عشر ذي الحجة وفريضة الحج

الشيخ عبدالعزيز بن محمد النغيمشي

2026-05-15 - 1447/11/28 2026-05-20 - 1447/12/03
عناصر الخطبة
1/فضلُ عشرِ ذي الحِجَّةِ 2/اغتنامُ مواسمِ الطاعاتِ 3/فضلُ الحجِّ وآدابُه 4/أحكامُ الأُضحيةِ.

اقتباس

عَشْرٌ مُبارَكَاتٌ يُحِبُّها اللهُ، ويُحِبُّ مِنْ عِبادِهِ أَنْ يَسْتَكْثِرُوا فيها من الأَعْمالِ الصَّالحاتِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

أيها المسلمون: أَجْرامٌ سَماوِيَةٌ تَسْبَحُ في الفَلَك، فَيَتَعَاقَبُ الليلُ والنَّهار؛ فَتَنْقَضِي آجالٌ، وتَنْصَرِمُ أَعْمارٌ، وتَتَوالَى أَجْيال، وفي اخْتِلافِ الليْلِ والنَّهَارِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ؛ (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا)[الفرقان: 62].

 

أَيامٌ تَتَوالَى مُتَماثِلاتٌ مُتَشابِهاتٌ؛ فَيَومٌ يَحِلُّ كَيَومٍ رَحَل، ولَيْلَةٌ تُقْبِلُ كَلَيْلَةٍ أَدْبَرَت، تَتَشابَهُ الليالِي والأَيامُ في ظَواهِرِها، وتَتَماثَلُ في أَوقاتِها وأَجْزائِها وسَاعاتِها، ولكِنَّها لا تَتَشَابَهُ في قِيْمَتِها، ولا تَتَماثَلُ في فَضِيْلَتِها، ولا تَتوازَى في مَكانَتِها.

 

فَضَّلَ اللهُ أَشْهُرًا، وفَضَّلَ أَزِمَنَةً، وفَضَّلَ أَوْقَاتًا؛ فَعِدَّةُ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا؛ والحُرُمُ مِنْها أَرْبَعَةٌ. وشَهْرُ رَمَضانَ اخْتارَهُ اللهُ لِفَرِيْضَةِ الصِّيام، واخْتارَهُ لإِنْزالِ القُرآن. وكذا الليالِي تَتَفاضَل؛ فأَفْضَلُها وأَعْظَمُها وأَجَلُّها لَيْلَةُ القَدْرِ. وأَعْظَمُ الأَيامِ يَومُ عَرَفَة. وأَعْظَمُ الأَوْقَاتِ الثُلُثُ الأَخِيْرُ مِنَ الليل.

 

والأَيامُ العَشْرُ الأُولى مِنْ شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ؛ أَيامٌ لَيْسَتْ كَسَائِرِ الأَيام، هِيَ أَفْضَلُ أَيامِ الدُّنْيا، وهِيَ أَكْرَمُ أَيامِ العَام؛ فَمَا عُمِرَتْ أَوْقَاتٌ بالأَعْمالِ الصَّالحاتِ؛ بِمِثْلِ ما عُمِرَتْ بِهِ أَيامُ العَشْر، عَشْرٌ مُبارَكَاتٌ؛ تُضاعَفُ فِيها الأُجُورُ، ويُبارَكُ فِيها بِثَوابِ الحَسَنات.

 

عَشْرٌ مُبارَكَاتٌ يُحِبُّها اللهُ، ويُحِبُّ مِنْ عِبادِهِ أَنْ يَسْتَكْثِرُوا فيها من الأَعْمالِ الصَّالحاتِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ" يَعْنِي أَيَّامَ العَشْرِ الأُولى مِنْ شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ"(رواه البخاري).

 

وهَلِ الحَياةُ إِلَّا فُرْصَةٌ ثَمِيْنَةٌ يُوشِكُ أَنْ تَنْقَضِي! وهَلِ الدُّنْيا إِلَّا مَتَاعٌ مُؤَقَّتٌ يُوشِكُ أَنْ يَزُول! وهَلْ للإِنْسانِ في آخِرَتِهِ إِلَّا ما كَانَ قَدَّمَهُ في دُنْياه؛ (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ)[البقرة: 110]، (وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)[يس: 54]، (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ)[الزلزلة: 6]، (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ)[النبأ: 40]، (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ)[النجم: 39-41]، (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)[المدثر: 38]، (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)[الطور: 21].

 

في الآخِرَةِ حَصَادُ ما قَدْ زُرِعَا؛ فَمَنْ زَرَعَ الخَيْرَ جَنَى خَيْرًا، ومَنْ زَرَعَ السُّوءَ جَنَى ما زَرَع.

 

عَشْرٌ دَنَتْ؛ فأَدْنِ العَزْمَ وانْتَصِبَا *** وارْكَبْ جَوَادَكَ للعَلْيَاءِ مُلْتَهِبَا

واشْدُدْ إِزَارَكَ في جِدٍّ وفي نَصَبٍ *** فَذِرْوَةُ المَجْدِ لَنْ تُهْدَى لِمَنْ لَعِبَا

 

عَشْرٌ دَنَتْ يُحِبُّها اللهُ؛ فأَحِبُّوها، ويُحِبُّ مِنْ عِبادِهِ أَنْ يَسْتَكْثِرُوا فيها من الأَعْمالِ الصَّالحَاتِ؛ فابْتَدِرُوها؛ فَمَا أَسْرَعَ مُرُورَها، وما أَعْجَلَ عُبُورَها! فَما أَنْ يُقَالَ: حَلَّتْ، حَتَّى يُقَالَ: وَلَّتْ، وَمَا أَنْ يُقَالَ: دَخَلَتْ، حَتَّى يُقَالَ: رَحَلَتْ!

 

فَكَمْ عَشْرٍ عَلَيْكَ في الحَياةِ مَرَّتْ؟! كَمْ فُرْصَةٍ مُنِحْتَها فأَضَعْتَها، وكَمْ عَشْرٍ أَدْرَكْتَها فَأَهْمَلْتَها، فَلا تُلْحِقَنَّ الأُخْرَى بالأُولى، ولا تُتْبِعَنَّ تَفْرِيطًا بِتَفْرِيطٍ.

 

ولَئِنْ كُنْتَ مُسْتَثْمِرًا لِما قَدْ مَضَى مِنَ الفُرَصِ، مُسْتَغِلًّا لِما أَتَى عَلَيْكَ مِنْها؛ فَوَاصِلْ عَزْمَكَ السَّامِي، وتابِعْ سَعْيَكَ المَبْرُور، وسَابِقْ عُمْرَكَ الفَانِي، وجَدِّدْ بَذْلَكَ المَشْكُور.

 

وتَذَكَّرْ أَنَّ الأَيامَ تَمْضِي؛ فَإِذا مَضَتْ نُسِيَ مَا كانَ فيها مِنْ نَصَبٍ، كَما نُسِيَ مَا كانَ فيها مِنْ لَهْوٍ ومُتْعَةٍ وطَرَبٍ.

 

سَلْ مَنْ صَامَ أَمْسَهُ: هَلْ يَجِدُ اليَومَ نَصَبَ ذَاكَ الصِّيَام؟ وَسَلْ مَنْ قَامَ لَيْلَهُ: هَلْ يَجِدُ اليَومَ أَلَمَ ذَاكَ القِيَام؟! وَسَلِ المُدْمِنَ على الشَّهَوَاتِ: ماذا بَقِيَ لَهُ مِنْ شَهَوَاتِهِ؟

 

وماذا عَلِقَ مَعَه مِنْ ذِكْرَيَاتِهِ؟! هَلْ تَظُنُّ أَنَّها أَعْمالٌ مَضَتْ فَنُسِيَت؟ أَمْ تَظُنُّ أَنَّهُ تَبَاعَدَ عَهْدُها فَأُهْمِلَت؟! كَلَّا؛ بَلْ إِنَّها أَعْمالٌ على العِبادِ أُحْصِيَتْ؛ (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)[المجادلة: 6]، (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)[الكهف: 49].

 

عَشْرٌ دَنَتْ؛ هِيَ عَشْرٌ مُبارَكاتٌ، لا يُغْبَنُها إِلَّا مَغْبُونٌ، ولا يُفَرِّطُ فيها إِلَّا مَحْرُومٌ، ولا يَسْخَفُ بِها إِلَّا خَاسِرٌ. أَيامُ العَشْرِ الأُولَى مِنْ ذِي الحِجَّةِ؛ عَظِيمَةٌ بِلَيْلِها ونَهارِها، كُلُّ لَحْظَةٍ مِنْ لَحَظاتِها تَزِنُ الدُّنْيا بِما فِيها؛ فاسْتَقْبِلْ تِلْكَ الأَيامَ بِما يَلِيقُ بِها، وتَهَيَّأْ لَها بِصالِحِ الأَعْمالِ، واسْأَلِ اللهَ عَوْنًا؛ فَعَوْنُ اللهِ أَكْرَمُ مَدَدٍ. تَزَوَّدْ مِنَ الأَعْمالِ الصَّالحاتِ، واعْلَمْ أَنَّ العَمَلَ الصَّالِحَ مَيْدانٌ فَسِيحٌ وساحَةٌ واسِعَةٌ.

 

العَمَلُ الصَّالِحُ: هُوَ كُلُّ فِعْلٍ وَقَوْلٍ وَاعْتِقادٍ وَنِيَّةٍ حَسَنَةٍ يَرْضَاهَا اللَّهُ -تعالى-، تُعْمَلُ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ، وعلى وِفْقِ ما شَرَعَهُ اللهُ.

 

وَأَعْظَمُ الأَعْمالِ الصَّالحَةِ؛ قِيامُ العَبْدِ بِما افْتَرَضَهُ اللهُ عليه، ثُمَّ لا يَزالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلى اللهِ بالنَّوافِلِ حَتَّى يُحِبَّهُ اللهُ. وَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، والطُّهُورُ شَطْرُ الإيمانِ، والحَمْدُ للهِ تَمْلأُ الميزانَ، وسُبْحانَ اللهِ والحَمْدُ للهِ تَمْلآنِ -أو تَمْلأُ- ما بينَ السَّمَواتِ والأرضِ، والصَّلاةُ نُورٌ، والصَّدَقَةُ بُرْهانٌ، والصَّبْرُ ضِياءٌ، وَالإيمانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -أو بِضْعٌ وسِتُّونَ- شُعْبَةً؛ فَأَفْضَلُها قَوْلُ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْناها إِماطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ.

 

وعلى قَدْرِ ما يَقَعُ في قَلْبِ العَبْدِ مِنْ إِخْلاصٍ واحْتِسابٍ ونِيَّةٍ، تُضاعَفُ لَهُ الأُجُورُ وتُرْفَعُ لَهُ الدَّرَجاتُ. ونَهْيُ النَّفْسِ عَنِ الهَوَى، وكَفُّها عَنِ المُحَرَّماتِ؛ مِنْ أَعْظَمِ العِباداتِ؛ (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)[الكهف: 110].

 

بارك الله لي ولكم..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ رَبِّ العالَمين، وأَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا اللهُ وليُّ الصالحين، وأَشْهَدُ أَنَّ محمدًا رسولُ ربِّ العالمين، -صلى الله عليه وسلم- وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليمًا، أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبادَ اللهِ- لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.

 

أيها المسلمون: وفي أَيامِ العَشْرِ المُبارَكاتِ، تَبْدَأُ أَعْمالُ الحَجِّ، والحَجُّ رُكْنٌ مِنْ أَرْكانِ الإِسلامِ؛ (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)[آل عمران: 97].

 

حَجُّ بَيْتِ اللهِ الحَرامِ؛ مِنْ آكَدِ الفَرائِضِ التِي افْتَرَضَها اللهُ على عِبادِهِ -مَنْ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا- هُوَ عِبادَةٌ قامَتْ على التَّوْحِيدِ، وفِيها إِظْهارٌ لِكَمالِ الانْقِيادِ للهِ، وَهُوَ أَعْظَمُ ما أُنْفِقَتْ بِهِ الأَمْوالُ، وأَكْرَمُ ما أُجْهِدَتْ بِهِ الأَجْسادُ، وأَنْفَسُ ما عُمِرَتْ بِهِ الأَوْقاتُ، فَلا يُفَرِّطُ في أَداءِ فَرِيضَةِ الحَجِّ مَعَ القُدْرَةِ عليها إِلَّا ظالِمٌ لِنَفْسِهِ.

 

ومِنَ التَّفْرِيطِ أَنْ يُبَدِّدَ المرءُ مالَهُ في المُشْتَهَياتِ، يُنْفِقُهُ في تَرَفٍ وتَرْفِيهٍ وسَفَرٍ وسِياحَةٍ، وفي اقْتِناءِ كَمالِيَّاتٍ باهِظَةٍ أَثْمانُها، ولا يَدَّخِرُ مِنْهُ لفَرِيضَةِ الحَجِّ قِسْطًا مَعْلُومًا، أَمْوالٌ تُبَدَّدُ، فإذا ما الحَجُّ أَقْبَلَ؛ قامَ المُفَرِّطُ يَسْتَدْنِي لِنَفْسِهِ شَتَّى المَعاذِيرِ لِيُدْخِلَها في عِدادِ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ إِلى الحَجِّ سَبِيلًا! وفي شَأْنِ المُخَلَّفِينَ الَّذِينَ جاؤُوا يُلْقُونَ مَعاذِيرَهُمْ أَمامَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، قالَ اللهُ في شَأْنِهِمْ: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ)[التوبة: 46].

 

عِبادَ اللهِ: ومَنْ يُسِّرَ لَهُ الحَجُّ، وعَزَمَ على أَداءِ فَرِيضَةِ اللهِ؛ فَلْيُخْلِصْ للهِ في عَمَلِهِ، ولْيَجْتَهِدْ في تَحَرِّي الصَّوابِ، ولْيَعْمَلْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ما اسْتَطاعَ، ولْيَحْفَظْ حَجَّهُ مِنَ المُفْسِداتِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قالَ: "مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"، وقالَ: "وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ"(متفق عليه).

 

كَما أَنَّ على المُسْلِمِ: أَنْ يَلْتَزِمَ بالتَّعالِيمِ التِي مِنْ شَأْنِها تَنْظِيمُ الحَجِّ، والتِي بِلُزُومِها يُعانُ الحُجَّاجُ على تَيْسِيرِ أَداءِ مَناسِكِهِمْ، وأَنْ لا يَتَجاوَزَ في شَأْنِها، وأَنْ لا يَسْتَنْكِفَ ولا يَتَهاوَنَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّعاوُنِ على البِرِّ والتَّقْوَى. وكَمْ جَلَبَ المُخالِفُ لِنَفْسِهِ مِنْ ضَرَرٍ، ولِغَيْرِهِ مِنْ أَذًى، والأَخْذُ بِأَسْبابِ الوِقايةِ مِنَ الأَوْبِئَةِ والأَمْراضِ مَطْلَبٌ شَرْعِيٌّ، ولُزُومُ الرِّفْقِ والسَّكِينَةِ في الحَجِّ هَدْيٌ نَبَوِيٌّ.

 

عِبادَ اللهِ: والأُضْحِيَةُ سُنَّةٌ مِنْ آكَدِ السُّنَنِ لِمَنْ قَدِرَ عليها، يَذْبَحُها المُسْلِمُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، ولا تَكُونُ إِلَّا مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعامِ؛ لِقَوْلِ اللهِ -عز وجل-: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)[الحج: 34].

 

وبَهِيمَةُ الأَنْعامِ هِيَ: الإِبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ -ضَأْنُها ومَعْزُها-، ويُشْتَرَطُ في الأُضْحِيَةِ أَنْ تَكُونَ سالِمَةً مِنَ العُيُوبِ، وأَنْ تَبْلُغَ السِّنَّ المُعْتَبَرَةَ شَرْعًا، وهِيَ: ما لَهُ خَمْسُ سَنَواتٍ مِنَ الإِبِلِ، وما لَهُ سَنَتانِ مِنَ البَقَرِ، وما لَهُ سَنَةٌ مِنَ المَعِزِ، وما لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ مِنَ الضَّأْنِ.

 

فَعلى المُسْلِمِ المُقْتَدِرِ أَنْ يَحْرِصَ على القِيامِ بِهذِهِ الشَّعِيرَةِ، مُخْلِصًا للهِ، لا يَبْتَغِي بذلكَ إِلَّا وَجْهَهُ؛ (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ)[الأنعام:162-163].

 

ثُمَّ لِيَعْلَمِ المُسْلِمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قالَ: "إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ"(رواه مسلم)، وفي رِوايةٍ: "فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا".

 

اللهم تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ.

 

وصلُّوا على صاحِبِ المَقامِ المَحْمُودِ والحَوْضِ المَوْرُودِ؛ فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ بالصَّلاةِ عليه، فقالَ -عز وجل-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

المرفقات

عشر ذي الحجة وفريضة الحج.doc

عشر ذي الحجة وفريضة الحج.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات