أَعْمَارٌ قَصِيرَةٌ
يوسف العوض
الخُطْبَةُ الأُولَى
الحَمْدُ للهِ الَّذِي فَضَّلَ بَعْضَ الأَزْمِنَةِ عَلَى بَعْضٍ، وَجَعَلَ لِعِبَادِهِ مَوَاسِمَ لِلطَّاعَاتِ، تُضَاعَفُ فِيهَا الحَسَنَاتُ، وَتُرْفَعُ فِيهَا الدَّرَجَاتُ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
قال اللهُ تعالى:﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾
عِبَادَ اللهِ: اعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ عَلَى هٰذِهِ الأُمَّةِ أَنْ عَوَّضَهَا عَنْ قِصَرِ الأَعْمَارِ بِعِظَمِ الأُجُورِ وَفَضْلِ المَوَاسِمِ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:«أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ»،أَعْمَارٌ قَصِيرَةٌ، وَلٰكِنَّ اللهَ فَتَحَ لَنَا أَبْوَابًا مِنَ الرَّحْمَةِ وَالمُضَاعَفَاتِ، وَمِنْ أَعْظَمِهَا هٰذِهِ الأَيَّامُ المُبَارَكَاتُ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: إِنَّ عَشْرَ ذِي الحِجَّةِ مَيْدَانُ المُتَسَابِقِينَ، وَمَوْسِمُ المُقْبِلِينَ عَلَى اللهِ، فِيهَا يَجْتَمِعُ الصِّيَامُ وَالصَّلَاةُ وَالحَجُّ وَالصَّدَقَةُ وَالذِّكْرُ وَالتَّكْبِيرُ، قَالَ تَعَالَى:﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ وَقَالَ ﷺ:«مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هٰذِهِ الأَيَّامِ».
عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَظِّمُ مَوَاسِمَ الطَّاعَةِ، وَيَغْتَنِمُهَا أَعْظَمَ اغْتِنَامٍ، وَكَانَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ يَفْرَحُونَ بِقُدُومِهَا، لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا فُرْصَةُ العُمْرِ.
كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، فَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا.
وَكَانَ السَّلَفُ يَجْتَهِدُونَ فِي هٰذِهِ الأَيَّامِ اجْتِهَادًا عَظِيمًا؛ لِأَنَّهُمْ يُوقِنُونَ أَنَّ الحَسَنَةَ فِيهَا لَيْسَتْ كَالحَسَنَةِ فِي غَيْرِهَا.
فَيَا مَنْ بَلَّغَهُ اللهُ هٰذِهِ العَشْرَ، لَا تُضَيِّعْهَا فِي الغَفَلَاتِ وَاللَّهْوِ وَالأَسْوَاقِ، فَرُبَّمَا هِيَ آخِرُ عَشْرٍ تُدْرِكُهَا فِي حَيَاتِكَ.
أَكْثِرُوا فِيهَا مِنَ الذِّكْرِ وَالقُرْآنِ وَالصَّدَقَةِ وَبِرِّ الوَالِدَيْنِ وَصِلَةِ الأَرْحَامِ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ تَعْوِيضٍ وَرَحْمَةٍ وَمَغْفِرَةٍ.
أَقُولُ قَوْلِي هٰذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
عِبَادَ اللهِ: إنَّ العَاقِلَ مَنْ عَرَفَ قِصَرَ عُمُرِهِ، فَاسْتَكْثَرَ مِنَ الحَسَنَاتِ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوْقَاتِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ فِي هٰذِهِ العَشْرِ: التَّوْبَةُ الصَّادِقَةُ، وَكَثْرَةُ الذِّكْرِ، وَالصِّيَامُ، وَالإِحْسَانُ إِلَى الخَلْقِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ أَيَّامِهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ:«صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ».
تَأَمَّلُوا عِبَادَ اللهِ يَوْمٌ وَاحِدٌ يَكُونُ سَبَبًا فِي مَغْفِرَةِ ذُنُوبِ سَنَتَيْنِ، أَلَيْسَ هٰذَا مِنْ عَظِيمِ رَحْمَةِ اللهِ بِهٰذِهِ الأُمَّةِ؟
وَمِنْ شُكْرِ هٰذِهِ النِّعْمَةِ أَنْ نُحْسِنَ فِي هٰذِهِ الأَيَّامِ إِلَى الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ، وَأَنْ نُدْخِلَ السُّرُورَ عَلَى المُحْتَاجِينَ، وَأَنْ نُصْلِحَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللهِ.
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الأَعْمَارَ تَمْضِي سَرِيعًا، وَالأَيَّامَ تَنْقَضِي، وَالسَّعِيدُ مَنْ خَرَجَ مِنْ دُنْيَاهُ وَقَدِ امْتَلَأَتْ صَحِيفَتُهُ بِالخَيْرَاتِ.
اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا عَشْرَ ذِي الحِجَّةِ، وَأَعِنَّا فِيهَا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.
المرفقات
1778488323_اعمار.docx