حسن الخلق

الشيخ محمد بن صالح الشاوي

2025-12-05 - 1447/06/14 2026-01-04 - 1447/07/15
التصنيفات الفرعية: السيرة النبوية
عناصر الخطبة
1/الأخلاق الفاضلة أساس كل فضيلة 2/من مظاهر حسن الخلق 3/من أخلاق النبي -عليه الصلاة والسلام-

اقتباس

فإذا رأيت الأفراد متحابين متوادين، يتآمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر، ويقبلون بقلوبهم وجوارحهم على مهامِّ الأمور ويتركون سفاسفَها؛ عَلِمْتَ أنهم يشكِّلون أمة راقية، قد تَوَفَّرَ لها عناصر الرقيِّ والعزة، من الأخذ بيد الضعيف، وإطعام المسكين، والإحسان إلى...

الخُطْبَةُ الأُولَى: 

 

الحمد لله الذي بعث نبيَّه لتكميل مكارم الأخلاق وتحسينها، وأشهد أن لا إله إلا الله المتفرد بالجلال والكمال، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، القائل: "إن خيارَكم أحاسنكم أخلاقًا"(البخاري)، وصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحابته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

 

أيها الإخوة: اعلموا أن الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة أساسٌ لكل خير وفضيلة، وقوامٌ لكل رقيٍّ يُحرز في الحياة؛ ولذلك قال ابن القيم -رحمه الله-: "‌الدِّين كلُّه ‌خُلقٌ، فمن ‌زاد عليك ‌في ‌الخلق ‌زاد عليك في ‌الدِّين".

 

كما أن حسن الخلق مقياسٌ لمقدار تقدم الأمة والجماعة في مضمار الحياة؛ لأن الحياة عقيدة وعبادة وجهاد وسلوك، ومعلوم أنه لابد من التعامل مع الآخرين والاتصال بهم، إما بمجاورة، أو بيع أو شراء، وغير ذلك، فإذا لم يحسِّن الإنسان خلقه، ويتصف بالصفات المحمودة، ويكون متواضعًا، لين الجانب في غير ضعف، قوي العزيمة، مبتسمًا متهللًا، يبدأ من لقِيه بالسلام، ويُقبل على محدِّثِهِ بوجهه، ويصغي إليه إذا حدَّثَهَ، ويزور صديقه مهنئًا ومعزيًّا، ويكون في حاجةِ أخيه إذا احتاجه، فإذا لم يتصف بهذه الصفات السابقة، ويكون حكيمًا يضع الأمور في مواضعها، وشجاعًا في غير تهور، وكريمًا من غير تبذير، وحليمًا من غير ضعف، وإذا لم يكن كذلك؛ فإنه لن يستطيع أن يشقَّ طريقه في هذه الحياة المزدحمة بأنواع البشر مختلفي الطبائع والصفات.

 

وإذا لم يكن كذلك فإنه سَيُتْعِبُ نفسه، ويُتْعِبَ المحيطين به ومن تجمعه بهم روابط عائلية أو مجاورة، وسيجد نفسه كالبعير الأجرب ينفر الناس منه، وكلٌّ يتقي شرَّه ويحذر عداوته، كما قال علي بن أبي طالب:

فَلا تَصحَبْ أَخا الجهلِ *** وَإِياكَ وَإِياهُ

فَكَم مِن جاهِلٍ أَردى *** حَليمًا حِينَ آَخاهُ

يُقاسُ المَرءُ بِالمَرءِ *** إذا ما المَرءُ ماشاهُ

كَحَذو النَعلِ بِالنَّعلِ *** إِذا ما النعلُ حاذاهُ

وللشيءِ مِنَ الشيء *** مَقاييِسٌ وَأَشباهُ

وَلِلقَلبِ عَلى القَلب *** دَليلٌ حِينَ يَلقاهُ

 

وليس من شكٍّ أن الأخلاق الفاضلة كما أنها مقياس لرقي الأمة، فهي أيضًا مقياس لرقي الأفراد، وما الأمة إلا مجموعة أفراد ينتمون إلى هذه الأمة، ويشكلون وعيَها الجمْعِيَّ وتراثها وحضارتها.

 

فإذا رأيت الأفراد متحابين متوادين، يتآمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر، ويقبلون بقلوبهم وجوارحهم على مهامِّ الأمور ويتركون سفاسفَها؛ عَلِمْتَ أنهم يشكِّلون أمة راقية، قد تَوَفَّرَ لها عناصر الرقيِّ والعزة، من الأخذ بيد الضعيف، وإطعام المسكين، والإحسان إلى اليتيم والفقير، وإلى البشاشة، والرجولة، والنجدة، والتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان.

 

وليس بعامرٍ بنيانَ قوم *** إذا أخلاقُهم كانت خرابًا

 

فاعلموا أن الذي يستحق رضا الأمة ورضا الناس، هو الذي عرف واجباته فقام بأعبائها، وترقب نفسه ففاز بمعرفتها، واستفاد فأفاد، واستُهدي فهدى، وبُلِّغ فبلَّغ، وتأدب فأدب، حتى يكون مصباحًا يستنير برأيه العقلاء، ويشهد بسيرته العامَّةُ، فإن "من سنَّ سنة حسنة، فله أجرُها ومثل أجر من عمل بها إلى يوم القيامة"(رواه مسلم).

 

واعلموا -أيها المؤمنون- أن الأخلاق الفاضلة المحمودة كما هي محمودة عند الناس، فهي محمودة عند الله، وهي مما يقرب العبد من ربه، فإذا أثنى الناس على إنسان بخير وحمدوه فهو دليل القبول عند الله، وإذا ذمُّوا إنسانًا ونفروا منه وجرَحوه فهو دليل على بغض الله له، كما يروى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أنتم شهداء الله في الأرض"( البخاري ومسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إذا أحب الله عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانا فأحبَّه، قال: فيحبُّه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحبُّ فلانا فأحبوه، فيحبُّه أهلُ السماء، قال: ثم يوضع له ‌القبول ‌في ‌الأرض"(البخاري ومسلم).

 

وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "إن الله -تعالى- جعل مكارم الأخلاق ومحاسنها وصْلًا بينه وبينكم، فحسب الرجل أن يتصل من الله بخلق منها"، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أكثر ما يُدخل الجنة تقوى الله، وحسن الخلق"(أحمد والترمذي)، وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق"(أخرجه أبو داود والترمذي).

 

فاتقوا الله -عباد الله-، وحسنوا أخلاقكم ما استطعتم، واعلموا أن للنفوس جماحًا، فأحيانًا للهوى، وأحيانًا للحمق، وأحيانًا للشقاق، فخيركم من يملك زمام نفسه ويسيطر علـــى أعصابه، ولا يترك الشيطان والهوى يتحكمان في أفعاله ومصيره، واعلموا أن الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- يقول: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى ‌يُحِبَّ ‌لِأَخِيهِ ‌مَا يُحِبُّ ‌لِنَفْسِهِ"(متفق عليه).

 

فيا عباد الله: أوصيكم ونفسي بالتحلي بالخِصال الحميدة والسيرة الكريمة: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)[الحشر: 7].

 

جعلنا الله ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وهدانا صراطه المستقيم، أقول قولي هذا، وأسأل الله أن يوفقني وإياكم إلى التحلي بأحسن الأخلاق، إنه هو العليم الحكيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله ربِّ العالمين، الرحمن الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحكيم العليم، والصلاة والسلام على أشرف الخلق البشير النذير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه وتمسك بهديه إلى يوم الدين، أما بعد:

 

أيها المسلمون: اتقوا الله واتبعوا أوامره، واعلموا أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"(البيهقي في السنن)، فاهتدوا بسنته، واتبعوا ما جاء به.

 

وكان -صلى الله عليه وسلم- أطيب الناس وأتقاهم لربه، وكانت أخلاقه مضرب المثل، فكان حليمًا في غير ضعف، وقويًّا في غير عنف، فكان يرحم الضعفاء والمستضعفين، ويحبهم ويقربهم إليه، وكان قوَّامًا بالحقِّ، حتى ولو على نفسه، لا تأخذه في الحق لومة لائم، حتى قال ذات يوم: "والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"(متفق عليه).

 

وكان -صلى الله عليه وسلم- أعظم قومه حفظًا للأمانة، وخيرهم جوارًا، وأصدقهم حديثًا، وأكثرهم اتصافًا بمكارم الأخلاق، وكانت حياته كلها هداية ونورًا، وأفعاله وأقواله جميعها مددًا يَستمد منه الخلقُ سدادَهم وإرشادَهم في معاشهم ومعادهم، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيركم لأهلي"(ابن ماجه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن لنسائكم عليكم حقًّا، ولكم عليهن حقٌ، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدًا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة، وعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرًا"(مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إنما المؤمنون إخوة، فلا يحل مال أمرئ مسلم إلا بطيبٍ من نفسه"(أحمد)، أو كما قال -صلى الله عليه وسلم-.

 

ولهذه الخلال الطيبة، والصفات المحمودة أثنى الله عليه ثناءً بالغًا، واختاره على سائر الخلق وجعله أفضل ولد آدم، قال -تعالى-: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[القلم: 4]، وقال -تعالى-: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)[النجم: 3، 4].

 

وروي عن الإمام أحمد عن عائشة قالت: "ما ضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيده خادمًا قط، ولا امرأة، ولا ضرب بيده شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خُيِّر بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما، إلا أن يكون إثمًا فهو أبعد الناس عن الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه، إلا إذا انتهكت حرمات الله؛ فينتقم لله"، وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وسئلت عائشة عن خلق الرسول -صلى الله عليه وسلم- المذكور في قوله -تعالى-: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[القلم: 4]، فقالت: "كان خلُقُه القرآن"(مسلم)، ألا تقرؤون قول الله -تعالى-: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[المؤمنون: 1 - 11]، قالت: "هكذا كان خلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"(البخاري في الأدب المفرد وضعفه الألباني).

 

قال النووي في معنى قولها: "كان خلُقُه القرآن": "معناه ‌العمل ‌به ‌والوقوف ‌عند حدوده، والتأدب بآدابه، والاعتبار بأمثاله وقصصه، وتدبره وحسن تلاوته"، وقال ابن رجب: "تعني: أنه تأدب بآدابه، وتخلق بأخلاقه، ‌فما ‌مدحه ‌القرآن كان فيه رضاه، وما ذمَّه القرآن كان فيه سخطه".

 

عباد الله: عليكم بمكارم الأخلاق ومحاسنها، فما اتصف بهما إنسانٌ إلا كان ذلك دليل سعادته وفوزه.

 

اللهم إنا نسألك أن تهديَنا لأقوم الطرق وأقربها إليك، اللهم أصلح ولاتَنا، اللهم ولِّ علينا خيارنا، اللهم وأصلح من في صلاحه صلاح المسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم واجمعهم على الهدى والحق يا ربَّ العالمين، اللهم وانصرهم على من حاربك وعاداك يا أرحم الراحمين.

 

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النحل: 90]، وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

المرفقات

حسن الخلق.doc

حسن الخلق.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات