المسجد في الإسلام

د. منصور الصقعوب
1447/11/05 - 2026/04/22 10:50AM

 

حين هاجر النبي صلى الله عليه وسلم كان أولُ مشروعٍ أراد إقامته أن يقيم مسجداً يجتمع فيه الناس، فحين قدم المدينة مشت به راحلته وظلت تسير والناس جنبتيها، كلٌ يريد أن تقف في رحاله، لكنها مضت حتى وقفت في المكان الذي أراد الله لها.

اختار صلى الله عليه وسلم بقعة لقومٍ من بني النجار، واجتمع الصحابة لبنائه، حتى أتموه فكان موئلَ الناس وملتقى المؤمنين ومجلسَ سيد المرسلين وبيتَ رب العالمين.

المسجد أيها الكرام أطهرُ بُقعةٍ في الأرض، وأحبُّ مكان لله، وفيه تطمئن نفوس المؤمنين، وفي رحابه تتعلق قلوبهم، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من الذين يظلهم الله في ظله (رجل قلبه معلق بالمساجد)، كلما نودي للصلاة سارع بشوق، وإذا قُضِيَتْ ظل القلبُ معلقاً بالمسجد، وأخبر الله عن قلوب المؤمنين بأنها لا يشغلها عن المساجد شاغل، فإذا سَمِعَت النداء هرعت لتقابل رب السماء (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار [النور:36، 37].

جعل الله لمن خرجوا إلى المساجد في ظُلَمِ الليل الكرامةَ بالنورِ التامِّ يوم القيامة، وأكرَم من بقي في بيت الله بصلوات الملائكة ودعائها، فلا تزال تدعو لهم ما لم يخرجوا أو يُحدِثوا.

المساجدُ شهد الله تعالى لِعُمّارِها بالإيمان فقال (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله) [التوبة:18]

ووعد من بنى المسجد بالأجر الجزيل، فقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ»

ولا يلج امرؤٌ المسجدَ في ليل أو نهار إلا والله يُعِدُّ له النُزُلَ في الجنة بقدر دخوله، ((من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح)) متفق عليه.

في المساجد تحلّ السكينة، وتهبط الملائكة، في المساجد تزكو النفوس ، ويجد المؤمن راحته؛ فحين تنغلق أبواب الخلق، يجد في بيت الله الملاذ والطريق لمناجاة الملك سبحانه، فلا بابَ يوصد، ولا حاجِبَ يمنع.

وفي المساجد يتعارف المسلمون ويتآلفون، ويتعاونون ويتزاورون، يُفقد المريض فيزار، والمقصر فينصح.

المسجد في الإسلام له شأن وقدر واهتمام، كانت المساجد ليست للصلاة فحسب، بل كذلك للتعلم والتدريس ولعقد الألوية والرايات، ولاجتماع القادة وإرسال الغزاة، وللتربية والتوجيه، فتخرّج من المسجد أجيالٌ من قادة وعلماء، ملؤوا الدنيا علماً وتعليماً وفتوحات.

لأجل هذا معشر الكرام فبيوت الله لها قدر، وعلى من أتاها أن يُعظِّمها ويتحلى بآدابها، وفي سنة الرسول الكريم عليه الصلاة والتسليم تأكيدٌ على آدابٍ عديدة قمنٌ بالداخل للمساجد تعاهدها والاعتناء بها:

فحين يدخل فيه يُقدِّم يمينه، ويذكرُ دعاء الدخول، قال صلى الله عليه وسلم: " إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ، فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ "

فإذا دخل صلى تحية المسجد ركعتين، وفي الصحيحين «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ»

وينبغي أن يُحسِن ملبسه حين يأتي مسجده، ويأخذَ زينته لبيت ربه، فهو يقابلُ ربه وملائكتَه والصالحين من عباده، وفي القرآن (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)

وقد قَالَ ابْنُ عُمَرَ لِغُلَامِهِ نَافِعٍ لَمَّا رَآهُ يُصَلِّي حَاسِرًا: أَرَأَيْت لَوْ خَرَجْت إلَى النَّاسِ كُنْت تَخْرُجُ هَكَذَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَاَللَّهُ أَحَقُّ مَنْ يُتَجَمَّلُ لَهُ.

ومن حقِّ المساجد أيها الكرام أن يُعتنى بتنظيفها وتطييبها، والمرءُ مأجورٌ بكل قذاةٍ من المسجد يزيلها، أو ذرّةِ طيبٍ في المسجد يضعها، وفي السنن أن عائشة رضي الله عنها قالت "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور- أي الأحياء- وأن تنظف وتطيب" فهنيئاً لمن ساهموا في تهيئة بيوت الله، ومن وفقهم الله لخدمة مساجده والسعي لراحة المصلين، ولإكرام بيت رب العالمين، فتلك الكرامة وذلكم الشرف .

 

الخطبة الثانية: امرأةٌ سوداء كان صلى الله عليه وسلم يراها في المسجد، إذا وجدت أذى رفعته، أو قماماً أزالته، ظلت على ذلك حتى افتقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سأل عنها، فقالوا ماتت، فتعجب قائلاً أفلا كنتم آذنتموتي بموتها، فكأنهم حقّروا شأنها، فمضى ومعه الصحابة يحثون الخطى نحو المقبرة، وقف على قبرها، كبّر صلى الله عليه وسلم مصلّياً عليها داعياً لها، ثم مضى بمن معه، لم يكنْ لتلك الجارية السوداء من شأنٍ إلا أنها تَقُمّ المسجد وتنظفه، وكفى به مِن شرف، فاستحقت ذلك التتويج منه صلى الله عليه وسلم بصلاته عليها، والشرف عند الله أعظم.

عباد الله: وللمساجد قدر ينبغي أن يرعى، فلا تهان المساجد ولا تهمل، بل ترعى أعظم مما ترعى البيوت.

وليس من رعاية حُرمة المسجد أن يُدفَن فيه الأموات وتوضعَ فيه القبور، وفي الصحيحين أن أم سلمة وأم حبيبة أخبرتا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كنيسة بأرض الحبشة فيها تصاوير فقال صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ »

وكم بليت كثير من مساجد المسلمين بهذا الداء، وكم نادى المحققون من العلماء في التحذير منه، وسليمُ العقيدة ينأى بنفسه عن الصلاة في المساجد التي ضمّ ثراها القبور، وفي بيوت الله غيرها فسحة.

والإزعاجُ في المساجد برفع الأصوات وتعالي الضحكات؛ ليس من رعاية حُرمَةِ المسجد، وقد سمع عمر بن الخطاب رجلين يرفعان أصواتهما في المسجد وليسا من أهل المدينة، فوبّخهما وقال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والأمر يشمل جميع المساجد، لكنّ لمسجد المدينة الأمر الأغلب، وقد بوب البخاري على الحديث" باب رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسَاجِدِ"

معشر الكرام: وتخطي رقاب المصلين مما نُهي عنه المرء في المسجد، وقد رأى صلى الله عليه وسلم رجلاً يتخطى الرقاب فقال له «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ» رواه أبو داود

واستغلال الجَمع في المسجد بالدعاية لأمور الدنيا، وناشدان الضالة المفقودة، مما ينهى عنه في المساجد، وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: « مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً فِى الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ لاَ رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا »

والحديثُ في أمور الدنيا والبيع والشراء وعقدُ الصفقاتِ في المساجد مما نهينا عنه، وقد سَمِعَ عمر رضي لله عنه قوماً يتكلمون بالتجارة في المسجد فقال: إنما بُنِيَت المساجد لذكر الله، فإذا أردتم أن تذكروا تجاراتكم فاخرجوا إلى البقيع.

عباد الله: ولم يرع حق المسجد من جاء إليه ورائحته تفوح من الثوم والبصل وغيره مما تُذم رائحته وتستقبح، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يَعْنِى الثُّومَ - فَلاَ يَأْتِيَنَّ الْمَسَاجِدَ »  فكن على حذر أن تؤذي المصلين والملائكة بأي رائحة مستكرهة، فهم وفد الله وفي بيته فأكرم أضيافه.

والبزاق في أرض المسجد خطيئة، وهو من مساويء الأعمال إذا لم يدفن، وفي الصحيح « عُرِضَتْ عَلَىَّ أَعْمَالُ أُمَّتِى حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِى أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِى الْمَسْجِدِ لاَ تُدْفَنُ ».

وليس من رعاية قدر المسجد أن يعلم الأب أن أولاده يشغلون المصلين ويعبثون في المسجد وهو لا يمنعهم والحقُّ المتعينُ على الولي أن يغرس في نفوس الصغار تعظيم بيوت الله، وعدم العبث بها، فهي أشرف على المؤمن من بيته.

وبعد أيها الكرام: فالمسجد له رسالة عظيمة في دين الإسلام، ليست الرسالةُ بحسن بنائه، أو ارتفاع عُمُده أو إبداع زخارفه، بل بما يكون فيه من الخير والنور، وليس المسجدُ مكانَ صلاةٍ فحسب، بل مكانَ تربية ومقرّ علم ومعرفة وموطنَ إصلاح واجتماع، وحين تريدُ الأمة العودة لميدان التأثير فعبر بوابة المسجد تكون العودة.

 

المرفقات

1776844139_المسجد في الإسلام.pdf

المشاهدات 631 | التعليقات 0