بيوت الله المساجد

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أما بعد:

فإن المساجد يا عباد الله أحب البقاع إلى الله، ومن محاب الله تعالى بناؤها وتشييدها قال المصطفى ﷺ: (من بنى لله مسجداً يبتغى فيه وجه الله ولو كمفحص قطاة لبيضها أو أصغر بنى الله له بيتاً مثله في الجنة)  هذه القطاة التي تحفر لبيضها ما تركد عليه مبالغة في بيان فضل إعمار المساجد ولو كانت صغيرة.

وقوله: (من بنى لله) معناه: أخلص النية فيه بناه لوجهه سبحانه وحده، قال بعض العلماء: من كتب اسمه على مسجدٍ بناه فهو بعيد عن الإخلاص، والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا فينبغي أن يكون بناؤها من مال حلال خالص، ويجب أن تبنى المساجد في الأمصار والدور والأحياء، وقد جعل الله أجر بنائها مستمر حتى بعد ممات الباني لقوله ﷺ: (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته .... وذكر منها أو مسجداً بناه)  وهو حديث حسن.

(  إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِين)

أيها المسلمون:

إن للمساجد في الشريعة آداب وأحكام:

أولها: الإخلاص في حضورك للمسجد قال ﷺ: ( من أتى المسجد لشيءٍ فهو حظه )  أي: يعني فهو لنيته التي جاء من أجلها، فمن أتاه لصلاة حصل له أجرها، أو تعلم العلم، أو إرشاد جاهل حصل له ذلك، ومن أتاه من أجل مقابلة أحد لمصلحة، أو فرجة، أو إنشاد ضالة، أو مد اليد لسؤال الناس، فليس له من حظٍ إلا ما نواه.

وثاني الآداب وما أشد التقصير فيه كمال زينة المسلم عند حضوره لهذا المشهد العظيم: ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) ولهذه الآية ولفعل رسول الله وفعل الصحابة والصالحين الخاشعين يُستحب التجمل عند الصلاة، من إسباغ الوضوء، والطيب، والسواك، ولبس الثياب الحسنة، وخصوصاً البيضاء لقوله ﷺ: (إلبسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم)

ويستحب تنظيف المساجد وتطييبها وتجميرها كل حين، وينبغي أن تصان عن كل وسخٍ، وقذرٍ، وعيدانٍ، ومخاطٍ، وتقليم أظفارٍ، وشعرٍ، ورائحةٍ كريهة، وقد قال ﷺ: عرضت علي أمتي بأعمالها حسنها وسيئها فرأيت في محاسن أعمالها إماطة الأذى عن الطريق، ورأيت في سيئ أعمالها النخاعة في المسجد لم تدفنحديثٌ صحيح، قال النووي: ظاهره أن الذنب لا يختص بصاحب النخاعة بل يدخل فيه كل من رآها ولم يزلها.

 ومن الآداب العظيمة لمن حضر المسجد قوله عليه الصلاة والسلام :من أكل من هذه البقلة الثومِ والبصلِ والكراث فلا يقربن مساجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، وقال: من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئاً فلا يقربن في المسجد، يا أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله، ولكنها شجرةٌ أكره ريحها رواه الإمام أحمد ومسلم ، 

 كم يتأذى المسلمون من الروائح الكريهة من المصلين الذين لا يبالون بمثل هذه الأوامر النبوية الواضحة الصريحة، فهذه الملائكةُ وهؤلاء المصلون يتأذون بذلك، وكل ما كان يؤذي المصلين من رائحة بصل أو ثوم أو دخانٍ أو غير ذلك من أنواع العرق، وروائح الجوارب والآباط لابد أن تزال، ويحرص على عدم أذية المصلين بها.

 

 

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه وبعد:

الإسلامُ أعلَى مكانَة المساجد فجعلها بيت كل تقي، وعظَّم من يقوم بخدمَتِها، سأَلَ - عليه الصلاة والسلام - عن امرأةٍ كانت تقُمُّ مسجِدَه، فقالوا: ماتَت، فقال: «دلُّونِي على قبرِها»، فدلُّوه فصلَّى عليها) رواه البخاري.

 

وفي منازل يوم القيامة وكربات مواقفها، وأهوال مشاهدها، يكون من كان قلبُه معلقًا بالمساجد في ظل الرحمن، آمنًا مطمئنًّا، قال صلى الله عليه وسلم «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ، وذكر منهم: وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ"

قال ابن رجب رحمه الله في وصف الرجل المعلَّق قلبُه بالمساجد: فهو يحب المسجد ويألفه لعبادة الله فيه، فإذا خرج منه تعلَّق قلبه به حتى يرجع إليه، وهذا إنما يحصُل لمن ملَك نفسه وقادها إلى طاعة الله فانقادت له، فإن الهوى إنما يدعو إلى محبة مَواضِع الهوى، واللعب والتجارة واكتساب الأموال، فلا يَقْصُر نفسه على محبة بيوت الله إلا من خالف هواه، وقدَّم عليه محبةَ مولاه، فهو ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾  وقد جاء في الحديث العظيم قوله عليه الصلاة والسلام (  لا يُوَطِّنُ الرجلُ المساجدَ للصلاة والذكر إلا تَبَشْبَشَ اللهُ به مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ، كما يتبشبش أَهْلُ الغائب بغائبهم إذا قَدِم عَلَيْهِمْ(

وصلُّوا رحمكم الله...

المرفقات

1777107070_بيوت الله المساجد.docx

المشاهدات 43 | التعليقات 0