مكانة المسجد ورسالته في الإسلام

الشيخ عبدالله البرح

2026-04-24 - 1447/11/07 2026-04-22 - 1447/11/05
عناصر الخطبة
1/منزلة المساجد وفضلها في الإسلام 2/المسجد مدرسة للعلم والقرآن ووحدة المسلمين 3/عمارة المسجد الحسية والمعنوية 4/ أثر المسجد في بناء القلوب وتهذيب الأخلاق وتقوية الأمة.

اقتباس

إن المسجد في الإسلام ليس مكانًا للصلاة فقط؛ بل هو مدرسة كبرى تصنع فيها الأمة؛ فهو بيت القرآن، ومنارة العلم، ومدرسة التزكية، ومركز وحدة المسلمين، وفيه تتجلى معاني المساواة العظيمة؛ فلا فرق...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الملك الحق المبين، شرف بيوته ورفع شأنها في العالمين، وجعلها منارات هداية ومهابط رحمة ومواطن سكينة ويقين، أحمده -سبحانه وتعالى- وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل المساجد خالصة له لا يدعى فيها غيره ولا يقصد سواه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، كان قلبه معلقًا بالمساجد، وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

أيها المسلمون: إن الحديث عن المساجد ليس حديثًا عن بناء من حجر وطين، ولا عن جدران وسقوف وزخارف، بل هو حديث عن هوية الأمة وكيانها، وعن سر بقائها وصلاحها، وعن المنبع الذي تتجدد منه روحها الإيمانية، وعن المدرسة الكبرى التي تتشكل فيها معاني العبودية لله -تعالى-؛ فالمسجد في الإسلام ليس مرفقًا من مرافق الحياة، بل هو قلبها النابض، ومركز إشعاعها، ومهوى أفئدة المؤمنين، وموضع اجتماعهم على ذكر الله وعبادته، وقد دل القرآن الكريم والسنة النبوية على عظيم مكانته؛ فقال -تعالى-: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)[الجن: 18]، وقال -سبحانه وتعالى-: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)[النور: 36]؛ فهي بيوت رفع الله قدرها وأعلى شأنها وجعلها مواضع لذكره وتسبيحه وعبادته.

 

ومن أعظم ما يدل على مكانتها؛ أن الله -تعالى- جعل عمارتها علامة الإيمان فقال: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)[التوبة: 18].

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها"(رواه مسلم).

 

ولأن المساجد هي بيوت الله، كان لزاما على العبد أن يعظمها ويجلها تعظيما وإجلالا لربه ومولاه -جل في علاه-؛ غير أن المساجد الثلاثة لها التعظيم الكبير؛ المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، وذلك لعظيم منزلتها وما اختصت به من الفضائل؛ يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"(متفق عليه).

 

أيها المؤمنون: إن عمارة المساجد نوعان عظيمان:

أولًا: العمارة الحسية، وهي بناؤها وصيانتها، وقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من بنى مسجدًا لله بنى الله له بيتًا في الجنة"(متفق عليه).

 

وثانيًا: العمارة المعنوية، وهي عمارتها بالصلاة والذكر وتلاوة القرآن وحلق الذكر وطلب العلم، وهي الأصل الأعظم، قال -سبحانه وتعالى-: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ)[النور: 36].

 

عباد الله: إن المسجد في الإسلام ليس مكانًا للصلاة فقط؛ بل هو مدرسة كبرى تصنع فيها الأمة؛ فهو بيت القرآن، ومنارة العلم، ومدرسة التزكية، ومركز وحدة المسلمين، وفيه تتجلى معاني المساواة العظيمة؛ فلا فرق بين غني وفقير، ولا بين رئيس ومرؤوس، وإنما الجميع عباد لله رب العالمين.

 

ومن وظائفه؛ أنه حصن الوسطية والاعتدال؛ يربى فيه المسلم على الفهم الصحيح للدين بعيدًا عن الغلو أو التفريط.

 

عباد الله: ولما حظيت به المساجد من المنزلة الرفيعة والمكانة الكبيرة؛ حث الإسلام على التحلي بآدابها وحفظ هيبتها؛ فمن تلك الآداب:

الطهارة وحسن الهيئة، قال -سبحانه وتعالى-: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)[الأعراف: 31]، والحذر من إتيان المساجد بالثياب المتسخة أو الروائح الكريهة؛ فإن ذلك يؤذي المصلين ويؤذي ملائكة الرحمن، وقد نهى النبي الكريم عليه أفضل -الصلاة والتسليم- عن أكل الثوم والبصل والمجيء بعدهما إلى المسجد؛ فقال: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزلْنَا أَوْ: فَلْيَعْتَزلْ مَسْجدَنَا"(متفقٌ عليه)، وفي روايةٍ لمُسْلِمٍ: "مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّوم وَالْكُرَّاث؛ فَلا يَقْرَبَنَّ مسْجِدَنَا، فَإِنَّ المَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يتأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدمَ".

 

ومنها: السكينة والوقار، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار"(متفق عليه).

 

ومنها: تحية المسجد بركعتين، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"(متفق عليه).

 

ومنها: السعي في تحقيق رسالة المسجد وتفعيل دوره تربية وتعليما وتفقيها، وربط الخلق بالخالق -عز وجل- ونشر المحبة والوئام وجمع الكلمة، وما بنيت لأجله هذه المساجد.

 

أيها المؤمنون: لقد كان السلف الصالح -رضي الله عنهم- يعظمون المساجد أعظم تعظيم؛ فكانوا لا يفارقونها، وكان سعيد بن المسيب -رحمه الله- يقول: "ما فاتتني تكبيرة الإحرام في جماعة أربعين سنة".

 

وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول: "ميراث محمد -صلى الله عليه وسلم- يقسم في المسجد وأنتم في السوق"؛ وهكذا كانت المساجد مراكز علم وإيمان وتربية، ومنها خرج العلماء والدعاة الذين حملوا نور الإسلام إلى العالمين.

 

لا يصنع الأبطال إلا *** في مساجدنا الفساح

في روضة القرآن في *** ظل الأحاديث الصحاح

 

باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ والسنةِ…

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وعلى آله وصحبه أجمعين أ ما بعد:

 

عباد الله: اعلموا أن المساجد إذا عمرت بذكر الله والقرآن وتعليم العلم الشرعي عمرت القلوب، وإذا هُجرت ماتت الأرواح، وإذا أُهملت ضعفت الأمة؛ فهي بيت الله الذي تُبنى فيه النفوس وتُهذَّب فيه الأخلاق وتُصنع فيه الأمم.

 

ختامًا: -أيها المسلمون- اعلموا أن المساجد بيوت الله، ومراكز الهداية والعلم والتزكية، بها تُبنى القلوب وتُهذَّب الأخلاق وتتوحد صفوف المسلمين، وهي علامة الإيمان ومصدر الفلاح في الدنيا والآخرة؛ فاحرصوا على عمارتها حضورًا للصلاة وذكرًا وتلاوة وحضورًا لحلق الذكر ومجالس العلم؛ فإن من تعلق قلبه بالمساجد أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ورجل قلبه معلق بالمساجد"(متفق عليه).

 

وصلوا وسلموا على نبيكم محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ كما أمركم الله -تعالى- فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

المرفقات

مكانة المسجد ورسالته في الإسلام.doc

مكانة المسجد ورسالته في الإسلام.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات