الكِبْر

سليمان بن خالد الحربي
1447/10/20 - 2026/04/08 10:53AM

 

الخُطْبة الأُولَى:
إن الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شُرُور أنفُسنا وسيئاتِ أعمالنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هادِيَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، صَلَّى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، ومَنْ سارَ على نَهْجِه واقْتَفَى أَثَرَه إلى يوم الدين، وسَلم تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بَعْدُ:

فاتَّقُوا الله أيُّها المسلمون، فإنها وصِيَّة اللهِ للأوَّلِين والآخِرِين: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء:131].

مَعْشَرَ الإِخْوَة: لو سَأَلَ كلُّ واحدٍ منا نفْسَه سؤالًا مباشِرًا: هل أنا مُتَّصِفٌ بصِفَة الكِبْر أم لا؟ لوجدتَ الإجابةَ مُتَذَبْذِبَة وغيرَ دقيقةٍ عند كثير منا؛ وسَبَبُ ذلك أن مفهومَ الكِبْر غير واضِحٍ وغير مُتَحَرِّرٍ عند الكثيرين، فبعضهم يربُط الابتسامة وعَدَمَها بأنها مقياسُ التواضع والكِبْر، وبعضهم يربُطها باللباس والتقشُّف، فإذا رَأَى مَن يَعْتَنِي بلِباسه ويَحْرِص على اقتناء الجَيِّد وغالي الثمن يَحْكُم عليه بأنه مُتَكَبِّر، وإذا رَأَى مَنْ يَلْبَس الرَّدِيءَ من الثياب يَحْكُم عليه بأنه مُتَوَاضِع، إلى غير ذلك من المفاهيم الخاطئة والتي تسببتْ –بحَقٍّ- إلى وقوع كثير منا في الكِبْر؛ لأنه لم يلتفت إلى مفهوم الكبر الشرعي.

فالكِبْر فَسَّرَه النبي -صلى الله عليه وسلم- -الذي لا يَنْطِق عَنِ الهوَى، ومَن أُوتِيَ جوامعَ الكَلم- بتفسير عظيم واضح، وهو أن الكِبْر أَحَدُ أمْرَيْنِ: إمَّا رَدُّ الحَقِّ ودَفْعُه وإنكارُه؛ تَرَفُّعًا، والثاني: احْتِقَارُ الناسِ.

جاء في صحيح مسلم من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- عَنِ النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ». قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ: بَطَرُ([1]) الحَقِّ، وَغَمْطُ([2]) النَّاسِ»([3]).

وفي لفظ أبي داود: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النبي صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ رَجُلًا جَمِيلًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى رَجُلٌ حُبِّبَ إِلَيَّ الْجَمَالُ، وَأُعْطِيتُ مِنْهُ مَا تَرَى؛ حَتَّى مَا أُحِبُّ أَنْ يَفُوقَنِي أَحَدٌ -إِمَّا قَالَ بِشِرَاكِ([4]) نَعْلِي، وَإِمَّا قَالَ بِشِسْعِ([5]) نَعْلِي- أَفَمِنَ الْكِبْرِ ذَلِكَ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ بَطِرَ الْحَقَّ، وَغَمَطَ النَّاسَ»([6]).

بهذا اخْتَبِرْ نفْسَك، هل أنت ممن يَرُدُّ الحقَّ إذا سَمِعَه، ولو جاء ممن لا يَوَدُّه؟ قَصَّ اللهُ أخبارَ الأُمَم السابقة، ووَصَفَهُم بأنهم مستكْبِرون؛ لأنهم رَدُّوا الحقَّ، وكم هي المواضع التي يَصِفُ اللهُ فيها فرعونَ بالكِبْر: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ} [القصص:39]؛ وذلك لأنه رَدَّ الحقَّ، وقارونُ خُسِفَ به لأنه رَدَّ الحقَّ حينما قال له قومه: {لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 76، 77]، فقال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلم عِنْدِي} [القصص:78].

إذَنْ، كل مَنْ رَدَّ الحقَّ ففيه صِفَة الكِبْر، فإذا وَجَّهَك أخوك أو أبوك أو زميلُك، أو مَنْ لا يعرفك ورَدَدْتَ الحقَّ ولم تَقْبَلْه ففيك صفة الكِبْر.

تأَمَّلُوا ما جاء في صحيح مسلم من حديث سَلمةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بِشِمَالِهِ فَقَالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ»، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: «لَا اسْتَطَعْتَ»، مَا مَنَعَهُ إِلاَّ الْكِبْرُ. قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ([7]).

فانْظُرْ كيف رَدَّ الحقَّ حينما قال له الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «كُلْ بَيَمِينِكَ»، فَرَدَّه وكَذَبَ وقال أنه لا يستطيع، ولكنه أَنِفَ([8]) أن يُؤْمَرَ، وقد قيل: إنه كان منافقًا، فدعا عليه الرسول صلى الله عليه وسلم.

ما أكثرَ ما نَرَى هذه الصُّوَرَ في رَدِّ الحق، تدخل على المسؤُول وتَنْصَحُه، وتَذْكُرُ له المنْكَر الذي في دائرته، ثم هو يُظْهِرُ لك بطلانَ قَوْلِك بالباطل، بل ويَضْحَكُ على فِكْرِك، ويَصِفُك بالتَّشَدُّد والتَّزَمُّت، وعدم الانْفِتاح والثقافة، بل أحيانًا يُهَدِّدُك بصَلاحِياته، هذا هو الكِبْر وإن نَامَ على الحَصِير؛ حينما تَرَى أنك أَكْبَرُ مِن أنْ تُؤْمَرَ بالحقِّ فأنت مُتَكَبِّر، حينما تَرَى أنك تَعْرِف كلَّ شيء وأنك لا تَجْهَلُ شيئًا، فإذا ما نُبِّهْتَ غَضِبْتَ واسْتَنْكَفْتَ فأنت مُتَكَبِّر، وإذا رأيتَ مِن نفْسِك قبولًا للحق وإذعانًا وتسليمًا فأنت متواضع.

رَوَى الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِه وغيرُه أن مِيزَابًا([9]) للعباس -رضي الله عنه- كان شارِعًا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليَسِيلَ ماءُ المطَرِ منه في مَسْجِد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر بيده([10]) فقَلَع الميزَابَ، وقال: هذا الميزاب لا يَسِيلُ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له العباس: والذي بَعَثَ محمدًا بالحق إنه هو الذي وَضَعَ الميزابَ في هذا المكان، ونزعْتَه أنت يا عمر، فقال عمر: ضَعْ رِجْلَيْكَ على عُنُقِي لِتَرُدَّه إلى ما كان هذا، ففَعَلَ ذلك العباسُ([11]).

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف:146].

بارَكَ اللهُ لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذِّكْر الحَكِيم، أقُولُ ما سَمِعْتُم، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذَنْب وخطيئة، فاسْتَغْفِروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.


الخُطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانِه، والشُّكْر على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشانه، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله الداعي إلى جنته ورِضْوانه، صَلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأعوانِه.

أمَّا بَعْدُ:

إِخْوَتِي في الله: وأما الصفة الثانية التي ذَكَرَها الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهي: احْتِقَار الناس، وهي وَصْفُ إبليس الطَّرِيد، فإنه احْتَقَرَ آدَمَ عليه السلام، وقال: {أَأَسْجُدُ لمنْ خَلَقْتَ طِينًا} [الإسراء:61]، فهو احْتَقَرَ آدمَ فوصفه الله بأنه أَبَى واسْتَكْبَرَ، وكذلك كُفَّار قُرَيْشٍ وقعوا به مع الرسول صلى الله عليه وسلم، {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف:31، 32].

وكَمْ هم الذين يَقَعُون في هذه الصفة دون استشعارِ أنهم مُتَكَبِّرون! كَمْ هم الذين إذا عَلموا أن فلانًا عُيِّنَ في وظيفة جَيِّدَة، أو اسْتُقْبِلَ استقبالًا حاشِدًا، أو أُثْنِيَ عليه في مجلسِ مَنْ يبدأُ بالانتقاص والاحتقار، ما دفعه إلا الكبر فهو يرى نفسه أرفع منه وأعلى.

فالرئيس مع مُوَظَّفِيه لا يَقْبَل منهم أيَّ شيء، بينما مِنْ غيرهم يَقْبَل كلَّ شيء؛ وذلك لأنه يَرَى أنه أرْفَعُ منهم، كلُّ هذا احتقارٌ للناس وتَكَبُّر عليهم، والأشَدُّ أن يكون تكَبُّرُك على والِدَيْك؛ حيث تَرَى أنهما أقَلُّ مِنْ أنْ يأمُرُوك، ويَقْتَرِحُوا عليك، ويُشِيرُوا عليك، فهذا احتقار عظيم.

وقد يَنْشَأُ الكِبْر من مِنْصِبٍ يتولاه الإنسان، فيَرَى نفْسَه أَعْلَى مِنَ الناس طَبَقَةً، فيَكْشِر في وُجُوهِ فُقَراء الناسِ، وربما رَأَى أن الواجبَ ألَّا يَصِلُوا إليه مباشرةً؛ بل لا بد مِنَ الوَساطَةِ بينه وبينهم، ويَحْمِلُه الكِبْر على أن يُحِبَّ في نفسه أنْ يَقُومَ الناسُ له تعظيمًا.

ألَا يُوجَدُ في مجتمعنا مَنْ يَحْتَقِر العَمالَةَ والخادمات، ويُسِيءُ المعاملةَ! وما كَانَ ذلك إلا بسبب تَكَبُّرِه عليهم، وأنه يَرَى نَفْسَه أَفْضَلَ منهم.

في صحيح مسلم عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يَطْوِي الله -سبحانه وتعالى- السَّمَوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الملِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ المتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الملِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ المتَكَبِّرُونَ؟»([12]).

وفي صحيح البخاري عن حارثة بن وهب الخزاعي، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَاعِفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ. أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ([13]) جَوَّاظٍ([14]) مُسْتَكْبِرٍ»([15]).

وفي صحيح مسلم عن أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ»([16]).

 



([1]) البَطَر: التكَبُّر عن الحق. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (بطر).
([2]) الغَمْط: الاستهانة والاستحقار. النهاية (غمط).
([3]) أخرجه مسلم (1/93، رقم91).
([4]) هو أحد سيور النعل التي تكون على وجهها. النهاية (شرك).
([5]) هو أحد سيور النعل، وهو الذي يدخل بين الأصبعين. النهاية (شسع).
([6]) أخرجه أبو داود (4/59، رقم4092).
([7]) أخرجه مسلم (3/1599، رقم2021).
([8]) أي: استنكف واستكبر. المعجم الوسيط (أنف).
([9]) هو ما يسيل منه الماء من موضع عالٍ. فتح الباري (2/577).
([10]) قوله: فقال عمر بيده. قال ابن الأثير في النهاية (قول): الْعَرَبُ تَجْعل القَوْلَ عِبَارَةً عَنْ جَمِيعِ الأفعالِ، وتُطْلِقه على غَيْرِ الكلامِ واللِّسانِ، فَتَقُولُ: قَالَ بيدِه: أَيْ أخَذَ: وَقَالَ بِرْجله: أَيْ مَشَى.
([11]) أخرجه أبو داود في المراسيل (ص239، رقم406)، والحاكم (3/374، رقم5428).
([12]) أخرجه مسلم (4/2148، رقم2788).
([13]) العُتُلُّ: هو الشديد الجافي، والفَظُّ الغليظ من الناس. النهاية (عتل).
([14]) الجَوَّاظ: الجَمُوع المنُوع. وقيل: الكَثيرُ اللَّحم المخْتال فِي مِشْيَته. وقيل: القَصِير البَطِين. النهاية (جوظ).
([15]) أخرجه البخاري (8/20، رقم6071)، ومسلم (4/2190، رقم2853).
([16]) أخرجه مسلم (4/2023، رقم2620).

المرفقات

1775634789_الكبر.docx

المشاهدات 111 | التعليقات 0