الله الديَّان

الخطبة الأولى:

الحمد لله رب العالمين، أمر بالبر والإحسان، ونهى عن الظلم والعدوان، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الديان، له الفضل والحمد والعظمة والسلطان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى من تبعهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا... وبعد:

 

إخوة الإيمان:

من أراد السعادة الحقيقية الأبدية فليلزم عتبة العبودية، وليتعرف على رب البرية، فإنه من عرف الله حق معرفته وُفّق لطريق الفلاح، وبلغ الغاية والنجاح، ( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)

أيها المسلمون: ومن أسماء الله تعالى العظيمة الحسنى وكلُّها عظيمة وحسنى اسم الله تعالى ( الدّيان )، والدَّيَّانُ سبحانه هو الذي دَانتْ له الخليقَةُ، وعَنَتْ له الوجوهُ، وَذلَّتْ لِعظمتِهِ الجَبابرةُ.

 مَلِكٌ قاهرٌ على عرشِ السَّماءِ مهيمنٌ      لعزته تَعْنو الوجوهُ وتسجدُ

فهو الدَّيانُ الذي يفصلُ بين العباد يومَ الدِّينِ، كتبَ أعمالَهم فهي حاضرةٌ، ولا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلا أظهَرها لهم في الآخرة، ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴾

اسم الله تعالى ( الدّيان ) قد ذُكر في حديثٍ مليءٍ بالمهابة والإجلال، أخرج أحمد وغيره أن رسولَ اللهِr قال:

(يَحشُرُ اللهُ العبادَ يومَ القيامةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا بُهْمًا ليس معهم شيءٌ، ثُمَّ يُنادِيهم بصوتٍ يسمَعُه مَن بَعُد كما يسمَعُه مَن قَرُب: أنا الدَّيَّانُ أنا المَلِكُ لا ينبَغي لأحدٍ من أهلِ النَّارِ أن يدخُلَ النَّارَ وله عند أحدٍ من أهلِ الجنَّةِ حقٌّ حتَّى أقُصَّه منه، ولا ينبَغي لأحدٍ من أهلِ الجنَّةِ أن يدخُلَ الجنَّةَ ولأحدٍ من أهلِ النَّارِ عنده حقٌّ حتَّى أقُصَّه منه حتَّى اللَّطمةَ)

فقالوا: كيف وإنَّما نأتي عُراةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قال:" الحسناتُ والسَّيِّئاتُ  " وتلا قول الله: ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾

بل إن من كمال مجازاة الرب –سبحانه- في ذلك اليوم أنه يجيء بنفسه يوم القيامة للفصل بين العباد قال الله الملك عن  نفسه: "وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً "

واللبيب الفطن يحسب لهذا اليوم الجليل عدّته، يحاسبُ نفسه ما دام في دار المهلة والعمل..

" وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ ليَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ "

ومن أعظم معاني هذا الاسم الجليل أن الله الديّان هو المحاسب والمجازي مثلا بمثل، وكما قال أبو الدرداء (  البرُّ لا يبلى، والإثم لا يُنسى، والديان لا يموت، فكن كما شئت، كما تدين تدان )

البرُّ لا يبلى خيرا عملته ستجده حاضرا أمامك عند ربك وإن نسيتَه، والإثمُ والخطيئة إن لم تُحدث لها توبة فهي في كتاب لا يَضل ربي ولا ينسى، والديان سبحانه لا يموت رقيب حسيب، فكن كما شئت فكما تدين تدان، كلمة عظيمة جدا كما تدين تدان كما تعامل الناس الديان سبحانه سيعاملك، إذا بررت بوالديك سيسخر الله أولادك ليبرُّوك، تسعى لصلاح أبناء أمتك سيصلح الله ولدك، أمين في نفسك وعملك، سيقيض الله من يحفظ أمرك ويسهل دربك، تسعى لتفريج همِّ كلّ ذي هم، ودين كل ذي دين سيفرج الله همك ويكشف يوماً كربتك، تغضّ طرفك إن رأيت محارم المسلمين سيحفظ الله بناتك ومحارمك من أعين الناس، مِثلاً بمثل وعطاء ربك أكثر وجوده أكرم.

هذا رجل ومثل لعطاء ربك يخبرنا عنه المصطفى فيقول :

إنَّ رجلًا لم يعملْ خيرًا قطُّ، و كان يُداينُ الناسَ ، فيقولُ لرسولِه : خُذْ ما تيسَّر ، و اتركْ ما عَسُرَ و تجاوزْ ، لعل اللهَ يتجاوزُ عنا . فلما هلك قال اللهُ له : هل عملتَ خيرًا قطُّ ؟ قال : لا ، إلا أنه كان لي غلامٌ ، و كنتُ أُدايِنُ الناسَ ، فإذا بعثتُه يتقاضى قلتُ له : خُذْ ما تيسَّرَ ، و اتركْ ما عَسُرَ وتجاوزْ ، لعل اللهَ يتجاوزُ عنا . قال اللهُ تعالى : قد تجاوزتُ عنك..

يا عباد الله: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، الله عدل وفضله سبحانه سبق عدله، وهو الديان لا شيء يعزب عن علمه، يجازي الجزاء الأوفى إن خيرا فخير وإن كان غير ذلك فلا يلومن العبد إلا نفسه...
(  البر لا يبلى، والإثم لا ينسى، والديان لا يموت، فكن كما شئت، كما تدين تدان )

 

اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أعمارنا أواخرها، وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم اغفر لنا ما مضى وأصلح لنا ما بقي، ووفقنا لما تحب وترضى

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله .. أما بعد:

من أعظم آثار الإيمان باسم الله الدّيان: تسلية المظلومين والمقهورين في هذه الدنيا، وذلك بأن هناك يومًا لا ريب فيه سيقتص فيه الديان –سبحانه- من الظالمين ويشف صدور المظلومين، إن لم ينصرهم في هذه الدار أو كان الموعد يوم القرار.

( وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ)

وإذا كان الدّيان –سبحانه- سيقتص للحيوانات بعضُها من بعض فكيف بالإنسان المسلم المكرم؟! قال عليه الصلاة والسلام:

"لتُؤدُّنَّ الحقوقَ إلى أهلِها يومَ القيامةِ، حتَّى يُقادَ للشَّاةِ الجلْحاءِ من الشَّاةِ القرْناءِ" أخرجه مسلم.

هذا بين الحيوانات التي لا تعقل ولا تفقه، سيأخذ الله من قويّها لضعيفها مِثلا بمثل، فكيف بمسلم مكرم، كيف بمؤمن أو مؤمنة مظلوم مقهور، كيف بمن يُقتل أو يُخرج أو يُعذب أو يُجَوَّع، والله لينصرنهم الله عاجلا أو يوم يلقونه، لا تحسبوا عباد الله أن دماء المسلمين المظلومين المقهورين وتجويعهم وإخراجهم من ديارهم أمر هيّن على الله، لا والله ثم لا والله ورسول الله قد قال:  

( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار)

 بل الله رقيب عليهم لا يخفى عليه من أمرهم شيء حكيم في قَدَرِه، رحيم بعباده، غيور عليهم، عليم بالظالمين، يمهلهم ولا يهملهم حتى إذا أخذ، أخَذَ أخْذ العزيز المنتقم القهَّار الجبار الديان المقتدر، وكلٌ سيسأله الله، ولن يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

                   ستعلم في الحساب إذا التقينا           غداً عند الإله من الملومُ

       أمَا واللَّهِ إنَّ الظُّلمَ لُؤمٌ                         وما زال المُسيءُ هو الظَّلومُ
   إلى دَيَّانِ يومِ الدِّينِ نَمضي                  وعندَ اللَّهِ تجتَمِعُ الخُصومُ

اللهم أنج إخواننا المستضعفين في كل مكان اللهم كن لهم عونا ونصيرا ......

المرفقات

1774561677_الله الديَّان.docx

المشاهدات 145 | التعليقات 0