الصلاة نور
عبدالرحمن عبدالعزيز القنوت
(الصلاةُ نورٌ)
إنَّ الحمدُ للهِ، نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِهُ اللهُ فلا مضلَّ لهُ، ومن يضللْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلمَ تسليمًا كثيرًا.
﴿يا أيها الذينَ آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربَّكم وافعلوا الخيرَ لعلكم تفلحونَ﴾.
أما بعدُ، عبادَ اللهِ:
القربُ من الله تعالى والخضوعُ له من أجلِّ الطاعات، ومناجاتُه ودعاؤه مما يحبّه سبحانه.
والصلاةُ أعظمُ ما يتقرّب به العبدُ إلى ربّه؛ شُرعت لتُحقّق العبودية، وتلبّي حاجةَ القلب، وتروي عطشه، وتقوّي صلتَه بربّه، وتزيده إيمانًا، وترفع درجتَه، وتهذّب أخلاقَه، ويجد فيها سرورَه وأنسَه.
والإنسانُ في هذهِ الدنيا بحاجةٍ إلى نورٍ ينيرُ طريقَهُ ومسيرتَهُ إلى اللهِ تعالى، وأنوارٍ تظهرُ لهُ يومَ القيامةِ، والصلاةُ أعظمُ الأنوارِ التي تنيرُ لصاحبِها الطريقَ، وتوصلُهُ إلى رضوانِ اللهِ، وتبعدُهُ عن ظلماتِ الحيرةِ والضلالِ؛ فباتصالِ العبدِ بربِّهِ ومولاهُ في صلاتِهِ وإكثارِهِ منها يستمدُّ النورَ.
ومن أجملِ الأوصافِ لأثرِ الصلاةِ على المسلمِ الوصفُ النبويُّ، حينَ ذكرَ رسولُ اللهِ ﷺ الصلاةَ فقالَ: "والصلاةُ نورٌ" رواه مسلم
والمعنى أنَّ الصلاةَ تمنعُ من المعاصي، وتهدي إلى الصوابِ، وتنهى عن الفحشاءِ والمنكرِ.
وتكون نورًا ظاهرًا وبهاءً وإشراقا على وجهِهِ المصلي في الدنيا، ونورًا يعلو وجهَ صاحبِها يومَ القيامةِ.
وأكثرَ الناسِ نورًا في الوجوهِ أكثرَهم صلاةً وأخشعَهم فيها للهِ عزَّ وجلَّ.
فالصلاةُ نورٌ في القلبِ، ونورٌ في الوجهِ، ونورٌ في القبرِ، ونورٌ يومَ الحشرِ.
عبادَ اللهِ..
والمسلمُ في هذهِ الدنيا لا ينفكُّ عن مخالطةِ الناسِ، ومكابدتهِ للمالِ والأهلِ والولدِ، وبقدرِ استغراقِهِ في الدنيا واشتغالِهِ بالحياةِ يقعُ في الشهواتِ والزللِ، ويرتكبُ الخطأَ، ويحصلُ منهُ التجاوزُ، فيقسو قلبُهُ، وتصيبهُ الغفلةُ، وتحصلُ الظلمةُ، فتأتي الصلواتُ الخمسُ تعيدُهُ إلى الاتصالِ باللهِ في نهارِهِ وليلِهِ، فتنيرُ وجهَهُ ودربَهُ، وتهدي قلبَهُ، وتضبطُ حياتَهُ وسائرَ أمورِهِ.
لا يكادُ العبدُ تصيبُهُ ظلمةٌ وغفلةٌ وقسوةٌ وبُعدٌ إلا أتتِ الصلاةُ تردُّهُ إلى ربِّهِ ومولاهُ، ولا يكادُ النورُ الذي استمدَّهُ من الصلاةِ يخفتُ حتى تأتيَ الصلاةُ التي تليها تمدُّهُ بالنورِ؛ فتلك هي الصلاةُ نورٌ وهدايةٌ وانشراحٌ.
قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أنَّ خيرَ أعمالِكم الصلاةُ". رواه ابن ماجه وأحمد
أيها الكرام..
وطبيعةُ الحياةِ الدنيا وكبدُها تشغلُ عنِ المبادرةِ إلى الصلاةِ، وتزاحمُ التبكيرَ إليها، ولكنَّ الشأنَ كلَّ الشأنِ في المبادرةِ وسرعةِ الإنابةِ واستمدادِ النورِ، وأداءِ الصلاةِ الفائتةِ حينَ يذكرُها، حتى لا يذهبَ النورُ ويخفتَ الضياءُ، وتحلَّ الغفلةُ والقسوةُ.
قالَ ﷺ: "من نسيَ صلاةً فليصلِّ إذا ذكرَها، لا كفارةَ لها إلا ذلكَ". متفق عليه
فيأتي المسلمُ بالصلاةِ الفائتةِ ليبقى في نورٍ دائمٍ وضياءٍ لا ينقطعُ، يستمدُّهُ من صلتِهِ بربِّهِ تعالى خمسَ مراتٍ كلَّ يومٍ.
أيها الأحبةُ..
ومع أنَّ الصلاةَ نورٌ في ذاتِها، فالمصلي يطلبُ من اللهِ في سجودِهِ أنْ يستزيدَهُ نورًا، ليزدادَ نورًا على نورٍ.
لقد كانَ ﷺ يدعو في صلاتِهِ ويقولُ: "اللهم اجعلْ في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا، واجعلْ لي نورًا". متفق عليه
ومن أمدَّهُ اللهُ بالنورِ في جميعِ أعضائِهِ وحالاتِهِ فليبشرْ من اللهِ ببيانِ الحقِّ والهدايةِ إليهِ، فلا يزيغُ ولا ينحرفُ، ولا يقعُ في الظلمةِ والزللِ.
وإذا استنارَ العبدُ في الدنيا بصلاتِهِ للهِ تعالى وقربِهِ منهُ، فليبشرْ بالنورِ التامِّ من اللهِ تعالى في قبرِهِ وحشرِهِ وعلى الصراطِ وفي ظلماتِ يومِ القيامةِ.
لما ذكرَ ﷺ الصلاةَ قالَ عنها: "من حافظَ عليها كانتْ لهُ نورًا وبرهانًا ونجاةً يومَ القيامةِ". رواه أحمد وحسنه الألباني
وقالَ ﷺ: "بشرِ المشائينَ في الظلمِ إلى المساجدِ بالنورِ التامِّ يومَ القيامةِ". رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه
أيها الكرام..
وقال اللهُ تعالى:
﴿یَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُؤۡمِنَاتِ یَسۡعَىٰ نُورُهُم بَیۡنَ أَیۡدِیهِمۡ وَبِأَیۡمَـٰنِهِم﴾.
فأخبرَ اللهُ تعالى أنَّ المؤمنينَ يومَ القيامةِ يتقدّمُهم نورُهم بين أيديهم في عرصاتِ المحشرِ بحسبِ أعمالِهم.
وكانَ رسولُ الله ﷺ يقولُ:
"من المؤمنينَ مَن يُضيء نورُه من المدينةِ إلى عَدَنٍ أَبْيَنَ وصنعاءَ، فدُونَ ذلك، حتى إنَّ من المؤمنينَ مَن يُضيء نورُه موضعَ قدميهِ". رواه الطبري في تفسيره
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ رضي اللهُ عنهُ:
على قدرِ أعمالِهم يمرّون على الصراط؛ فمنهم من نورُهُ مثلُ الجَبلِ، ومنهم من نورُهُ مثلُ النَخْلةِ، وأدناهم نورًا من نورُهُ في إبهامِهِ يُطْفَأُ مرةً، ويَقِدُ مرةً. رواه الطبري في تفسيره.
كما أخبرَ ﷺ أنَّهُ يعرِفُ أُمَّتَهُ يومَ القيامةِ ببياضٍ يعلوهم، قالَ ﷺ:
"فإنهم يأتونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ من الوضوءِ". رواه مسلم
أي: عليهم نورٌ ظاهرٌ على وجوهِهم وأيديهم وأرجلِهم من أثرِ الوضوءِ.
فاستمسكوا أيها المؤمنون بالصلاةِ وحافظوا عليها؛ فهي مصدرُ النورِ، وسبيلُ النجاةِ يومَ القيامةِ.
أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم، فاستغفروهُ إنهُ هو الغفورُ الرحيمُ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ على فضلِهِ وإحسانِهِ، والشكرُ لهُ على توفيقِهِ وامتنانِهِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن سارَ على نهجِهِ إلى يومِ الدينِ.
أما بعدُ، عبادَ اللهِ..
لقدْ جعلَ اللهُ سبحانهُ جنتَهُ التي هيأها لعبادِهِ درجاتٍ، وجعلَ أفضلَ الدرجاتِ فيها وأعلاها جنةَ الفردوسِ، ووصفَها رسولُ اللهِ ﷺ بقولهِ: "فإنهُ أوسطُ الجنةِ، وأعلى الجنةِ، وفوقهُ عرشُ الرحمنِ، ومنهُ تفجرُ أنهارُ الجنةِ". رواه البخاري
وقد أخبرَنا اللهُ تعالى في مطلعِ سورةِ المؤمنونَ عن صفاتِ ساكنيها وأعمالِهم، فمن صفاتِهم المحافظةَ على الصلاةِ، والمداومةَ على أدائِها، وإتمامَ أركانِها وشروطِها وسننِها، وفعلَها في أوقاتِها، وفي الجماعاتِ في المساجدِ.
قالَ تعالى:
﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ یُحَافِظُونَ - أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ - ٱلَّذِینَ یَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ﴾.
أيها المؤمنون..
ومَن لم يُحافظْ على هذهِ الصلواتِ الخمسِ المكتوبةِ فقد جاءَ الوعيدُ الشديدُ على لسانِ رسولِ اللهِ ﷺ حينَ قالَ:
"من حافظَ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامةِ، ومن لم يحافظْ عليها لم تكنْ له نورًا ولا برهانًا ولا نجاةً، وكان يومَ القيامةِ مع قارونَ وفرعونَ وهامانَ وأُبيِّ بنِ خلفٍ" رواه أحمد وحسّنه الألباني.
يقولُ ابنُ عبّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُما:
ليسَ أحدٌ منَ الموحّدينَ إلا يُعطى نورًا يومَ القيامةِ، فأمّا المنافقُ فيُطفَأُ نورُهُ، والمؤمنُ مُشفِقٌ ممّا رأى من إطفاءِ نورِ المنافقِ، فهو يقولُ: {ربّنا أتمِمْ لنا نورَنا}. رواه الحاكم
فمن ابتعدَ عن الاتصالِ باللهِ، وفرطَ في أداءِ الصلاةِ، وتكاسلَ عن القيامِ لها، فسيلحقُهُ من الظلماتِ والحيرةِ بقدرِ ما فرطَ وتكاسلَ، ﴿ومن لم يجعلِ اللهُ لهُ نورًا فما لهُ من نورٍ﴾.
اللهمَّ أتمِمْ لنا نورَنا، واغفرْ لنا ذنوبَنا، وثبّتْ أقدامَنا يومَ نلقاكَ يا ربَّ العالمينَ.
ربنا اجعلْنا مقيمي الصلاةِ ومن أزواجِنا وذرياتِنا، ربَّنا وتقبلْ دعاءِنا.
اللهم اجعلْنا من الذينَ هم على صلاتِهم دائمون.
اللهم اسكنَّا الفردوسَ الأعلى من الجنة.
وأكرمْنا برفقةِ نبيِّك محمدٍ ﷺ في أعلى جنةِ الخلد.
المرفقات
1770377247_الصلاة نور - للجوال.pdf