مناقب عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه

د. محمود بن أحمد الدوسري

2026-02-27 - 1447/09/10 2026-03-02 - 1447/09/13
التصنيفات: شخصيات مؤثرة
عناصر الخطبة
1/فضائل الصحابي الجليل عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه.

اقتباس

تَاجِرٌ ذَكِيٌّ نَاجِحٌ، فُتِحَ عَلَيْهِ فِي التِّجَارَةِ: قَالَ الذَّهَبِيُّ -رحمه الله-: كَانَ ‌تَاجِرًا ‌سَعِيدًا، فُتِحَ عَلَيْهِ فِي التِّجَارَةِ، وَتَمَوَّلَ، عَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- قَالَ: "قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَهُ وَبَيْنَ...

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَبَيْنَ أَيْدِينَا قُطُوفٌ مِنْ سِيرَةِ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، الْقَانِعِ الصَّابِرِ، الْعَفِيفِ الزَّاهِدِ، الثَّرِيِّ السَّمْحِ، التَّاجِرِ الْوَفِيِّ، الْمُجَاهِدِ الْأَبِيِّ؛ إِنَّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -رضي الله عنه-.

 

وَقَدْ كَانَ فِي الْمَعَارِكِ وَالْغَزَوَاتِ كُلِّهَا بَطَلًا ثَابِتًا، وَفِي مَيْدَانِ التِّجَارَةِ رَجُلًا صَادِقًا، وَفِي مَيْدَانِ الْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ وَالْجُودِ وَالْإِنْفَاقِ نَهْرًا سَارِيًا، وَفِي الْعِلْمِ مُجْتَهِدًا حَافِظًا مُتْقِنًا، وَمِنْ أَعْظَمِ مَنَاقِبِهِ -رضي الله عنه-:

أَنَّهُ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ، وَأَحَدُ الثَّمَانِيَةِ الَّذِينَ سَبَقُوا إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَحَدُ الْخَمْسَةِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَأَحَدُ السِّتَّةِ أَصْحَابِ الشُّورَى الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تُوُفِّيَ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، وَجَعَلَ الْخِلَافَةَ بَيْنَهُمْ، وَلَكِنَّهُ أَخْرَجَ نَفْسَهُ، وَاخْتَارَ عُثْمَانَ خَلِيفَةً لِلْمُسْلِمِينَ، -رضي الله عنهم- أَجْمَعِينَ.

 

مِنَ الشُّهَدَاءِ السُّعَدَاءِ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ -رضي الله عنه- قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "اثْبُتْ حِرَاءُ؛ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ"؛ وَعَدَّهُمْ: رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدٌ، وَابْنُ عَوْفٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ"(رواه ابن ماجه، والترمذي).

 

تَاجِرٌ ذَكِيٌّ نَاجِحٌ، فُتِحَ عَلَيْهِ فِي التِّجَارَةِ: قَالَ الذَّهَبِيُّ -رحمه الله-: كَانَ ‌تَاجِرًا ‌سَعِيدًا، فُتِحَ عَلَيْهِ فِي التِّجَارَةِ، وَتَمَوَّلَ، عَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- قَالَ: "قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ، فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ عَلِمَتِ الْأَنْصَارُ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالًا، سَأَقْسِمُ مَالِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَطْرَيْنِ، وَلِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَأُطَلِّقُهَا، حَتَّى إِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ، فَلَمْ يَرْجِعْ يَوْمَئِذٍ حَتَّى أَفْضَلَ شَيْئًا مِنْ سَمْنٍ وَأَقِطٍ"(رواه البخاري)، وَفِي رِوَايَةٍ: "قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، أَيْنَ سُوقُكُمْ؟ فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَمَا انْقَلَبَ إِلَّا وَمَعَهُ فَضْلٌ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ"(رواه البخاري).

 

وَقَالَ -رضي الله عنه-: "لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَلَوْ رَفَعْتُ حَجَرًا لَرَجَوْتُ أَنْ أُصِيبَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً"(رواه أحمد)، وَقَالَ أَنَسٌ -رضي الله عنه-: "لَقَدْ رَأَيْتُهُ قَسَمَ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ"(رواه أحمد).

 

صَلَّى خَلْفَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، قَالَ الذَّهَبِيُّ -رحمه الله-: "وَهَذِهِ ‌مَنْقَبَةٌ ‌عَظِيمَةٌ"، وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رحمه الله-: "وَهَذِهِ ‌مَنْقَبَةٌ ‌عَظِيمَةٌ لَا تُبَارَى".

 

دَافَعَ عَنْهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-، وَصَانَهُ وَحَمَاهُ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَيْءٌ؛ فَسَبَّهُ خَالِدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ"(رواه مسلم).

 

دَعَا لَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بِأَنْ يُسْقَى مِنْ سَلْسَبِيلِ الْجَنَّةِ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ لِأَزْوَاجِهِ: "إِنَّ الَّذِي يَحْنُو عَلَيْكُنَّ بَعْدِي لَهُوَ الصَّادِقُ الْبَارُّ، اللَّهُمَّ اسْقِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ مِنْ سَلْسَبِيلِ الْجَنَّةِ"(رواه أحمد، وابن حبان).

 

أَنْفَقَ عَلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ: عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَقُولُ: "إِنَّ أَمْرَكُنَّ مِمَّا يُهِمُّنِي بَعْدِي، وَلَنْ يَصْبِرَ عَلَيْكُنَّ إِلَّا الصَّابِرُونَ"، ثُمَّ قَالَتْ عَائِشَةُ لِأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -رضي الله عنهما-: "فَسَقَى اللَّهُ أَبَاكَ مِنْ سَلْسَبِيلِ الْجَنَّةِ"، تُرِيدُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَقَدْ كَانَ وَصَلَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- بِمَالٍ بِيعَتْ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا (رواه الترمذي، وأحمد)، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ: "أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَوْصَى بِحَدِيقَةٍ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، بِيعَتْ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ"(رواه الترمذي).

 

فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ -رضي الله عنه- كُلَّمَا ازْدَادَ غِنًى وَثَرَاءً ازْدَادَ تَوَاضُعًا وَبَذْلًا وَعَطَاءً؛ فَفِي ذَلِكَ رِسَالَةٌ إِلَى تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ لِيَقْتَدُوا بِبَذْلِهِ وَكَرَمِهِ وَعَطَائِهِ؛ (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ)[الأنعام: 90].

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ...

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَمِنْ مَنَاقِبِهِ -رضي الله عنه-: أَنَّهُ مَرْجِعٌ كَبِيرٌ، مَوْثُوقٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ؛ فَفِي الْأَزَمَاتِ الْكَبِيرَةِ يَبْحَثُ النَّاسُ عَنِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، وَالْمَخْرَجِ مِنْهَا، وَقَدْ حَدَثَ ذَلِكَ لَمَّا وَقَعَ الْوَبَاءُ بِالشَّامِ؛ فَعِنْدَمَا خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الشَّامِ، وَأَخْبَرُوهُ بِأَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، اسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ فِي ذَلِكَ؛ فَاخْتَلَفَ رَأْيُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؛ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ - لِابْنِ عَبَّاسٍ: ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ؛ فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ رَجُلَانِ، فَقَالُوا: نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ، وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ؛ فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ؛ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ -رضي الله عنه-: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ -رضي الله عنه-: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ! نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ... فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ؛ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا؛ فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ"؛ فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ، ثُمَّ انْصَرَفَ"(رواه البخاري ومسلم).

 

عَالِمٌ فَقِيهٌ، وَمَرْجِعٌ كَبِيرٌ فِي الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ؛ فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ"، قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ؛ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: "أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ"؛ فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ"(رواه مسلم).

 

تَاجِرٌ مُتَوَاضِعٌ، زَاهِدٌ فِي الدُّنْيَا: دَائِمًا مَا يُحَاسِبُ نَفْسَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَالَ -رضي الله عنه-: "ابْتُلِينَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِالضَّرَّاءِ فَصَبَرْنَا، ثُمَّ ابْتُلِينَا بِالسَّرَّاءِ بَعْدَهُ فَلَمْ نَصْبِرْ"(رواه الترمذي).

 

وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: أُتِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -رضي الله عنه- يَوْمًا بِطَعَامِهِ؛ فَقَالَ: "قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي؛ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا بُرْدَةٌ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي؛ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا بُرْدَةٌ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا"، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي"(رواه البخاري).

 

كُتِبَتْ لَهُ السَّعَادَةُ وَالْمَغْفِرَةُ؛ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: "أَنَّهُ غُشِيَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي وَجَعِهِ غَشْيَةً ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ فَاضَ مِنْهَا، حَتَّى قُمْنَا مِنْ عِنْدِهِ وَجَلَّلُوهُ ثَوْبًا، وَخَرَجَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ امْرَأَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى الْمَسْجِدِ، تَسْتَعِينُ بِمَا أُمِرَتْ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ؛ فَلَبِثُوا سَاعَةً، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي غَشْيَتِهِ، ثُمَّ أَفَاقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ؛ فَكَانَ أَوَّلُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ كَبَّرَ وَكَبَّرَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَمَنْ يَلِيهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَغُشِيَ عَلَيَّ آنِفًا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: صَدَقْتُمْ؛ فَإِنَّهُ انْطَلَقَ بِي فِي غَشْيَتِي رَجُلَانِ، أَجِدُ مِنْهُمَا شِدَّةً وَغَلْظَةً؛ فَقَالَا: انْطَلِقْ بِنَا نُحَاكِمُكَ إِلَى الْعَزِيزِ الْأَمِينِ؛ فَانْطَلَقَا بِي، حَتَّى لَقِينَا رَجُلًا، فَقَالَ: أَيْنَ تَذْهَبَانِ بِهَذَا؟ قَالَا: نُحَاكِمُهُ إِلَى الْعَزِيزِ الْأَمِينِ، قَالَ: فَارْجِعَا؛ فَإِنَّهُ ‌مِمَّنْ ‌كَتَبَ ‌اللَّهُ ‌لَهُمُ ‌السَّعَادَةَ ‌وَالْمَغْفِرَةَ، وَهُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَإِنَّهُ يَسْتَمْتِعُ بِهِ بَنَوْهُ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ"؛ قَالَ: فَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهْرًا، ثُمَّ مَاتَ، وَلَمَّا مَاتَ؛ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رضي الله عنه-: "اذْهَبْ يَا ابْنَ عَوْفٍ؛ ‌فَقَدْ ‌أَدْرَكْتَ ‌صَفْوَهَا، وَسَبَقْتَ رَنْقَهَا"؛ -فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، وَجَزَاهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرَ الْجَزَاءِ.

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.

 

اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين.

 

 

المرفقات

مناقب عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.doc

مناقب عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات