قصة قابيل وهابيل: فاتحة خطايا بني آدم

شريف عبد العزيز

2025-12-28 - 1447/07/08
التصنيفات: القصص القرآني

اقتباس

العبد الصالح لا يكف عن قيامه بواجب النصح والإرشاد حتى مع أقرب الناس إليه، ولا يترك أخاه العاصي نهباً للشيطان يستفرد به بحجة الابتعاد عنه ومجافاته لعصيانه وفساده، بل يستمر في الوعظ والارشاد ومخاطبة القلوب وبقايا الفطرة السليمة، وينوع...

عندما يتطرق الحديث عن الذنوب والمعاصي وخطرها وضررها على الفرد والمجتمع، فغالب خطباء الزمان سيتجه حديثهم مباشرة نحو ذنوب الأبدان وخاصة كبارها كالزنا والربا والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس، إلى آخر هذه المعاصي الثقيلة والذنوب الكبيرة، ولكن الأشد خطراً وضرراً وأثراً من تلك الذنوب؛ ذنوب القلوب ومعاصيه!!

 

فقد اتفقت كلمة علماء الأمة من السلف والخلف على خطورة ذنوب القلوب ومعاصيه، فالقلب هو المضغة التي لو فسدت لفسد الجسد كله، كما ثبت بذلك الخبر؛ قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ"(متفق عليه).

 

والقلب هو محل نظر الله، لا الجوارح؛ قال-صلى الله عليه وسلم-: "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"(رواه مسلم).

 

فمعاصي الجوارح يمكن أن يراها الناس فيذكِّروك بخطئك، فتخجل وتعود، أما معاصي القلوب، فإنها خفية، تسري فيك دون أن يشعر بها أحد؛ بل ربما تلبس ثوب الطاعة وهي من المعصية؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "واعلم أن كثيرًا من الناس يسبق إلى ذهنه من ذكر الذنوب: الزنا والسرقة ونحو ذلك، فيستعظم أن كريمًا يفعل ذلك، ولا يعلم هذا المسكين أن أكثر عقلاء بني آدم لا يسرقون، بل ولا يزنون، حتى في جاهليتهم وكفرهم... ولكن الذنوب تتنوع وهي كثيرة الشعب، كالتي من باب الضلال في الإيمان، والبدع التي هي من جنس العلو في الأرض بالفساد، والفخر والخيلاء والحسد والكبر والرياء، التي هي في الناس الذين هم متفقون على ترك الفواحش".

 

وانظر إلى صنيع الإمام ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-في كتابه الشهير "الزواجر عن اقتراف الكبائر" عندما قدّم ذكر المعاصي والذنوب القلبية عن غيرها في ترتيبيه للمعاصي، ثم علل ذلك بقوله: " الباب الأول: في الكبائر الباطنة وما يتبعها، وقدَّمتها؛ لأنها أخطر، ومرتكبها أذل العصاة وأحقر، ولأن معظمها أعم وقوعًا، وأسهل ارتكابًا، وأمرُّ ينبوعًا، فقلما ينفك إنسان عن بعضها، ولقد قال بعض الأئمة: كبائر القلوب أعظم من كبائر الجوارح؛ لأنها كلها توجب الفسق والظلم، وتزيد كبائر القلوب بأنها تأكل الحسنات، وتوالي شدائد العقوبات".

 

فالكبر هو الذي أخرج إبليس من رحمة الله وجعله طريداً ملعوناً إلى يوم الدين، وذلك عندما تكبر على أمر الله -تعالى- بالسجود لآدم -عليه السلام- معللاً ذلك بعلو أصله الناري على أصل آدم الطيني!!

 

والحسد هو الذي أدى لوقوع أول جريمة على وجه الأرض، وتسبب في فتح باب الخطايا على بني آدم من بداية الوجود الإنساني على الأرض، وذلك عندما أقدم أحد ابني آدم -قابيل-، على قتل أخيه هابيل بدافع الحسد والبغي والعدوان والغيرة المذمومة، فاستحق بتلك الفعلة الشنعاء التي كان مردها لمرض وذنب قلبي -الحسد- لئن تخلد في التاريخ ويذكرها بتمامها وتفاصيلها أعظم كتب الله؛ القرآن الكريم، وأن يستمر أثرها وضررها عبر الزمان لقيام الساعة، واستحق قابيل لئن يحمل في رقبته وميزان سيئاته نصيباً وكفلاً من وزر وآثام كل قاتل إلى قيام الساعة لأنه أول من سنّ القتل في البشرية.

 

آيات القصة المؤثرة

-ورد ذكر قصة قابيل وهابيل في خمس آيات من سورة المائدة؛ قال-تعالى-: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا ‌فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ)[المائدة:27-31].

 

-القصة القرآنية وردت في سياق قرآني فريد كما هو ومعتاد ومستفيض في كتاب الله، حيث وردت في ذكر قصة أخرى لا تقل عنها أهمية وموعظة وأثراً، وهي قصة عصيان بني إسرائيل لموسى -عليه السلام- ونكولهم عن الجهاد في سبيل الله، ورفضهم لدخول الأرض المقدسة وبيت المقدس، وفي ذلك لافتة قرآنية جميلة فيها من التسلية والعزاء لسيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- بسبب عصيان قومه ومحاربتهم إياه وتكذيبهم لرسالة الله، وتعريفه -صلى الله عليه وسلم- أن العصيان قديم في بني آدم، وأن الاعتراض على أمر الله -عز وجل- منذ بداية الخليقة وهو أصيل في البشر، فلست يا محمد -صلى الله عليه وسلم- أول من كذبه قومه وعاندوه، فهون على قلبك ولا تذهب نفسك عليهم حسرات.

 

القصص القرآني والإسرائيليات

بداية يجب أن نعرف أن معظم القصص القرآني لم يرو فيه خبر نبوي صحيح إلا نادراً، وأن معظم تفاصيل قصة قابيل وهابيل وباقي القصص القرآني هي من أخبار بني إسرائيل الموجودة بكثرة في كتب التفسير، والتي لا يخلو منها كتاب تفسير على وجه الأرض والتي تعرف في كتب التفاسير باسم "الإسرائيليات".

 

وقد ورد جواز التحديث عن بني إسرائيل في السنة النبوية؛ فعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ قال: "بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار"(أخرجه البخاري).

قال ابن كثير-رحمه الله-: "وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: وحدثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج فيما قد يجوزه العقل، فأما فيما تحيله العقول ويحكم عليه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل، والله أعلم".

وقد قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: "أباح الحديث عن بني إسرائيل عن كل أحد، وأنه من سمع منهم شيئًا، جاز له أن يحدث به عن كل من سمعه منه، كائنًا من كان، وأن يخبر عنهم بما بلغه، لأنه والله أعلم ليس في الحديث عنهم ما يقدح في الشريعة، ولا يوجب فيها حكمًا، وقد كانت فيهم الأعاجيب؛ فهي التي يحدث بها عنهم؛ لا شيء من أمور الديانة".

 

وقد قسم العلماء الموقف من أخبار بني إسرائيل إلى ثلاثة أقسام:

أولاً: ما علمنا صحته بشهادة شرعنا له بالصدق، وهذا القسم نستغني بما ورد في شريعتنا عنه، كقصة أصحاب أهل الكهف، ونستفيد مما ورد عن أهل الكتاب في إيضاح المعنى، وتعضيده، ومعرفة شيء من تفاصيل مجمله، والاتعاظ به والاعتبار.

 

ثانياً: ما علمنا كذبه بما في شرعنا مما يخالفه، فهذا باطل مردود.

 

ثالثاً: ما لم نعلم صدقه ولا كذبه، فهذا موقوف لا نصدقه ولا نكذبه، وتجوز حكايته والاعتبار به، ويصح الاستشهاد به والاعتضاد؛ ففي حديث البخاري: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم". وفي حديث المسند: "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله ورسله، فإن كان باطلاً لم تصدقوه، وإن كان حقاً لم تكذبوه".

 

هذه المقدمة كانت ضرورية لمعرفة أن معظم تفاصيل قصة قابيل وهابيل بداية من اسمهما ومروراً بسبب القتل وانتهاءً بما جرى بعد الدفن من فرار قابيل إلى أرض اليمن واختلاف أبنائه من بعده، كل ذلك من أخبار بني إسرائيل التي وردت في تفاسير الصحابة والتابعين وتناقلتها الأجيال والعصور كحقائق ثابتة عن هذه القصة المؤثرة، ولم يثبت فيها خبر مرفوع للنبي -صلى الله عليه وسلم- ومع ذلك لم يمتنع أحد من المفسرين عن ذكرها بسياقها لبيان العبرة والعظة من القصة.

 

والعجيب أن قصة قابيل وهابيل أنها وردت في كتب اليهودية والنصرانية بصورة متطابقة إلى حد كبير مع خبرها في التراث الإسلامي، بل تكاد هي القصة الوحيدة التي حدث فيها اتفاق بين أهلل الملل الثلاثة!!

 

سبب نزول الآيات

-أنزل الله -عز وجل- آدم وزوجته إلى الأرض بعد أكله من الشجرة بعد نهيه عنها، وجعل الله الأرض داراً ومستقراً لآدم -عليه السلام- وذريته من بعده، وأمره بتعميرها وإقامة سنة الاستخلاف فيها. وحتى يتم التعمير كان لابد من بدأ التناسل في الأرض، إذ لم يكن في الجنة شهوة ولا تناسل، ومن أجل استمرار التناسل وتعمير الأرض شرع نكاح الإخوة من أبناء آدم؛ حيث كانت حواء تلد البطون بالتوأم. وكان أول توأم قابيل وأخته وكانت جميلة وضيئة، ثم جاء من بعدهما توأم ثان هو هابيل وأخته وكانت أقل جمالاً من أخت قابيل، والتشريع وقتها يقتضي زواج قابيل من أخت هابيل والعكس، فرفض قابيل بشدة وأراد أن يتزوج أخته الجميلة، فرفض آدم -عليه السلام- مطلب قابيل لمخالفته للتشريع الموحى إليه، وكذلك رفض هابيل لورعه وتدينه، فاشتد غضب قابيل وأضمر الشر لأخيه؛ فكان الصراع على المرأة فتيل أول جناية وقعت في الأرض، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما قال: "ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء"(متفق عليه).

 

-كان اختلاف ابني آدم على هذا الأمر إيذاناً بتشريع جديد نزل ليحسم الخلاف بين الناس، وهو تشريع تقديم القرابين. فقد كان قابيل صاحب زرع، وهابيل صاحب ضرع، فأُمرا بتقديم القرابين، ومن يُتقبل منه سيكون ذلك دليل على صحة موقفه وتأييد السماء لجانبه. وحتى لا يُترك تفسير القبول للبشر وأهوائهم واختلاف عقولهم، جعل الله -عز وجل- علامة القبول نزول النار من السماء على القربان المقبول فتأكله، وقيل تصعد به إلى السماء. فقدم قابيل حفنة رديئة من زرع أرضه، في حين قدم هابيل كبشاً سميناً مليحاً، فنزلت الناء من السماء فأكلت قربان هابيل في علامة سماوية بقبول قربانه وصحة موقفه وتأييد رأيه. فاشتعل قلب قابيل غيظاً وحقداً وحسداً على أخيه هابيل، وأضمر الشر وجهر بالسوء.

 

وللمرة الثانية يرفض قابيل حكم الشرع، ويهدد أخاه بالقتل إذا لم ينصاع لرغبته المحمومة في الزواج بأخته التوأم، فيحاول أخوه هابيل أن يثنيه عن هذا الطريق المظلم ويذكره بالله ويخوفه من سوء العاقبة، ويحاول تليين قلب أخيه بإعلانه رفض مقاتلة أخيه على الرغم ما ذكره عبد الله بن عمرو -رضي الله عنها- أن هابيل كان أشد قوة وأكبر حجماً من أخيه قابيل، ويسهل عليه ردّ عدوانه بل إيذائه، ومع ذلك أعلن أنه لم يقاتل أخاه ولن يرد على عدوانه، لأنه يخاف الله -عز وجل- ويخشي من عاقبة الذنوب وتبعتها الثقيلة التي تورث صاحبها النار.

 

-كل هذه المناشدات المؤثرة والعظات البليغة لم تجد نفعاً مع قلب أعماه الغضب وسوده الحقد والحسد، ومازالت نفس قابيل وشهواته تشعل قلبه ٍناراً، وتزين له قتل أخيه وتلقي باللائمة عليه بأنه كان السبب في عدم زواجه من توأمته الجميلة، وأنه السبب في غضب الله عليه ورفض قربانه، حتى تربص به وقتله غيلة، ووقعت أول جريمة قتل على وجه الأرض.

 

لم يعرف قابيل كيف يتعامل مع جثمان أخيه المقتول، فهو أول قتيل وأول ميت في البشرية، وظل بجوار جثمان أخيه عدة أيام، فأرسل الله -تعالى- غرابين يقتتلان أمام أنظار قابيل ليعلمه كيفية الدفن، ثم قام أحدهما بدفن الآخر بعد قتله، فعندها وقع الندم والحياء في قلب قابيل إذ رأى نفسه أجهل وأحط من الغراب، ثم قام بدفن أخيه، ومنعه الحياء من العودة إلى أبيه آدم -عليه السلام- ومن ثم وقع الاختلاف والتفرق لأول مرة بين البشر.

 

أهم الدروس والعبر

-قصة ابني آدم هي قصة الخير والشر عبر التاريخ إلى قيام الساعة، هي أول تجسيد لغواية الشيطان لبني آدم، أول ترجمة عملية لأيمانه المغلظة بالقعود لبني آدم في كل طريق، وإتيانه لهم من كل باب.

هي قصة الإيمان والكفر، الصلاح والفساد، الحق والباطل، الطاعة والعصيان، الرضا والاعتراض، هي قصة حزب الله مع حزب الشيطان، وهي القصة التي ستستمر إلى قيام الساعة، ولن يخلو زمان من وجود كلا الفريقين، بل لا يتصور وجود أنصار للرحمان من غير وجود أنصار للشيطان يحاربونه ويصدونهم عن سبيله. لذلك جاء التعبير بالمضارعة في قوله تعالى: (‌وَلَا ‌يَزَالُونَ ‌يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا)[البقرة: 217]؛ لتفيد استمرار العداوة والحرب بين حزب الله وحزب الشيطان.

 

-أن رذيلة الحسد إذا تمكنت في القلب، وتأصلت فيه، أوردت صاحبها المهالك، وزينت لها البغي والعدوان، وسهلت عليه الوقوع في الإثم والطغيان، وفي هذه القصة نرى هذا المعنى واضحاً تماماً؛ فإن حسد قابيل لهابيل كان في مقدمة الأسباب التي حملته على قتله، وكان هذا القتل من الأخ لأخيه هو أول جريمة تُرتكب على ظهر الأرض.

 

-الانقياد لشرائع الله -تعالى- والتسليم لها والعمل بها يقي العبد من مصارع السوء وموارد الهلاك؛ فقابيل تمرد على شرع الله ورفضه وحاول التملص منه مرة بعد مرة، وفي كل مرة يزداد عتواً ومعاندة لشرع الله، وهذا هو حال الرافضين لشرع الله وحكمه عبر التاريخ، تراهم أخس الناس وأشرهم وأسؤهم مصيراً وعاقبة؛ فالله هو المشرّع لكل المخلوقات، وليس لأحد أن يحيد عن تشريعات الله إلى تشريعات نفسه وهواه، فنحن البشر عاجزون عن فهم مراد الله، ونظرنا قاصر عن الإحاطة بكل الأمور، فالخالق أعلم بنا من أنفسنا، وأدرى بما ينفعنا ويصلحنا؛ كما قال-تعالى-: (‌أَلَا ‌يَعْلَمُ ‌مَنْ ‌خَلَقَ ‌وَهُوَ ‌اللَّطِيفُ ‌الْخَبِيرُ)[الملك: 14].

 

-تقوى الله -عز وجل- في السر والعلن، وإخلاص النية له قولاً وعملاً، هو الأساس الذي يقوم عليه بناء القبول عند الله -تعالى- لذلك عندما استغرب قابيل من قبول الله لقربان هابيل ورفض قربانه، أجابه هابيل وخلد القرآن جوابه: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ).

 

-الخوف من الله -عز وجل- واستحضار عظمته واستشعار قربه ومراقبته للعبد واطلاعه على السر والعلن؛ هو العاصم من الوقوع في الذنوب كبيرها وصغيرها.

 

-الذنوب الثقيلة التي لم يتب منها العبد تورث صاحبها سوء الخاتمة ومصارع السوء، وهي التي تمهد طريق النار لصاحبها؛ فالله -سبحانه- جعل لدخول الجنة والنار أسباباً؛ فالإيمان والتقوى والعمل الصالح من أهم أسباب دخول الجنة، والكفر والظلم والعصيان والاعتراض على شرع الله -تعالى- من أهم أسباب دخول النار، وقد صوَّب الطبري -رحمه الله- أن المراد من قوله: (بإثمي)؛ أي: بخطيئتك في قتلك إياي. وأن المراد بقوله: (وإثمك)إثمه بغير قتله، وذلك معصيته الله -عز وجل- في أعمال سواه، وقد جاء في الحديث الصحيح قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تُقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كِفلٌ -نصيب- من دمها؛ وذلك لأنه أول من سن القتل"(متفق عليه)، وأخرج الطبري عن عبد الله بن عمرو؛ قال: إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب، عليه شطر عذابهم.

 

-العبد الصالح لا يكف عن قيامه بواجب النصح والإرشاد حتى مع أقرب الناس إليه، ولا يترك أخاه العاصي نهباً للشيطان يستفرد به بحجة الابتعاد عنه ومجافاته لعصيانه وفساده، بل يستمر في الوعظ والارشاد ومخاطبة القلوب وبقايا الفطرة السليمة، وينوع أساليب الموعظة فيستخدم الارشاد والتعليم والترغيب والترهيب، ويحاول بكل الوسائل أن ينصح أخاه العاصي ويرده عن طريق الشيطان إن استطاع.

 

-النفس هي أعدى أعداء الإنسان، وأقوى أعوان الشيطان إن ضلت فهي العدو اللَّدود؛ تأمر بالسوء، وتميل للشهوات، وتَكره القيود، وتحب الانفلات والتحرر مِن كل ما تُمنع منه، وتَضيق ذَرعًا إذا أُلزمت بأمر مِن الأمور. إذا أطاعها الإنسان أضاعته وأوردته المهالك وأمرته بالمعاصي والذنوب والتمرد على شرع الله، وهي النفس الأمارة بالسوء. وإن عصاها وأدبها وساسها وروضها وكبح جماحها صارت عوناً على الطاعة والصلاح، وهي النفس المطمئنة المؤمنة، وبينهما النفس اللوامة التي تردد بين هذه وتلك.

 

-الندم بلا توبة لا قيمة له على الحقيقة ولا يؤجر عليه الإنسان، لأن الندم وقتها مجرد انفعالات نفسية ومراجعات عقلية فارغة لا يُبنى عليها عمل ولا أثر. أما الندم المأجور عليه هو الندم الذي يأتي بعد التوبة الصادقة، عندما يتذكر الإنسان معصيته وما جلبته عليه من عار ومذلة واتباع للشيطان، عندها يستحي العبد من ربه ويندم على كان عليه ويود لو لم يقع في الذنب ابتداءً. فكلٌ من آدم وولده وقعا في الذنب -مع الفارق- ولكن آدم -عليه السلام- تاب وندم وأعلن ذلك وناجى ربه -تعالى- طالباً منه العفو والمغفرة، فقبل الله توبته وألهمه كلماتها؛ (‌فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)[البقرة: 37]، وقد فسرت بقوله: (‌قَالَا ‌رَبَّنَا ‌ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[الأعراف: 23].

 

أما قابيل ابن آدم فندم ولم يتب، ولم يذكر الله -تعالى- توبته في القرآن كما ذكر توبة أبيه -عليه السلام- إنما ذكر ندمه لجهله بكيفية دفن أخيه، وأن علم الطائر -الغراب- أكبر من علمه، فندمه ندم المستكبرين وليس ندم التائبين.

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات