أحكام شهر شعبان
فهد الجمعة
الحمدلله مصرّف الأيام والشهور، ومسيّر الليالي والدهور، نحمده ونشكره، ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبدالله ورسوله، صلّى الله وسلّم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، أما بعد: فإنّ خير ما يوصى به هو تقوى الله، (يا أيها الذين…)
عباد الله: لقد أظلنا شهر شعبان، وهذا الشهر هو الشهر الذي يسبق شهر الصيام، وقد كان السلف إذا دخل شعبان أكبُّوا على المصاحف فقرؤوها، واخرجوا زكاة أموالهم. ومما يستحب في هذا الشهر: الإكثار من الصيام لفعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صيامًا في شعبان". فاحرصوا رحمكم الله على ما تستطيعون صيامه من هذه الأيام، وبعد يومين سنستقبل بإذن الله أول الأيام البيض، فاحرصوا على صيامها ولتكن نيتكم صيام أيام البيض وصيام أيام من شهر شعبان.
ومَن كان عليه شيء من قضاء رمضان الماضي وجب عليه قضاؤه، ولا يجوز له تأخيره إلى ما بعدرمضان إلا لعذر شرعي. لما ورد في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلا فِي شَعْبَانَ، وَذَلِكَ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
قال ابن رجب: "وَيُؤْخَذ مِنْ حِرْصهَا عَلَى ذَلِكَ فِي شَعْبَان أَنَّهُ لا يَجُوز تَأْخِير الْقَضَاء حَتَّى يَدْخُلَ رَمَضَان آخَرُ". اهـ
ومَن أخَّر القضاء إلى أن يدخل رمضان الآخر فله حالتان:
١- أن يكون مفرّطًا، وهذا آثم، عليه التوبة من هذا الفعل، وذكر بعض العلماء أنه يجب عليه معالقضاء أن يطعم عن كل يوم مسكينًا، وهذا ما ذهب إليه الأئمة مالك والشافعي وأحمد، واستدلوا بأن ذلك قد ورد عن بعض الصحابة كأبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم. روىالدارقطني وصححه عن مجاهد عن أبي هريرة فيمن فرط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضانآخر قال: “يصوم هذا مع الناس ويصوم الذي فرط فيه، ويطعم لكل يوم مسكينا”، وذهب آخرون إلى عدم وجوب الكفارة وهذا هو الراجح -والله أعلم- لأنه لا يجوز إلزام الناس بشيء لا دليل عليه، والله تعالى يقول: (ومَن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدّةٌ من أيام أُخر)، فلم يأمر الله تعالى مَنْ أفطر من رمضان إلا بالقضاء فقط ولم يذكر الإطعام، وهذا قول أبي حنيفة واختاره الإمام البخاري.
٢- ألا يكون مفرّطًا، كأن يستمر به مرض أو غير ذلك من الأعذار حتى أدركه رمضان الآخر، فمثلهذا يجب عليه القضاء من غير إطعام وليس عليه إثم لأنه معذور.
أيها المسلمون: ورد حديث فيه النهي عن إبتداء الصوم بعد النصف من شعبان، "إذا انتصفشعبان فلا تصوموا"، وأنّ مَن صام أكثر الشهر أو الشهر كله فقد أصاب السنة، لكن ضعّف هذا الحديث جمعٌ من أهل العلم المعتبرين كالإمام أحمد ويحيى بن معين وغيرهما من أهل العلم.
وقد جاء النهي عن صيام آخر يومين من شعبان على سبيل الاحتياط لدخول رمضان. لما ثبت فيالصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولايومين إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه". إلا أن يوافق عادة كان يصومها الرجل كصيام الاثنينأو الخميس أو غيرهما، وذكر العلماء أن مَن نذر أن يصوم آخر شعبان، أو كان عليه قضاء منرمضان الماضي فإنه يصوم ما قبل رمضان بيوم أو يومين من باب أولى.
بارك الله لي ….
الخطبة الثانية
الحمدلله… أما بعد: فإنه يجب على مَن لم يرَ الهلال ولم يسمع إعلان الدولة لدخول رمضان أنيكمل شعبان ثلاثين يومًا ثم يصوم رمضان. ولا يجوز تخصيص ليلة النصف من شعبان بفضائللم يثبت بها دليل صحيح، وذلك لأن باب الفضائل توقيفي لا يقال فيه إلا بالنص والدليل. وإنّ مما أحدثه الناس في ليلة النصف من شعبان ما يسمى بصلاة الرغائب وصلاة النصف منشعبان وصلاة الألفية، قال عنها النووي رحمه الله: "وهاتان الصلاتان بدعتان مذمومتان منكرتانقبيحتان".اهـ
ومما أحدثه الناس إطلاق حملة قبل ليلة النصف من شعبان عبر وسائل التواصل الاجتماعيلطلب المسامحة، فيرسلون لبعضهم البعض: "سامحني أسامحك".
عباد الله: إن الله جل وعلا يتكرم على عباده في شهر شعبان بمنتين عظيمتين: -عرض الأعمالعلى الله وبالتالي قبوله ما شاء منها. -مغفرة الذنوب للعباد من عند الله تكرمًا وتفضلًا.
أيها المسلمون: إن ما يصنعه بعض الناس من الأطعمة في يوم النصف من شعبان ويوزعونهاعلى الفقراء ويسمونها عشيات الوالدين؛ لا أصل له وهو من البدع.
وهناك بعض الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس في شهر شعبان ومن ذلك: أنهم يعتقدون في ليلةالنصف من شعبان أنها ليلة التقدير السنوي، وهذا خطأ كما بيّن ذلك ابن القيم رحمه الله فيكتابه "شفاء العليل": فإن قوله سبحانه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي في ليلةالقدر، لذا ذهب جماهير أهل العلم أن التقدير السنوي إنما يكون في ليلة القدر. ومن الأخطاءأنهم يحتفلون بليلة النصف من شعبان بالاحتفال المسمى بالقرقيعان، وأصل هذا الاحتفالمأخوذ من الرافضة، وهذا احتفال محرم، وإذا تعبد به أصحابه فقد جمعوا إلى كونه عيدًامحرمًا أنه بدعة.
فاللهم وفقنا لما تحب وترضى من الأقوال والأعمال يا رب العالمين.