أفضل أيام الدنيا / أ.د.صالح دعكيك
محمد صبيح
بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة: أفضل أيام الدنيا، أ.د.صالح دعكيك، مسجد آل ياسر، حضرموت، المُكَلاَّ، 28 ذئ القعدة،1447، 15/5/2026م
*الحمدلله رب العالمين.
في غمرة الحياة، وانشغالنا بمعايشنا، وانهماكنا بمصالح دنيانا، يجب أن لا نغفل أبدا عن هدف وجودنا الأعظم في هذه الحياة؛ ألا وهو عبادة الله وحده، والعمل للآخرة التي خير وأبقى، تلك الدار التي أمرنا الله عزوجل نعد لها عدتها، وأن نتزود لها بالزاد الطيب الحسن، لنثقل موازين حسناتنا، ولنتجاوز بها عقبات الآخرة، قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. [البقرة: 197]
وإن على العبد أن يستدرك الزمن، وأن يسابق الوقت، فيسارع إلى أعمال الآخرة ولا يتوانى فيها، فإن أحدنا لا يدري متى رحيله إلى الله، فلا ينفعه إلا ما قدم لنفسه، لذا دعانا الله للمسارعة في الخيرات استدراكا لها قبل الفوات، فنندم حيث لا ينفع الندم قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. [آل عمران: 133].
وإن من رحمة الله تعالى بنا أن جعل لنا في أيامنا وشهورنا مواسم للخيرات، تتتضاعف فيها الأجور، وتعظم الحسنات، وترفع الدرجات؛ وتحط الخطايا، وتتفاضل الأعمال تفاضلا لا يدخل تحت الحصر، فرب عمل يسير جدا في موسم الخير يفوق أعمالا عظيمة في غيرها، كل ذلك فضل من الله ونعمة، فله تعالى الحمد كله على عظيم فضله وعطائه وإحسانه.
عبادالله: إننا على موعد مع خير أيام الدنيا، وأعظم مواسم الطاعات، بل هي أفضل أيام السنة على الإطلاق، إنها الأيام العشر من ذي الحجة.
روى البخاري في صحيحه (969) عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما العمل في أيام أفضل منها في هذه- يعنى أيام العشر -» قالوا: ولا الجهاد؟ قال: «ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء»، وفي رواية: «ما من عمل أزكى عند الله عز وجل، ولا أعظمُ أجراً من خير يعمله في عشر الأضحى»، وفي رواية " ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر) ينظر: صحيح الترغيب (2/ 15).
والحديث برواياته المتعددة يدل على خير أيام السنة هذه العشر، وقد جاء ذلك صريحا فيما رواه البزار(1128) من حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أفضل أيام الدنيا أيام العشر». صحيح الجامع: (1133).
ودل هذا الحديث أن أيام العشر من ذي الحجة لا يعادلها شي من أيام السنة، فهي أفضل حتى من أيام رمضان، لكن ليالي رمضان فقط أفضل من ليالي عشر الحجة لاشتمالها على ليلة القَدْر، وأيَّام العَشْر من ذي الحِجَّة أفضل من ليالي عَشْر ذي الحِجَّة؛ لكن ليالي العَشْر الأواخر من رمضان أفضل لاشتمالها على يوم النحر ويوم عَرَفة ويوم التروية. زاد المعاد (57/1) تفسير ابن كثير (416/5)
إن فرائِض الأعمال في هذه العَشر أفضل من الفرائض في غيرها، ومُضاعَفَتُها أكثر، والنوافل فيها أفضل من نوافل غيرها، لكن نوافل العَشر ليست أفضلَ مِن فرائضِ غيرِها. «فتح الباري » لابن رجب (9/ 15).
كان السَّلَفُ الصالح رحمهم الله يحرِصون أشدّ َالحرْصِ على الاجتهاد في هذه العَشْر بأنواع الطاعة، وكانوا يعظِّمونها غايةَ التعظيم، فكان سعيدُ بن جُبَير رحمه الله إذا دخلت العشر اجتهدَ اجتهادًا شديدًا، حتى ما يكاد يَقْدِر عليه! وكان يحثُّ على العبادة في ليالي العَشْر ويقول: (لا تُطْفِئُوا سُرجَكُمْ لَيالِ العَشْر).
ويقول أبو عُثمان النَّهديّ رحمه الله: (كانوا يُعَظِّمون ثلاث عشرات: العشر الأخير من رمضان، والعَشر الأوَل من ذي الحِجَّة، والعشر الأوَل من محرَّم). لطائف المعارف (ص 35/263).
عبادالله: عظموا ما عظم أسلافكم من الأوقات، واغتنموا مواسم الطاعات، وحطوا أوزاركم على عتبات العشر، فطوبى لعبدٍ استغل مواسم الخيرات بالعمل الصالح، وجاهد نفسه لبلوغ الدرجات العلا.
والحذَر الحذَر من ضياعِ الأوقاتِ في هذه العَشْر في الأسواق والنوادي، والقيل والقال، ومشاهدة المقاطع والقنوات، والانشغال بمواقع التواصُل وغيرها؛ فهذا الموسم غنيمةٌ عظيمة وفُرصة لا تفوت إلا على أهل الغفلة عياذا بالله.
أقول ما تسمعون .........
((الخطبة الثانية))
أيها المسلمون: هنيئاً لنا يوم أطلت علينا أيام هي أعظم أيام الدنيا شرفا، وأشرف الأزمان بركة، ولذا يُتأكد على المسلم الحرص على تعمير تلك الأيام بالطاعات المختلفة، ونشير هنا إلى أهم الأعمال التي ينبغي أن يحافظ عليها المؤمن، فمنها:
1- استقبال العشر بطهارة الباطن بتوبة نصوح، فمن أعظم الأمال عند الله تعالى إقبال القلب على ربه، وعمارته بالإنابة والتوبة، وتطهيرة من الأدناس المعنوية، التي تحول بين القلب وبين نظر الرحمن، فإن القلب هو موضع نظر الله تعالى، كما في الحديث عند مسلم (2564) «الله لا ينظر إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّه تَوْبَة نَصُوحا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفرَ عَنْكُمْ سَيئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأنْهَارُ﴾. [سورة التحريم: 8]
2 - المحافظة على الصلوات الخمس المفروضات جماعة في المسجد، والحرص على إدراك الصف لأول وتكبيرة الإحرام، قال الله عز وجل : ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب﴾ [سورة النور:38، 37]
3- الحرص على نوافل الصلًوات مثل الرواتب التي قبل الصلوات المفروضات والتي بعدها، وصلًاة الضحى وصلًاة الوتر، وغيرها من الصلوات، ففي صحيح مسلم (488) عن أبي طلحة اليعمري قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة، أو قال قلت بأحب الأعمال إلى الله فسكت، ثم سألته فسكت، ثم سألته الثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال «عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة».
وفي مسند أحمد (15526) عن أبي فاطمة الأزدي، قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا فاطمة، إن أردت أن تلقاني فأكثر السجود».
4-- الحرص على الصومِ في التسع من هذه العشر: ففي حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت:« كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر أول اثنين من الشهر وخميسين» رواه النسائي (2372) واللفظ له، و أبو داود (2437) (صحيح أبي داوود (2106). قال الإمام النووي رحمه الله : (صوم التسع من ذي الحجة مستحب استحباباً شديد اً). شرح مسلم (8/71).
فإن لم يستطع أن يصوم التسع فلا أقل من أن يصوم يوم عرفة، والاثنين والخميس، لحديث أبي قتادة عند مسلم (1162) مرفوعا: (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده).
5- الإكثار من قراءة القرآن الكريم وتدبر آياته: قال الله عز وجل : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللّه وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَة يَرْجُونَ تِجَارَةا لَنْ تَبُورَ﴾. [فاطر: 29]، فالتجارة الرابحة في هذه العبادات الثلاث العظيمة تلاوة القرآن مع التدبر، وكثرة الصلاة وكثرة الانفاق والصدقات وإن قلَّت.
6 - الْإكثار من ذكر الله تعالى بالتكبير والتسبيح والتحميد والتهليل والَاستغفار، وهذه وصية نبيكم لكم كما في حديث عَنْ ابْنِ عُمَرَ مرفوعا: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيلِ, وَالتَّكْبِيرِ, وَالتَّحْمِيدِ». رواه أبوداود(2438) صحيح الترغيب (1248).
وقد أمرنا الله بكثرة ذكرة ليلا ونهارا فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللّه ذِكْرا كَثِيرا * وَسَبحُوهُ بُكْرَة وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41 ، 42]
والأعمال الصالحة كثيرة ومتعددة فليحرص المسلم على تعمير تلك الأيام والليالي بطاعة الله عزوجل، وليتفقد أرحامه وأقاربه وجيرانه وأصدقائه، فذاك دليل على حبه للخير، وسلامة قلبه ومحبته للمسلمين.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا لمرضاته يستعملنا في طاعته، وأن يصلح قلوبنا وأحوالنا كلها، وأن يختم لنا بالحسنى، أنه سميع قريب.
والحمد لله رب العالمين.
المرفقات
1778829360_خطبة أفضل أيام الدنيا 111.docx