(اللهم إنك عفو)
سامي بن محمد العمر
اللهم إنك عفو
24/9/1477
أما بعد:
فهاهنا سؤال نريد أن نتأمل فيه:
فأعظم الليالي عند الله: ليلةُ القدر،
وأعلمُ خلق الله بما يجب لله في تلك الليلة: محمدٌ صلى الله عليه وسلم،
وأعظمُ ناصح للأمة فيما يقربها من ربها: محمدٌ صلى الله عليه وسلم،
وأحبُّ الناس إليه وأقربُهم مودةً لديه: أمُّنا عائشةُ رضي الله عنها،
وحين نابت عنّا أمُّنا بالسؤال الذي سيبقى مطروحًا إلى أن تقوم الساعة: (يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟)؛ أجابها العالمُ بربه، الناصحُ لأمته، إجابةً مكتملةَ المحبةِ والعلمِ والشفقةِ والرحمةِ والنصيحةِ بأحسنِ وأفضل ِما يُقال، فقال بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم:
((قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي))([1]).
وههنا يبرز السؤال:
لماذا اختار لها – مع كثرة الحاجات وتنوع الطلبات وتعدد الرغبات - أن تطلبَ العفوَ من العفُوِّ سبحانه وتعالى، وتتوسلَ إليه بهذا الاسم العظيم في شأنه وقدره وأثره؟؟
ولا يدعي أحدٌ الإحاطةَ بكل المعاني البديعةِ في هذا الجواب، ولكنْ:
قد شهد العلماء أنه صلى الله عليه وسلم قد دلّ أمته به على كل خير، وفتح لهم به باب كل صلاح وفلاح، وحاز لهم به خيري الدنيا والآخرة.
فإن هذه الليلةَ التي يُدعى فيها بهذا الدعاء ليلةٌ يُفرق فيها كل أمر حكيم، وتقدر فيها مقادير سنة كاملة، فتتطلع قلوب الداعين فيها إلى مطالبَ كثيرة، وحاجاتٍ متعددة، دنيويةٍ وأخرويةٍ، لا يُحسن البعض صياغة أدعيتها جميعًا، ولا يكفي الوقت لسؤالها جميعًا، ولا يعلم الداعي حقيقة انتفاعه بها لو حصلت له، ولا حقيقة ضرره منها لو ذهبت عنه ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
فكان هذا الدعاء هو الدعاء الوافي المختصر، الشامل الكامل، لكل الحاجات والرغبات التي تفيد العبد وفق اختيار الله تعالى له إذا تكرم عليه بالإجابة والقبول.
سؤال العفوِ والعافيةِ يا عباد الله: هو طلب السلامة في الدنيا من الشرور والآفات وفي الآخرة من آثار الذنوب والسيئات، وترك المجازاة على الهفوات، وليس بعد ذلك إلا الرضا عن المعفو عنه، فيعافيه الله في الدنيا من البلاء، ويعافيه في الآخرة من العذاب، ويجمع له خيري الدنيا والآخرة.
عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: "قلتُ يا رسول الله، علِّمنِي شيئاً أسألُه اللهَ عز وجل، قال: ((سَلِ اللهَ العافيةَ))، فمَكثْتُ أياماً، ثمَّ جِئتُ فقلت: يا رسول الله علِّمْنِي شيئاً أسأله اللهَ، فقال لي: ((يا عبَّاسُ يا عمَّ رسولِ الله، سَلُوا اللهَ العافيةَ في الدُّنيا والآخرَة))([2]).
وهذا من أسرار اختيار التوسل باسم الله: (العفُو) من بين أسمائه العظيمة.
فإن العبد الصالح مع شدة اجتهاده وتعبده في أيام رمضان لا يرى لنفسه عملاً صالحاً يمنُّ به على الله تعالى، بل يدخل على ربه من الباب الذي يُحبه منه، وهو: باب الاسترحامِ والاستعطافِ، والاعترافِ بالتقصير، والإقرارِ بالذنب، وإظهارِ الضعف والحاجة والتذلل والخضوع، واحتقارِ العمل في جانب حق الله تعالى.
وهو في الوقت نفسه يتذكر أن اسم الله (العفُو) يعني: المتجاوز عن سيِّئاتِ عبادِهِ، الماحِي لآثارِها عنهم، وهو يُحب - تكرما منه وفضلا - أن يعفو عن عباده، وعفوه عنهم أحب إليه من عقوبته لهم
وكما أن الله يحب العفو أن يفعله مع عباده، فإنه سبحانه يحب العفو أن يُفعلَ من عباده، فاستمعوا إليه يصف أهل الجنة المتقين فيقول ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]، ويأمركم بالعفو فيقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 22].
بلى والله نحب ذلك، فرحم الله من عفا وأصلح، وبادر إلى المسامحة ليسمح الله عنه، وسارع إلى العفو ليعفو الله عنه، وأبدى بعد عسر يسراً، وبعد عداوة وداً، وبعد تحارب اجتماعاً، وبعد تباينٍ اقترابا، تحنُناً وعطفاً، ورأفة ولطفاً.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا
بارك الله لي ولكم...
الخطبة الثانية
أما بعد:
فإن الخيل إذا شارفت على نهاية المضمار بذلت قصارى جُهدها لتفوز بالسباق...
ألا فشمروا أيها المؤمنون لتدارك ما بقي من ليالي شهركم الكريم، وأحِلُّوا في قلوبكم حبَّ الله ولقائه، وأشغلوها بتذكر مصيركم في الدار الاخرة، وألزموها تحمل عناء القيام، وتعب الصيام، حتى تلوح لكم رايات الختام،
ثم طيبوا نفسا بزكاة الفطر، وأحيوا سنة التكبير في ختام الشهر، وقابلوا ربكم في صلاة العيد بالشكر الكثير، والتهليل والتكبير.. لتنالوا منه الفضل الكبير
وتذكروا عباد الله:
أن العبرة دومًا بكمال النهايات لا بنقص البدايات.
وعلى من لم يُحسن استقبال الشهر أن يحسن وداعه.
اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم...
([1]) أخرجه الترمذي (3513) وابن ماجه (3850) وأحمد (25384)، وقال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح".
([2]) أخرجه الترمذي (3514) وقال: "هذا حديث صحيح"، وصححه الألباني.
المرفقات
1773361057_اللهم إنك عفو.docx
1773361075_اللهم إنك عفو.pdf