اللعن
الشيخ عبدالرحمن بن ناصر آل شبنان المعاوي
الخطبة الأولى:
الحمد لله، هَدَى مَنْ شاء من عباده إلى صالح الأخلاق، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، شهادة نسأل الله أن يُسعدنا بها يوم التلاق، وبعد:
فاتقوا الله -عباد الله – حق التقوى، واستمسكوا من دينكم بالعروة الوثقى، اجعلوا بينكم وبين مناهي ربكم وقاية وحاجزا ينجيكم به الله تعالى يوم معادكم ( وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعۡظِمۡ لَهُۥٓ أَجۡرًا )
أيها المؤمنون:
يجلس الرجل في بيته، فيدخل عليه صبي هائج يفسد عليه نومه أو عمله فيغضب ويصيح: ( لعنة الله عليك) يخرج من المنزل، وبينما هو يقود سيارته يتعدى على أفضليته سائق آخر، فيغضب ويُخرج يده من نافذة السيارة فتنهال عليه اللعنات هو ووالديه وجده إلى سابع جد، وشاب تعلق قلبه بفريقه الكروي قد تجمد أمام الشاشة، ومع كل هجمة ضائعة لعنة للحكم وأخرى للاعب أو الفريق، وتنتهي المباراة وقد سجل الشاب رقمًا قياسيًّا في عدد اللعنات، كلها في صحيفة السيئات.
والله إن العاقل لَيَعْجَبُ كُلُّ العجب مِمَّا يَسْمَعُ مِنْ لَعْنٍ وَسَبٍّ وَتَسَاهُلٍ فِي هَذَا الْمُنْكَرِ الْخَطِيرِ، فَتَسْمَعُونَ -وَلِلْأَسَفِ- مِنْ بَعْضِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ مَنْ يَقَعُ فِي لَعْنِ الْأَبْنَاءِ وَالْبَنَاتِ، وَهُنَاكَ أَصْدِقَاءُ يَسُبُّ وَيَلْعَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرُدُّ عَلَى صَدِيقِهِ بلعن أُمِّهِ وَأَبِيهِ، بَلْ لَرُبَّمَا تَسْمَعُونَ مَنْ أَصْبَحَ يُحَيِّي صَاحِبَهُ عِنْدَ مُلَاقَاتِهِ بِاللَّعْنِ وَهُوَ يَضْحَكُ، وَالْآخَرُ يُبَادِلُهُ بِالْمِثْلِ؛ وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ. بَلْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ هَذَا الْمُنْكَرِ ذَلِكَ الطِّفْلُ الصَّغِيرُ الَّذِي تَرَبَّى وَتَعَوَّدَ لِسَانُهُ عَلَى السَّبِّ وَاللَّعْنِ لِلْآخَرِينَ.
يا عباد الله:
اللعن كبيرة من كبائر الذنوب قال : ( مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: ( نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ ).
اللعن مُنْكَرٍ عَظِيمٍ، تَذْهَبُ مَعَهُ الْحَسَنَاتُ، وَخَصْلَةٍ سَيِّئَةٍ تُغْضِبُ رَبَّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، اللعّان مطرود من رحمة الله التي وسعت كل شيء، كان عبدالملك بن مروان يدعو الصحابية الجليلة أم الدرداء لتبيت مع أهله وتخبرهم بحياة رسول الله فدعا عبدالملك خادماً له فأبطأ عليه الخادم فلعنه فقالت أم الدرداء يا أمير المؤمنين إني سمعت أبا الدرداء يحدث عن رسول الله قوله( لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )
هم مطرودون مبعدون عن رحمة الله فكيف يشفع فيهم الشافعون ولم يرض الله تعالى عنهم، إذا تَفَوَّه الَّاعن باللعنة يَحْدث أمر مهيب فضيع في الكون بيّنه المصطفى فقال:
"إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّمَاءِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا، ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الْأَرْضِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا دُونَهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ، فَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلًا وَإِلَّا رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا"
وأخطر من ذلك وأفضع من يلعن والديه يا ويله ويا شناعة مصيره ومآله فقد صح عن النبي - أنه قال "لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ".
المؤمن عفّ اللسان سليم الصدر ليس بالطعَّان ولا اللَّعان ولا الفاحش ولا البذيء حتى مع الحيوانات والكائنات وكل الموجودات إن قال خيرا وإلا سكت،
هذه امرأة من الأنصار كانت على ناقتها تمشي مع الصحب الكرام فضجرت من ناقتها وغضبت وقالت: حَلْ، اللهُمَّ الْعَنْهَا، فقال : ( خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا، فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ )، قَالَ عِمْرَانُ راوي الحديث : فَكَأَنِّي أَرَاهَا الْآنَ تَمْشِي فِي النَّاسِ، مَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ )
وهاجت ريح عظيمة في المدينة فلعنها أحد الجالسين عِنْدَ النَّبِيِّ - -، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (لَا تَلْعَنِ الرِّيحَ، فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ).
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ مِنْ كُلِّ كَلَامٍ لَا يَلِيقُ، وتدبروا قول رَبُّكُمْ سُبْحَانَهُ: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ واعلموا أن النجاة من كل كرب في أن تُمْسك عليك لسانك وأن تبكِ على خطيئتك ومَنْ صَمَتَ نَجَا ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ .
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق ...........
الخطبة الثانية:
الحمد الذي له ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم، والصلاة والسلام على أشرف الرسل وسيد المرسلين .... صلى الله عليه وعلى آله ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.. وبعد:
أيها الناس:
ثبت عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال "والذي لا إله غيرُهُ ما على ظهر الأرضِ شيءٌ أحوجُ إلى طول سَجنٍ من لسان" وصدق رضي الله عنه ما من شيء يجب على الإنسان مراقبته ومحاسبته الدائمة مثل هذا اللسان .. وهل يورد الناس الموارد السيئة إلا اللسان وهل يُكب الناس على وجوههم إلا حصائدُ هذه الألسن.
عباد الله:
وإن قال قائل أنا ابتليت باللعن منذ صغر سني وأسعى للخلاص من هذه الكبيرة وهذه السيئة فما العمل؟ فنقول باختصار شديد الحل لهذا ولكل معصية وكبيرة :
هو العزم على ترك هذا المنكر، عزيمة صادقة ومحاسبة دائمة.
ثم عليه بإقامة الصلاة كما أمر الله في وقتها وبخشوعها ( اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ ) واللعن قول فاحش ومنكر وكبيرة والصلاة الخاشعة علاجه.
ثم عليك بالدعاء فإنه كاشف كل بلاء والله جل جلاله سميع الدعاء، وإنه إن علم صدقك أعانك وأيدك.
وليعلم المؤمن أن الله قد وصف كتابه العزيز بأنه هدى وبشرى ورحمة للمؤمنين فاليلزم قراءته فإنه يهدي للتي هي أقوم وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا...
ثم مجاهدة النفس على الترك شيئا فشيئا، مع التعويد وإن كان عقاب لنفسك كحرمانها من شيء تشتهيه فهذا من طرق المحاسبة الناجحة المجربة...
اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا .. اللهم قنا شر أسماعنا وأبصارنا وألسنتنا اللهم إنا نسألك قلوبا سليمة وألسنة صادقة قويمة وأنت السميع العليم
المرفقات
1774561570_اللعن.docx