الهمّ

الخطبة الأولى:

الحمد لله المتصف بصفات الكمال عزةً وقوةً وكبرياءً، به نصول وبه نجول، وبه نؤمّل دفع الكروب شدةً وبلاءً، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله أفضل هذه الأمة قدوةً واصطفاءً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وعلى من سار على نهجه صلاةً وسلاما يزيده بهجة وبهاءً ونورًا وضياءً ... وبعد عبادَ الله:

المرء ما دام ذا روحٍ يقلِّبها فهو يعيش على أمرٍ قد قُدِر، لا يخلو فيه من مصيبة، وقلّما ينفك عن عجيبَة، أفكار وخواطر وحوادث تجعل الإنسان في قلق عظيم وفي هاجس كبير يسمى الهمُّ.

نعم الهم ذاك الشعورٌ الذي يعتري المرء فيودِع في نفسه الحزنَ فلا يهنأ حينَها بنوم ولا بطعام ولا شراب.

الهمّ الذي يجعل البالَ مشتَّتا والفكرَ مشغولا، يضيِّق على المرء الواسعةَ بما رحبت؛ فيصير صدره ضيِّقًا حرجًا كأنما يصَّعَّد في السماء حتى يكون حرضًا أو يكون من الهالكين.

ومَن منّا يا ترى الذي عاش عمرَه بلا همٍّ، كلٌّ على قدَره وقدْره، فهذا عليه ديونٌ، وذاك مِن المرض لا يقوم، وذاك في غياهت السجون، وتلك يُؤرِّقها هَمُّ الزواج، وغيرهم يشتكي النفقةَ على العيال، وللأبوان همومٌ لا يعلمها إلا الله، والكلُّ يُصابر ظروفَ معيشته، ويتعب ويكد، وهو مِن ذلك في ضيقٍ وكبد!

هو الهمَّ جندي من جنودِ الله يبتلي به عباده لينظر ما يعمَلون، وهذا كتاب ربنا وسنة نبينا ما تركت داجة ولا حاجة إلا أعطتنا منها خبرا فدعونا نتأمل ما جاء فيهما لعلنا نخرج من هذه الجمعة وقد عولجت الهموم ودفعت الكروب ....

أول الفرج من الهموم أن يستقرّ في قلبك يا عبد الله أن لا كاشف لنا ولا مفرج لهمومنا إلا الله سبحانه عليه المتكل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ )

(وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ )

إن أردت سعادة لا شقاء بعدها ففوض أمرك إلى الله، اعترف بتقصيرك وبضعفك وبحاجتك وبفقرك إلى الله إلى الله اللطيف الخبير...

تذلل إلى من تفرد بالكمال المطلق في كل شيء، وهو المستغني عن كل شيء، ومن سواه مفتقر إليه في كل شيء، تعرف إلى ربك في رخائك وشدتك تجده أقرب إليك من حبل وريدك، أنزل حاجتك بصدق وإخلاص إلى من  يصمد إليه الناس كل الناس في حوائجهم، وسائر أمورهم، هو المقصود في الرغائب، والمستغاث به عند المصائب، لا غنى لنا عنه طرفة عين ولا أقل من ذلك ...

مرَّ إبراهيم بنُ أدهم على رجلٍ مهموم فقال له: إني سائلُك عن ثلاث فأجِبني، قال: أيجري في هذا الكون شيء لا يريده الله؟ أوَينقص من رزقِك شيءٌ قدَّره الله؟ أوَينقص من أجَلك لحظة كتَبها الله؟ فقال الرجل: لا، قال إبراهيم: فعلام الهم إذن؟!

يا من عظُمَ الهم في قلبه، يا من ضاقت عليه الأرض بما رحبت: فوض أمرك كل أمرك عبد الله لله، ووالله مالنا غير الله جل في علاه ننطرح ببابه ونلوذ بجنابه فيكشف كربتنا ويزيل وحشتنا ويفرج همنا ويصلح ولدنا ويقضي ديننا، سجدة خالصة صادقة منك تزيح عظيم همك وتكشف جليل كربك...

اطمئن ثم اطمئن فكل أمرك قد قدر، كل أمرك قد قدره الله وقضاه، رزقك لن تموت حتى تستوفيه، وأجلك وأجل من تحب لا يتقدم ولا يتأخر، إن آمنت بربك كانت كل أقدار ربك لك خيرا، إن أصابتك السراء شكرت وإن بُليت بالضراء صبرت واحتسبت، وإنّ الحوادث والمصائب وإن عظمت وطمت فلن ينالك منها إلا ما كُتب لك، ولن يُصرف عنك منها إلا ما كتِب أن يُصرَف عنك، فعلام الهم إذن يا عبد الله ؟! وأعظم يقين المؤمن في قوله سبحانه  وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ  

اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ....

 

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله واسع الفضل والإحسان، وصلى الله وسلم على خير ولد عدنان صلى الله عليه صلاة دائمة على مرّ الدهور والأزمان، وعلى آله وصحبه المتبعين له بإحسان... وبعد:

مَنْ يَسْمَعُ دبيبَ النملةِ السوداءِ في الليلةِ الظَّلْماءِ على الصخرةِ الصماءِ، من يُطعمُها ويسقيها ويَتَوَلَّى أمرَها؟ أليس يراك ويسمع صوتك ونَجْواك؟ أفي الله يا عباد الله شَكّ؟!

لا والذي رفَع السماء بلا عمدٍ، وجَعَل لها رواسيَ ووتد، إنه الله الواحد الأحد الصمد إذا تقربت إليه شبرا تقرب إليك ذراعًا، وإذا تقربت إليه ذراعًا تقرب منك باعًا وإذا أتيته تمشي أتاك هرولة ....

فاستمسك يا عبد الله بحبل الله وبسنة رسول الله وأكثر من الاستغفار فهو علاج عظيم للهموم فقد ورد أن رسول الله  قال: ((مَنْ لزِم الاستغفارَ جعلَ الله له من كلِّ ضيقٍ مخرجَا، ومنْ كلِّ همٍّ فرَجا، ورزقَه من حيث لا يحتسب)) 

ثم عليك بهذا الذكر العظيم الذي ما تركه الحبيب    في قوله: ((مَنْ قال إذا أصبحَ وإذا أمْسى: حَسبِي الله لا إلَه إلا هو عليه توكلتُ وهو ربُّ العرشِ العظيم سبع مرات كفاه الله ما أهمّه)) رواه أبو داود.

 

ودخل رسول الله    المسجدَ ذات يوم فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة، فقال: ((يا أبا أمامة، ما لي أراك جالسًا في المسجد في غير وقت الصلاة؟!)) قال: همومٌ لزِمتني وديون يا رسولَ الله، قال: ((أفلا أعلِّمك كلامًا إذا قلتَه أذهبَ الله همَّك وقضى عنك دينك؟)) قال: بلى يا رسولَ الله، قال: ((قل إذا أصبحت وإذا أمسيتَ: اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن، وأعوذ بك من العَجز والكسَل، وأعوذ بك من الجبن والبُخل، وأعوذ بك من غلَبةِ الدين وقهرِ الرجال))، قال أبو أمامة: ففعلتُ ذلك، فأذهب الله همّي وقضى عني ديني. رواه أبو داود.

ثم اعلموا رحمني الله وإياكم عبادَ الله أنَّ من أعظم مزيلات الهموم الإكثار من الصلاة على الحبيبِ المصطفى صلوات الله وسلامه عليه فهي سبَبٌ في الأنسِ وكفاية الهمّ؛ فقد قال رجل للنبي  : يا رسول الله، أرأيتَ إن جعلتُ صلاتي كلّها عليك –أي: أجعل دعائي كله صلاة وسلاما عليك -، فقال  : ((إذن يكفيك الله تبارك وتعالى ما أهمّك من دنياك وآخرتك)) رواه أحمد.

 

يا صاحبَ الهمِّ إنَّ الهمَّ مُنْفَرِجٌ           أَبْشِرْ بخيرٍ فإنَّ الفارجَ اللهُ 

اليأسُ يَقْطَعُ أحيانًا بصاحِبِهِ            لا تَيْئَسَنَّ فإنَّ الكافيَ اللهُ 

اللهُ يُحْدِثُ بعدَ العُسرِ مَيْسَرَةً         لا تَجْزَعَنَّ فإنَّ القاسمَ اللهُ 

إذا بُلِيتَ فثقْ باللهِ، وارْضَ بهِ     إنَّ الذي يَكْشِفُ البَلْوَى هو اللهُ 

واللهِ مَا لَكَ غيرُ اللهِ مِن أحدٍ         فحَسْبُك اللهُ في كلٍّ لكَ اللهُ

المرفقات

1774562843_الهمّ.docx

المشاهدات 114 | التعليقات 0