بر الوالدين

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي وفق من شاء من عباده لمكارم الأخلاق، وهداهم لما فيه فلاحهم في الدنيا ويوم التلاق، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الكريم الخلاق، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الخلق على الإطلاق، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً... وبعد: عباد الله:

روى البخاري أن رجلا جاء إلى عبدالله بن عباس رضي الله عنهما فقال : إني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني وخطبها غيري فأحبت أن تنكحه ، فغرت عليها فقتلتها فهل لي من توبة ؟ قال : أمك حية ؟ قال : لا . قال : تب إلى الله عز وجل وتقرب إليه ما استطعت . فسئل ابن عباس : لم سألته عن حياة أمه ؟ فقال وهو الصحابي الذي دعا له رسول الله أن يعلمه التأويل فكان حبر الأمة وعالمها قال : ( والله إني لا أعلم عملا أقرب إلى الله عز وجل ولا أحب إليه من بر الوالدة ) .

يا عباد الله:

بر الوالدين سباق يتنافس فيه الصالحون، ويتبارى فيه المؤمنون، يرسمون صورا من البر لا يكاد ينتهي حسنها عند حد، كم من الآيات والأحاديث التي تعظم حق الوالدين وتقرنه بحق الله تعالى، سمع رسول الله قراءة حارثة بن النعمان في الجنة فقال : ( كَذَلِكُمُ البِرُّ ، كَذَلِكُمُ البِرُّ ) يعني كذلك من برّ والديه يرفع الله مقامه ويعلي درجته في أعالي الجنان..

ما أعظم إحسان والدينا علينا يا عباد الله، كم لهم علينا من الأفضال التي لا عد لها ولا حصر، تلك الأم العظيمة حملتك في أحشائها تسعة أشهر، وهناً على وهن، حملتك كرهاً ووضعتك كرهاً، ولا يزيدها نموك إلا ثقلاً وضعفاً.

وعند الوضع رأت الموت بعينها. ولكنها لما بصرت بك إلى جانبها سرعان ما نسيت آلامها، وعلَّقت فيك آمالها. رأت فيك البهجة والحياة وزينتها، ثم شغلت بخدمتك ليلها ونهارها، تغذيك بصحتها وعافيتها،طعامك دَرُّها، وبيتك حِجرها، ومركبك يداها وصدرها وظهرها، تحيطك وترعاك، تجوع لتشبع أنت، وتسهر لتنام أنت، فهي بك رحيمة، وعليك شفيقة، إذا غابت عنك دعوتها فأجابت، وإذا أعرضت عنك ناجيتها فأنصتت، وإذا أصابك مكروه استغثت بها فلبّت، تحسب أن الشر لا يصل إليك إذا ضمتك إلى صدرها أو لحظتك بعينها.

أما أبوك فهو حكاية الحنو والشفقة والحنان، والحزم وكله لك إحسان، أنت له مجبنة محزنة مبخلة، يكد ويسعى، ويدفع عنك صنوف الأذى، يكفي أنه الوحيد في عالمك كله الذي يتمنى أن تكون أنت خيرا منه.

 هذان هما والداك، وتلك هي طفولتك وصباك، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟

تواضع لهما، واخفض لهما جناح الذل رحمة وعطفاً وطاعة وحسن أدب، وإن أقبلا على كبر السن ورقة العظم، فاذكر قول ربك:  إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ   (عندك) تدل على التجائهما واحتمائهما وحاجتهما، فلقد أنهيا مهمتهما، وانقضى دورهما، وابتدأ دورك، وها هي مهمتك:  فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ادفع عنهما الأذى فقد كانا يدفعانه عنك، لا تحدثهما بغلظة أو خشونة أو رفع صوت أو حدة بصر، جنبهما كل ما يورث الضجر:  فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ   تخير الكلمات اللطيفة، والعبارات الجميلة والقول الكريم.

قال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن لي أماً بلغ منها الكبر أنها لا تقضي حوائجها إلا وظهري لها مطية، فهل أديت حقها؟ قال: لا. لأنها كانت تصنع بك ذلك وهي تتمنى بقاءك، وأنت تصنعه وأنت تتمنى فراقها، ولكنك محسن، والله يثيب الكثير على القليل.

اعلم عبد الله وفقك الله أن من برَّ بوالديه بر به بنوه، ومن عقهما عقوه، ولسوف تكون محتاجاً إلى بر أبنائك، وسوف يفعلون معك كما فعلت مع والديك، وكما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل. يقول عليه الصلاة والسلام: ((ما من ذنب أجدر أن تعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم)).

وإن أكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين، بهذا صح الخبر عن سيد البشر   قال كذلك:

 ((يا معشر المسلمين إياكم وعقوق الوالدين، فإن ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام، والله لا يجد ريحها عاق))

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:  وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰاهُ وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا  وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا  رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَـٰلِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلاْوَّابِينَ غَفُوراً  

اللهم بارك لنا في القرآن العظيم وفي سنة سيد المرسلين وانفعنا بهما أجمعين أستغفر الله لي ولكم

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي لا يضيع أجر من أحسن عملا، وصلى الله وسلم على من أُرسل ليتمم مكارم الأخلاق وبعد:

فيا إخوة الإيمان:

اعلموا أن بر الوالدين فريضة لازمة، وأمر محتم، وهو سعة في الرزق، وطول في العمر، وحسن في الخاتمة. قال    : ((من سره أن يُمد له في عمره ويوسع له في رزقه ويُدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه)). والوالدين أقرب الناس إليك رحماً.

يا أيها البارُّ بوالديه: تذكَّر قول مولاك -جل في علاه وتقدس في سماه-: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) تخلَّق بالذل بين يديهما بقولك وفعلك، لا تَدْعُهما باسمهما؛ بل نادهما بأحب الأسماء إليهما، لا تجلس قبلهما، ولا تمشِ أمامهما، قابلهما بوجه طلق وابتسامة وبشاشة، تشرف بخدمتهما، وتحسس حاجاتهما، اترك كل ما يشغلك أمامهما، والله ما برهما من اشتغل بجواله بين يديهما، فهو في الجسم معهما حاضر والقلب إلى غيرهما مقبل، وما هذا والله بر...

إن طلبا فبادر أمرهما، وإن سقما فقُمْ عند رأسهما، أَبْهِجْ خاطرهما بكثرة الدعاء، أدخل كل الأخبار السارة إلى قلوبهما؛ والهدية لها أعظم الأثر، والعطية لها وقع المطر، فأكرم نفسك بإكرامهما وردِّد في صبحٍ ومساءٍ: (رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)

 

أيها البارُّ بوالديه: إن كان أحدهما أو كلاهما ممن قضَى نَحْبَه ومضى إلى ربه؛ وغاب عنك طيفه، فأكثر من الدعاء والاستغفار له، وجدِّد برَّك بهما بكثرة الصدقة عنهما، وصلة أقاربهما.

 جاء رجلٌ إلى النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: "يا رسول الله هل بقي من برِّ أبويَّ شيءٌ أبرُّهُما به بعد موتِهما؟" قال: "نعم؛ الصلاة عليهما ـــ يعني الدعاء لهما ـــ والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدِهِما من بعدهما، وصلة الرَّحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما".

اللهم اغفر لنا ولوالدينا اللهم يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما اللهم ارحمهم كما ربونا صغارا، واغفر لهم أحياء وأمواتا اللهم أعنا على برهم وأقر العيون بعافيتهم وشفائهم، اللهم من أفضى إليك فافسح له في قبره واجعل قبره نورا وبهجة وسرورا اللهم أسكنه فسيح الجنات وارفعه عالي الدرجات يا واسع العطايا والهبات... 

المرفقات

1775493091_بر الوالدين.docx

المشاهدات 107 | التعليقات 0