الزموا التحصينات الشرعية
محمد صبيح
بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة: الزموا التحصينات الشرعية، أ.د.صالح دعكيك، مسجد آل ياسر، حضرموت، المُكَلاَّ، 17/4/2026م
*الحمدلله رب العالمين.
إن الإنسان محاط في هذه الحياة بأخطار وأضرار متعددة، من أخطرها أولئك الأشرار المتربصون به لأذيته في نفسه وماله وأهله، من شياطين الإنس والجن، من السحرة والمشعوذين، وغيرهم من أهل القلوب السوداء من العيانين والحاسدين والأشرار.
إننا نعيش في مجتمعات تنتشر فيها أعمال السحرة والشعوذة الشيطانية، وأمراض العين والإصابات النفسيَّة، فيصاب المسلم في نفسه أو ولده أو زوجه من فعل هولاء الخبثاء؛ مرضا وصرعا ومسا وسحرا وعينا، فتنقلب حياته تعاسة وشقاء، وغما وهما، وقلقا واضطرابا، وربما عاش الرجل أو المرأة على هذا الحال سنين طويلة.
لهذا كانت قضية التحصين من كيد هولاء وخبثهم ضرورة لازمة ليقي المسلم نفسه وأولاده تلك المضار، فلا ينبغي البتة ضعف التحصين، والغفلة عن أذكار الصباح والمساء، فإن ذلك من المهمات العظيمة، ولا يعرف هذه الأهمية الكبرى للتحصين والأذكار إلا من ابتلي -عياذ بالله- بالسحر أو العين، أو رأى من ابتلي بذلك، فيوقن حينئذ أنها أهم فعلا من من الطعام والشراب.
وكم مِنْ مريضٍ أشرَف على الهلكات والممات، ولم يستفد من المصحات ولا المستشفيات، ولم تنفعه براعة الأطباء ولا المختصين، واستطب بالرقية الشرعيَّة، فحقق الله له والشفاء والبراءة من المهلكات بفضل من الله ونعمة، ولا شك أن ذلك يحتاج إلى يقين راسخ، وتوكل صادق، وقد قال سبحانه مُبَشِّرًا: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. [الطلاق:3]،
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: ( فالقرآنُ هو الشِّفاء التام مِن جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواءِ الدنيا والآخرة، إذا أحسن العليل التداوىَ به، وكيف تُقاوِمُ الأدواءُ كلامَ ربِّ الأرض والسماءِ الذى لو نزل على الجبال، لصَدَعَهَا، أو على الأرض، لقطعها). الطب النبوي ص(266).
عبادالله: لم يسلم من السحر والعين والحسد المؤذي الأنبياء ولا الصالحون فضلا عن غيرهم، ففي حديث أبي سعيد الخدري قال: «أتى جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، فقال: يا محمد اشتكيت؟ قال: نعم، فقال: بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، باسم الله أرقيك، والله يشفيك». رواه مسلم (2186).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أرقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين، فأضع يدي على صدره وأقول: امسح البأس رب الناس، بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت». رواه أحمد (25039)، الصحيحة: (1526).
إنه يلزم الكبار أن يعوذوا ويحصنوا أنفسهم كل يوم، وعلى الوالدين أن يحرصوا حرصا شديدا على تحصين الأطفال والصغار ولا يتركوهم للأذى والشرور، وقد روى البخاري في صحيحه (3371) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوِّذ الحسن والحسين، ويقول: «إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة».
وروى مسلم في صحيحه (804) من حديث أبي أمامة الباهلي مرفوعا: «اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة». أي السحرة.
ومما يدل على أهمية التزام المسلم بالتحصين والأذكار مارواه أبان بن عثمان عن أبيه عثمان بن عفان رضي الله عنه، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قال بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء، في الأرض، ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاث مرات، لم تصبه فجأة بلاء وفي لفظ – لم يضره شيء -حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح ثلاث مرات، لم تصبه فجأة بلاء حتى يمسي»، وقال: فأصاب أبان بن عثمان الفالج،-شلل جزئي- فجعل الرجل الذي سمع منه الحديث ينظر إليه، فقال له: «ما لك تنظر إليَّ؟ فوالله ما كذبت على عثمان، ولا كذب عثمان على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن اليوم الذي أصابني فيه ما أصابني غضبت فنسيت أن أقولها». رواه أبو داود (5088) والترمذي (3388) وصححه.
وجاء في صحيح مسلم ( 2709 ) من حديث أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة! قال: أما لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك».
وفي مسند أحمد (7898) والترمذي (3604) وحسنه من حديث أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال إذا أمسى ثلاث مرات: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضره حمة تلك الليلة " قال سهيل: " فكان أهلنا قد تعلموها، فكانوا يقولونها، فلدغت جارية منهم، فلم تجد لها وجعا». والحمة: كل ما يلدغ ويؤذي من العقارب والحيات ونحوهما.
وانظروا -أيه الأخوة- كيف كان حرص نبينا صلى الله عليه وسلم على تعليم الصحابة أذكار التحصين من كل شيء، ففي حديث عمرو بن شعيب رضي الله عنه عن أبيه عن جده كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع، وفي -رواية - كان يقول: إذا فزع أحدكم في النوم فليقل بسم الله أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون فإنها لن تضره »
قال: «وكان عبد الله بن عمرو يلقنها من عقل من ولده، ومن لم يعقل كتبها في صك ثم علقها في عنقه». رواه أحمد (6696) الترمذي (3528) وحسنه، صحيح الترغيب (1601).
وفي حديثِ أسيرِ أبي هريرة رضي الله عنه قال الشيطان له: (إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ ﴿ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ حَتَّى تَخْتِمُ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ». رواه البخاري (2311).
ومن إرشاداته عليه الصلاة والسلام لكل من خرج في سفر أو نزل إلى مكان أن يستعيذ بكلمات الله، كما في حديث خولة بنت حكيم رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك». رواه مسلم (2708).
إخوة الإسلامِ: الوقاية والتحصين طريق لتجنُّب الضرر والأمراض النفسية وغيرها الناتجة عن السحر والعين وغيرهما؛ فعليكم عباد الله بتحصين أنفسكم وأولادكم وبيوتكم بالأوراد الشرعيَّة، والأذكار الصباحية والمسائية، وأذكار الدخول والخروج، والطعام والشراب، والنوم والاستيقاظ، وغيرها من الأذكار الثابتة عن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم؛ فهي الحصن الواقي -بإذن الله-التي تحيط بالمؤمن بالأمان في كل وقت ومكان.
ونؤكد هنا أنه ينبغي الحرص الشديد على أذكار الصباح والمساء، وعدم الغفلة والنسيان لها، والإتيان بالأذكار واستحضار معانيها، مع التفرغ لها من المشاغل، والتأكيد أيضا على التوكل الجازم على المولى السميع البصير، وتفويض الأمر لتدبيره المحكم البديع، فاليقين في الله أجل العزائم قدرًا، وأعظما أثرا، يقول ابن القيم رحمه الله: (وإذا أحسن العليل التداوىَ به -أي القرآن -، ووضعَه على دائه بصدقٍ وإيمان، وقبولٍ تام، واعتقادٍ جازم، واستيفاءِ شروطه، لم يُقاوِمْهُ الداءُ أبداً). الطب النبوي ص(266).
قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾. [الزُّمَرِ: 36، 37].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيكم بما فيه من الايات والذكر الحكيم.
((الخطبة الثانية))
عبادالله: كلنا ندرك ما يقع في مجتمعنا من مآسي وأمراض من فعل السحرة والمشعوذين وما تفعله العين من الضرر المحقق، أصابت الكبار والصغار، ودمرت حياة أسر بأكملها حولت حياتهم إلى معاناة وجحيم، بل فقد بعضهم بعض أحبته بما أصابه من ذلك.
ومع كل ما نراه ونسمعه من الأضرار لا زال كثير منا غير مكثرث بالأذكار والتحصين لفسه ولأهله وأولاده، ويترك نفسه وأولاده مكشوفا عاريا لسهام الشر التي تحيط به من كل مكان
ومنا من لا يبالي ويتغافل عن هذه التحصينات التي - قسما بالله تعالى - أهم من الطعام والشراب واللباس والمسكن! وماذا ينفع الطعام والشراب للمريض الذي فقد طعم كل شي في حياته بسبب مرضه؟!
ومن الناس من يأتي بأذكار الصباح والمساء مع شرود ذهنه عن معانيها واستحضارها، وغفلته عن التيقن بالله فيها، وحسن الظن بربه تعالى أن يكفيه ويحفظه، والبعض من قلة اهتمامه يأتي بتلك الأذكار وهو يمشي، أو يركب السيارة، أو تأتي بها المرأة وهي في مطبخها أو في شغلها؟
كيف يليق أن يدعو المرء ربه، فيقول مثلا ضمن أذكار الصباح: اللهم إني أسألك خير هذا اليوم وخير ما بعده ونعوذ بك من شر هذا اليوم وشر ما بعده وهو غافل ساه لاه، لا حاضر ولا جالس، ولا متجه إلى القبلة!!؟ فكل ما كان المر أكمل حالا، مستحضرا متمعنا مستيقنا بما يقول كان ذلك أخدحصن له وأحفظ.
ومن الأولاد والبنات من قسم الله لهم في جمال المنظر والهيئة، وربما بالغ أهلهم في إظهار زينتهم باللباس وقصات الشعر، وغفلوا عن أعين العائنين وخبث الخبثاء، فينقلب ذلك إلى ألم ومعاناة.
ومن النساء من كتب الله لهن الجمال في الوجه أو البدن أو الشعر أو غير ذلك، فتزيد من حسنه باللباس أو والتسريحات والمصبوغات وغيرها عند الأعراس والأفراح؛ مع إهمال التحصين والأذكار، فهي وأمثالها كمن تعرض نفسها لأعين العائنين والحساد، فيقع بها ما لا يحمد عقباه من الضرر والأمراض.
وكثير من الناس اليوم - وخاصة النساء- ينشرون محاسن أولادهم وأهليهم وأموالهم، وحتى أطعمتهم يصورونها، وينشرون ما أنعم الله به عليهم عَبر التصوير والنشر وعمل حالات لها، ثم بعد السرور ربما يكون الهمُّ والغمُّ، والنكد والشرور! نسأل الله السلامة.
فاتقوا الله في أنفسكم وأهلكم، وكونوا على حذر من ذلك، فقد روى الطبراني (2455)، عَنْ معَاذِ بْنِ جَبَل رضي الله عنها قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اسْتَعِينُوا عَلَى إنْجَاحِ الْحَوَائِجِ بِالْكِتْمَانِ، فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ». صحيح الجامع: (943)،
عبادالله: تعلموا التحصينات وأذكار الصباح والمساء، وعلموها أهلكم وأبناءكم، حفظوا من يعقِلُ منهم آيةَ الكرسيِّ والمعوذتين، وعلموهم المحافظةَ على قراءتها كلَّ صباحٍ ومساء؛ لتكون لهم حِصناً بإذن الله تعالى، واحرصوا- رحمكم الله - على العمل بالأذكار ولا تغفلوا عنها قط، فأنتم محاطون بشرور لا قبل لكم بها إلا بالاستعانة بالله والتحصن بالأذكار.
أسأل الله تعالى أن يحفظني وإياكم من كل مكروه، وأن يدفع عنا كل شر وكل ضير، اللهم أنا نعوذ بك من عين العائنين، وحسد الحاسدسن، وسحر الساحرين، وكيد الكائدين ومن شر الشياطين، ومن شر كل ذي شر يا أرحم الراحمين.
والحمد لله رب العالمين.
المرفقات
1777400310_خطبة الزموا التحصينات الشرعية 111.docx