كما قال الله -تعالى-: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ)[هود: 114]، وقال -عليه السلام- في وصيته لبعض أصحابه: "اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ، وأتبِعِ السَّيِّئةَ الحسَنةَ تَمْحُهَا، وخالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسنٍ".
العملُ الصالح يختصرُ المسافاتِ الطويلة في سيرِك إلى ربك، فلستَ مضطراً لقطعِ كاملِ المسافة، كما هو الحالُ في كل سفر، بل ستوافي ربَك في منتصفِ الطريق؛ كما جاء في الحديث القدسي الذي يرويه البخاري: يقولُ اللَّهُ -تَعالَى-: "أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً".
العملُ الصالح سببٌ عظيمٌ من أسبابِ دخولِ الجنة، وحصولِ رضى الله؛ يقول الله -عز وجل-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[هود: 23]، ويقول: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا)[الكهف: 107]، ويقول: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا)[مريم: 96].
العملُ الصالح سببٌ من أسبابِ السعادة، والحياةِ الرضيةِ الهانئة؛ يقول الله -تعالى-: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[النحل: 97].
فيا من أجهدَ نفسَه، في البحثِ عن السعادة، في الأموالِ والملذاتِ والشهواتِ فلم يجدها، ويا من ابتلي بضيقِ الصدر، والاكتئابِ والخوفِ والقلق: دونك الأعمالُ الصالحة، أكثرْ منها وأقبلْ عليها؛ فسَتُسَكّنُ خوفَك، وتطردُ قلقَك، وتشرحُ صدرَك.
العملُ الصالح هو الذي يرتقي بك إلى أعلى الدرجات، ويرفعُك من حظيظِ الدركات، لتلحقَ بمقامِ الملائكةِ المقربين، وربما أعظم؛ كما قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)[البينة: 7].
ثم اعلم أن العملَ الصالحَ متعددٌ ومتنوع؛ ولذلك أبوابُ الجنةِ متنوعةٌ ومتعددة، فهناك الذكرُ، والصلاةُ، والصيامُ، والصدقاتُ، وقراءةُ القرآن، وطلبُ العلمِ وبثُه، والدعوةُ إلى الله، وغيرُ ذلك.
فاختر بعد أداء الفرائض ما يناسبُ طبعك؛ حتى لا تثقلَ عليك العبادة، فإن كنت كريماً فأكثر من الصدقات، وإن كنت صبوراً فأكثر من الصيام والصلوات وإن كنت رحيما؛ فأكثر من مساعدة المحتاجين، وإن كنت متأملاً فأكثر من الذكر وقراءة القرآن.
هكذا كان الصحابةُ -رضي الله عنهم-، استغلوا مواهبَهم في طاعةِ الله والعملِ الصالح؛ فمنهمُ المجاهدُ كخالدِ بن الوليد، ومنهمُ الفقيهُ كعبدِالله بنِ عباس، ومنهمُ المنفقُ كطلحةَ بنِ عبيد الله، ومنهمُ الزاهدُ كأبي ذر، ومنهمُ العابدُ كعبدالله بنِ عمر، ومنهم من جمعَ كلَّ ذلك، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم أجمعين-، وجمعنا بهم في عليين.
أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفروه إنَّه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
وبعد: إن من الشبهاتِ التي يقذُفها الشيطان، ويحولُ بها بينَك وبينَ العملِ الصالح، هو أن تعتقدَ أن العملَ الصالحَ حكرٌ على الصالحين، وليس للمذنبين إليه سبيل، فتقعدَ عنه حتى تقلعَ عن ذنبك أولاً، كما يوحي إليك الشيطان؛ فيجمعُ لك بذلك بين الذنبِ وتركِ الأعمالِ الصالحة!.
ولا شك أن أعلى المراتبِ أن تجمعَ بين التوبةِ والعملِ الصالح، ولكن ليسَ من شروطِ قبولِ العملِ الصالحِ تركُ الذنبِ أولاً، فإن عجزتَ عن تركِ الذنوب، فغالبْها بالعملِ الصالح، فمهما كنتَ مقصراً ومذنباً فليكن لك حظُكَ من قراءةِ القرآن، وحظُكَ من الصدقاتِ ومساعدةِ المحتاجين، وحظُكَ من صيامِ الاثنين والخميس، وحظُكَ من ذكرِ الله وتسبيحِه وتحميده، وحظُكَ من المتابعةِ بين العمرةِ والعمرة، فكلُّ ذلك حريٌ أن يغفرَ الله لك بسببه، ويهديَك إلى سبيله بفضله، ويقذفَ في قلبِك بغضَ المعصيةِ بقوته وحوله؛ (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)[العنكبوت: 69].
وإليكم هذه القصة لأبي محجن الثقفي -رضي الله عنه-: ابتلاه اللهُ بشربِ الخمر، فخرجَ مع الصحابةِ -رضي الله عنهم- لقتالِ فارس، فشربَ قبلَ منازلةِ العدو، في معركةِ القادسيةِ الشهيرة؛ فأوثقَه أميرُ الجيشِ سعدُ بن أبي وقاص -رضي الله عنه- في القيد، فاندلعتِ المعركةُ وهو في قيدِه ينظرُ للنزالِ والكرِ والفر، فأدرَكَهُ الندمُ، وعلمَ أن ذنبَه هو الذي حالَ بينه وبين أن يشاركَ إخوانَه هذا الشرف، فقال:
كفى حَزَناً أن تُطعَنَ الخيلُ بالقَنا *** وأُصبِحَ مَشدوداً عليَّ وَثَاقيا
فللّه درِّي يوم أُترَكُ مُوثَقاً *** وتذهلُ عني أُسرتي ورجاليا
حبيساً عن الحرب العَوَان وقد بَدت *** وإعمالُ غيري يوم ذاك العواليا
ولِلهِ عهدٌ لا أخيسُ بعهدِه *** لئن فُرِجَت ألا أزور الحوانيا
هَلُمَّ سلاحي لا أبا لكَ إنني *** أرى الحربَ لا تزدادُ إِلا تماديا
فطلب من زوجة سعد، وكانت قريبة منه أن تفكه، وأعطاها العهودَ والمواثيقَ، إن لم يمت أن يعود في القيد، فأطلقته، وركبَ البلقاءَ فرسَ سعد، وكان سعد في عريشٍ له يرقبُ المعركة، فقاتلَ قتالَ الشجعان، وأبلى بلاءَ المؤمنين، وسعدٌ في عريشه ينظرُ ويتعجب، ويقول: "الفرسُ فرسي، والضربُ ضربُ أبي محجن".
فلما انتهت المعركة رجع أبو محجن لقيده، وأخبرت زوجةُ سعدٍ سعدا بالخبر، فقال له: "والله لا أجلدك بعد اليوم"، وقال أبو محجن: "والله لا أشربها بعد اليوم".
فانظر كيف أن الخمرَ لم تثنه عن أن يشاركَ في الجهاد؟! ثم انظر كيف أن هذا العملَ الصالحَ قادَه للتوبةِ من هذه الكبيرةِ المشينة؟!.
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم