أيام عظيمة ومقاصد جليلة

د.عبدالحميد المحيمد
1447/12/06 - 2026/05/23 04:47AM

إن الحمد للّه، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده اللّه فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله  اللَّهم صلَّ على محمدٍ وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد، اللَّهم بارك على محمدٍ وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد .

عباد اللّه ، أوصيكم ونفسي بتقوى اللّه.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).

أيها الأحبة في اللَّه، في هذه الأيام أيامٌ عظيمة، وفيها مقاصد جليلة، وهي أيامٌ مباركة، ومن أعظم هذه الأيام يوم عرفة، ثم يوم النحر، ثم يوم القرّ، كما سماها نبينا محمد صلى اللَّه عليه وآله وسلم.

فما هي المقاصد التي ينبغي أن يتعلمها المسلم، وما هي الفضائل التي ينبغي أن يسارع ويسابق إليها في هذه الأيام؟ كان السلف ينتظرونها عامًا بعد عام، وكانوا يدخرون دعواتهم ليوم عرفة، فكل من عنده أمرٌ استعصى، وكل من عنده حاجةٌ عظيمة، كان يدخر الدعاء لها حتى يدعو اللَّه في يوم عرفة؛ لأنه يعلم بأن الدعاء لا يُردّ في هذا اليوم الفضيل، وخير الدعاء دعاء يوم عرفة، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: 

(خيرُ الدُّعاءِ دُعاءُ يومِ عَرَفةَ، وخَيرُ ما قُلْتُ أنا والنبيُّونَ من قَبْلي:

لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَه لا شَريكَ له، له المُلكُ، وله الحَمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قَديرٌ).

في يوم عرفة تتحقق الأمنيات، وفي يوم عرفة يتحقق معنى التوحيد والعبودية للَّه عز وجل، وهذا من أهم المقاصد؛ أن يُصرف الدعاء إلى اللَّه عز وجل، لأن الدعاء عبادة، وأن التوحيد يتحقق بالدعاء عندما تلتجئ إلى اللَّه، وتعلم أن كل ما تحتاجه، وأن حياتك ومماتك، وصحتك ومرضك، ورزقك بيد اللَّه عز وجل، فلا تدعو إلا اللَّه، ولا تلتجئ إلا إليه.

كذلك من المقاصد التي يتعلمها المسلم في هذه الأيام وحدة المسلمين، وأنه لا فرق لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، قال اللَّه عز وجل:

(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13].

فليس الذي يرفعك نسبك، ولا مالك، ولا سلطانك، ولا شهاداتك، ولكن الذي يرفعك عند اللَّه هو التقوى، فاحرص أن تكون تقيًّا قبل أن تحرص أن تكون غنيًّا، فالتقوى هي ما يتمايز به الناس.

كذلك نتعلم في هذه الأيام أن يكون المسلم متواضعًا، وأن يُقبل على اللَّه أشعثَ أغبرَ، فقيرًا إلى اللَّه، قال اللَّه تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر: 15]، فيستشعر فقره وضعفه، وأنه لا حول له ولا قوة، فيتعلق قلبه باللَّه، ويُعلّق أمره بيد اللَّه، ويلتجئ إلى اللَّه، ويدعو اللَّه بقلبٍ مخلص.

وكذلك من هذه المقاصد العظيمة في هذه الأيام أن المسلم يحرص على التآلف، وأن يمد يده لإخوانه من المسلمين، وأن يترك الشحناء، وأن يُحسن الظن بمن حوله من المسلمين، وأن يبادر دائمًا إلى الصلح والعفو، ويبادر إلى الإحسان، ويبادر إلى صلة الرحم. ويصل أرحامه ويتودد اليهم ويعلم بأن الرَّحِمُ مُعَلَّقةٌ بالعَرشِ كما في الحديث عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: 

(إن الله تعالى خلَقَ الخلْقَ، حتى إذا فرَغ منهم قامت الرحمُ، فقالت: هذا مقامُ العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما تَرْضَيْنَ أن أَصِلَ من وصَلَك، وأقطَعَ مَن قطَعَك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: 22، 23]). 

فيبادر إلى أرحامه ويحسن إليهم، كذلك من المقاصد العظيمة التي نتعلمها بأن الحجاج الذين أقبلوا على اللَّه عز وجل شعثًا وغبرًا؛ لأنهم أتوا بقلوبهم قبل أن يأتوا بأجسادهم، وبأن لهم دعواتٍ مستجابة، فنسأل اللَّه أن يحفظهم وأن يتقبل حجهم، وإن لم يتيسر لنا الحج في هذا العام فنسأل اللَّه أن ييسر لنا الحج في الأعوام القادمة، وإلا فالدنيا يا إخوة التي نتنافس عليها وننتظر العطلة والإجازة بعد الإجازة ستفنى، ولكن تبقى تلك الأعمال الصالحة، فنسأل اللَّه أن يجعلنا من المقبولين، وأن يتوب علينا، إنه هو التواب الرحيم.

أقول ما تسمعون، وأستغفر اللَّه.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للَّه والصلاةُ والسلامُ على رَسولِ اللّهِ وعلى آله وصحبه ومن والاه.

تتوالى هذه الأيام العظيمة، حتى قال بعض أهل العلم بأن أيام عشر ذي الحجة نهارها أفضل من نهار العشر الأواخر من رمضان؛ لأن هذه العشر الأُوَل من ذي الحجة فيها أيامٌ عظيمة متوالية، فيها يوم التروية حيث تروى فيه القلوب، وفيها يوم عرفة، قال النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن صيامه: 

(صيامُ يومِ عرفةَ، إنِّي أحتَسبُ على اللَّهِ أن يُكفِّرَ السَّنةَ الَّتي قبلَهُ والسَّنةَ الَّتي بعدَه).

وما رُئي الشيطانُ ذليلًا صاغرًا حقيرًا كما يُرى في يوم عرفة؛ لأن كل الفساد الذي كان يفسد به قلوب المسلمين يذهب هباءً، لأن اللَّه عز وجل ينزل نزولًا يليق بجلاله، فيُباهي ملائكة السماء بعباده الذين أتوا شعثًا غبرًا.

وما من يومٍ أكثرُ من أن يُعتِق اللَّه فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، فهو يوم العتق، ويوم المغفرة، ويوم التوبة، فمن فاته الوقوف بعرفة فليقف عند حدود اللَّه عز وجل، ويجتنب ما حرَّم اللَّه، وليحرص أن يصوم هذا اليوم لينال تكفير ذنوب سنةٍ آتية وسنةٍ ماضية.

وكذلك يأتي يوم النحر، قال النبي عليه الصلاة والسلام عنه: 

(إنَّ أعظمَ الأيَّامِ عندَ اللَّهِ تبارَكَ وتعالَى يومُ النَّحرِ ثمَّ يومُ القَرِّ).

 

ويوم القرّ هو اليوم الثاني من أيام العيد، سُمّي بذلك لأن الحجاج يستقرون بمنى.

ويوم النحر هو يوم الحج الأكبر؛ لأنه تجتمع فيه أمهات العبادات، فيه ذبح الأضاحي، وفيه صلاة العيد، وفيه رمي جمرة العقبة، وفيه طواف الإفاضة، وفيه نحر الهدي، وفيه أحداث عظيمة، لذلك هو يوم الحج الأكبر.

فنسأل اللَّه أن يتقبل منا ومنكم أجمعين، وأن يرزقنا حجَّ بيته الحرام، وأن يجعلنا ممن أُعتقت رقابهم وغُفر لآبائهم وأمهاتهم. اللَّهم تُب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وارحمنا يا رحمن يا رحيم.

اللَّهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، وعافِ مبتلانا ومبتلى المسلمين، اللَّهم احفظ هذا البلد وبلاد المسلمين. اللهم من أراد هذا البلد بخير فوفقه لذلك، ومن أراده بسوء فخذه أخذ عزيزٍ مقتدر.

اللَّهم تب علينا يا رحمن يا رحيم، وأحسن خاتمتنا، واجعلنا من المقبولين، وصلى اللَّه على نبينا محمد.

  •  
المشاهدات 40 | التعليقات 0