الإسراف

الخطبة الأولى:

الْحَمْدُ لِلَّهِ ذي الطَّول والآلاءِ ، تَفَرَّدَ بالعظمَةِ والجلالِ والكبرياءِ ، خزائِنُهُ بالخيرِ مَلأَى وَيَدُهُ بالنَّفَقَةِ سَحَّاءُ أَشْهَدُ ألّا إِلَهَ إِلّا اللهُ وحدهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أنّ محمدًا عبدهُ ورسولُه ، صَلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا ، أمّا بعدُ :

فاتّقُوا اللهَ وأطيعُوهُ ، واعلمُوا أنَّكُمْ مُلاقُوهُ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } .

عباد الله : رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهٌ ، قَالَ : " خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَقَالَ مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ قَالَا : الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا ، قُومُوا ؛ فَقَامُوا مَعَهُ ، فَأَتَى رَجُلًا مِنْ الْأَنْصارِ ، فقَالَ : الْحَمْدُ لِلهِ ، مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي ، فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ ، فَقَالَ كُلُوا مِنْ هَذِهِ ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ أي ـ السكين ـ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ ؛ فَذَبَحَ لَهُمْ  فَأَكَلُوا مِنْ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ ، وَشَرِبُوا ، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ الْجُوعُ ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ " .

هذه النعم التي لا يحصيها عاد ولا يحدها حاد، سيسألنا الله تعالى عنها يوم أن نلقاه، ما صنعتم فيها هل أخذتموها من حلها، هل أنفقتموها في طاعة، هل شكرتم الواهب المتفضل، هل استعنتم بها على ما يقربكم من ربكم، هل تفقدتم الجوعى والمعوزين؟

 

إذا كنت في نعمة فارعها * فإن المعاصي تزيل النعم

وحطها بطاعة رب العباد * فرب العباد سريع النقم

 

ما أكثر من أحاط هذه النعم الجمة بالإسراف والبذخ والتباهي والتفاخر، الإسراف عندنا ليس في حفلات الزواج وفاره السيارات والثياب، بل أصبح الإسراف والترف سمة للحياة عندنا رجالاً ونساءً، حتى أصبحنا نُسرف في مأكولاتنا ومشروباتنا حتى نرضي أعين الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إسراف بالمدح، إسراف بالكذب، ومبالغة بالتهم، فضلاً عن الإسراف بالنعم...

عباد الله: أعداد الجياع في العالم حوالي مليار جائع، ألف مليون جائع في العالم، ويهدر يوميًا في العالم أيضًا مليار ونصف طن من المواد الغذائية في حاويات القمامة والطرق على مستوى العالم.

 

وتبعًا للإحصاء فإن دول الخليج في مقدمة الدول الأكثر استهلاكًا للأغذية، ففي بلادنا هنا 35%، أي ثلث الغذاء، 35% من الغذاء في النفايات المنزلية، أي حوالي ثلاثة عشر مليون طن من المواد الغذائية وبقايا الأطعمة في مكبات النفايات، بل إن شركة أجنبية استلمت نفايات مدينة كبرى لكي تُدوِّر هذه النفايات وتستغلها، فاكتشفت أن 65% من تلك النفايات هي أطعمة.

بلغ فائض الأرز بعام واحد الذي رمي بالنفايات 90 طنًا، قيمتها 300 مليون ريال، بلغ عدد الوجبات الغذائية المهدرة يوميًا في المنطقة الشرقية وحدها أربعة ملايين وجبة حسبما ذكره مسؤول الوجبات في جمعية إطعام وغيرها من المدن.

لقد أصبح إسرافنا ظاهرة ومفاخرة، حتى اضطررنا إلى إنشاء جمعيات لحفظ النعمة وإعادة الاستفادة منها، وبعض الناس لا يتعامل مع هذه الجمعيات ولا يبالون بها إلا من رحم الله، في إسراف يخيف وينذر

عباد الله: كم ذكّر الناصحون كثيرا من الناس فما تذكروا!! كم توالت على أهلها النذر فلم ينتبهوا ثم أفاقوا على أمر جاء بلا نذر سابقة ولا دلائل منذرة!! (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً) ، انظر إلى كلمة الله: (بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ)؛ أفاقوا على أموالهم فإذا هي سليبة، وعلى نعمهم فإذا هي ذكرى يتذكرونها، وعلى أمانيهم وعلى بهجتهم فإذا هي أماني.

 

فلنعتبر قبل أن نكون عبرة، لنتذكر قبل أن نكون ذكرى، فالحوادث من حولنا تترى، فمن نسي فضل الله سلط عليه من لا يعرفه وسلبه النعمة: (وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ)

أستغفر الله لي ولكم

 

 

الخطبة الثانية:

الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ؛ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ . أما بَعْدُ :

 

عباد الله : يَا مَنْ أَنعمَ اللهُ عَليهِ ، كُلْ أَنتَ وَأَهلكَ مَا يَكفيكُم دُونَ إسرافٍ ، وأَكرمْ بِالمَعروفِ مَنْ جَاءَكَ من الأضيافِ ، ثُمَّ اصرفْ ما فَاضَ على الفُقراءِ والمساكينِ ، والأيتامِ والأراملِ والمُحتاجينَ ، شاكراً لنعمةِ ربِّ العالمينَ ،

 

لنتق الله يا عباد الله : ولنحرص جميعاً على الاقتصاد في الطعام والشراب ، وأن نأتي بما نريد بقدر الحاجة ، وإذا تبقى منه شيء فلنحتفظ به للوجبة التالية ، أو نعطيه للمحتاجين من الأسر الفقيرة والعمالة بعد أن نغلفه ، وإذا كان هذا الطعام لا يصلح للإنسان فلنجعله في صندوق ليأكل منه الطير والحيوان ، فهذا أفضل من رميه وإهداره ، " فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ " .

 

المرفقات

1767541037_الإسراف.docx

المشاهدات 98 | التعليقات 0