تعظيم قدر الصلاة والمُصلين 7 / 11 / 1447هـ
د عبدالعزيز التويجري
الخطبة الأولى: تعظيم قدر الصلاة والمُصلين 7 / 11/1447هـ
الحمد لله الذي لا يبلغُ مِدحَتَه القائلون، ولا يُحصِي نعماءَه العادُّون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عظيم في ربوبيته، عظيم في أولوهيته، عظيم في أسمائه وصفاته، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه و من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون ...أخرج الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ r، قَالَ: «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ
أَسْوَاقُهَا» ليس بقعة أحب إلى الله من بيوته ، وليس روادٌ أكرم من روادها ..
أولئك قوم شيّد الله فخرهم *** فما فوقه فخر وإن عظم الفخر
بيوت الله دور العبادة ، ومنارات الهدى، واعلام الدين ، بيوت الله هي المساجد التي يغشاها المؤمنون الراكع منهم والساجد،ويتزاحم فيها العابد والتائب، ليرتفعوا عند ربهم في أعلى المراتب، مخلفين الدنيا وراء المناكب..
المساجد ملتقى القريب والبعيد، والغني والفقير ، تراهم سواسيةَ امام عظمة الله يركعون ويسجدون وبحمده يسبحون، يُذكر فيها اسمه، ويجزل فيها قسمه {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ}
يمشون نحو بيوت الله إذ سمعوا الله أكبر في شوق وفي جذل
أرواحهم خشعت لله في أدب قلوبهم من جلال الله في وجل
نجواهم: ربنا جئناك طائعـــــــــة نفوسنا ، وعصينا خادع الأمل
هم الرجال فلا يلهيهم لعــــب عن الصلاة ، ولا أكذوبة الكسل
بيوت الله هي محالّ البركات، ومواطن العبادات، ومصاعد الكلم الطيب والعمل الصالح، وأسواق الآخرة التي يعقد فيها المشترون صفقة البيع الرابح ..
اذا ما تنادوا للصلاة وجدتني ... يفزع من خوف الاله جنابي
المساجد ملتقى المؤمنين.. بها تتعلق قلوبهم، وفيها تسموا ارواحهم وتتوحد صفوفهم، فيها يؤدون صلاتهم ويعظمون ربهم، فيها يجسدون وحدتهم..
من المسجد انطلق المصلون من الصحابة والتابعين فأضاؤواالدنيا عدلا ونورا..
من منائرها دوت كلمة التوحيد، وعليها نودي بالصلاة والفلاح والكفاح، ومن محرابها تليت آيات الله غضا طريا ، ومن منابرها شاعت أنوار الهداية والرسالة والصلاح والرشاد ..
المساجد مجمع المتقين، ومأوى أفئدة المصلين {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}
كان الصحابة إذا افتقدوا أحداً بحثوا عنه في المسجد .. جَاءَ رَسُولُ اللهِ r بَيْتَ ابنته فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ rلِإِنْسَانٍ «انْظُرْ، أَيْنَ هُوَ؟» فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ.. أخرجه مسلم
المشي الى المساجد يرفع الله به الدرجات، ويمحو به الخطيئات، ويضاعف به الحسنات، قال عليه الصلاة والسلام: (بَشِّرْ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فما أجمل مساجدنا وما أعظم صلاتنا ، وما أبهى روادها
أُولئِكَ قَدْ هُدُوا في كُل مَجْدٍ ** إلى نَهْجِ الصرَاط المُسْتقِيمِ
صلاة الجماعة شعار الوحدة والتوحد، وفي اقامت صفوفهاوتراصها نيل ثواب رب العالمين {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}
السعيد من عمرها وحافظ على اداء الفرائض فيها.. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "المساجد بيوت الله في الأرضوالمصلي فيها زائر لله، وحق على المزور ان يكرم زائره".
وقال وهب بن منبه رحمه الله: "يؤتى بالمساجد يوم القيامة كامثال السفن مكللة بالدر والياقوت فتشفع لاهلها". وفي الذكر الحكيم {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ}
لا أهيم إلا على المساجد وطيبها ** وأظلُّ منها تحت ظلٍّ صافي
«مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا، كُلَّمَا غَدَا، أَوْ رَاحَ» متفق عليه
فما أكرم بيوت الله وما أكرم عُمّارها ، " مَنْ بَنَى للَّه مَسْجِدًا وَلَوْ كَمِفْحَصِ قَطَاةٍ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ " وما أعز من اعتنى بها نظافةً وصيانة ورعاية ، في صحيح مسلم "أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ r ، فَسَأَلَ عَنْهَا فَقَالُوا: مَاتَت، قَالَ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي» قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا ،فَقَالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ» فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا. ومن وجد فيها أذى أو قذا فاليمطه ، عرض النبي r ليلة المعراج أعمال أمته :قال « فَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ، لَا تُدْفَنُ» أخرجه مسلم
{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}
ومما يجدر التنبه له والتنبيه عليه، لمن يقدم مبكراً لصلاة الجمعة ، فيحجز مكانين في المسجد في الصف الأول، وآخر يجلس فيه حتى قرب الصلاة ، والأولى مراعاة كبار السن ومن يحتاجون للراحة ولاتكاء والجلوس ، فلا يزاحمون ويترك لهم مكاناً في الصف الأول ، احتساباً لشيبتهم وسابقتهم في الإسلام ولزومهم العبادة ومراعاةً لضروفهم، ومن احتسب ذلك كتب له الأجر، والنية تبلغ مايبلغ العمل.. والله لايضيع أجر المحسنين..
أستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إن ربنا لغفور شكور
الخطبة الثانية : الحمد لله رب العالمين يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعامين وآله وصحبه أجمعين .. ..
تعظيم قدر الصلاةِ عنوانُ صدقِ الإيمان، وحق بيوت الله وحق فريضته وحق عباده المصلين أن يأتي إليها المسلم بأجمل حلة وأبهى نظره ..{يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} قالجَابِرُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ r حلةٌ يَلْبَسُهَا يَوْمِ الْجُمُعَةِ وفِي الْعِيدَيْنِ. ولما َرَأَى عَلَى أناسٍ ثِيَابَ من نِّمَارِ لا تصلح للصلاة، قال "مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ سَعَةً أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِجُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ" .
وكان سعيد بن المسيّب يلبس الحلّة بألف درهم ويدخل المسجد ويقول: أجالس ربّي. وكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَلِلْمسّجِدِ لَيُحَدِّثَ تَوَضَّأَ وضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ وَلَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، وَلَبِسَ قَلَنْسُوَةً، وَمَشَطَ لِحْيَتَهُ"
فما بال أناس لا يقدرون للصلاة قدرها، ولا للمساجد مكانتها ،يأتي أحدهم حاسراً رأسه أو مرتدياً ثياب مهنته وقميص نومه ،مما لا يفعله بمناسبات فرحه، ومقابلة وجهائه، وآخرونيأتونها بملابس تشمئز النفوس من رأيتها، ويستقبح العقلاء من ارتدائها ، وأدهى من ذلك من يأتي للصلاة ببنطال قصير قد بدت ركبتيه ، وإذا جلس للصلاة انحسر فخذيه، {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ}
وآخر يأتي يجر ثوبه أسفل الكعبين ، فالأول أخل بشرط ستر العورة ، فلا تصح صلاته، والآخر ارتكب بالإسبال كبيرة من الكبائر .. قال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن يعقوب سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ عَنِ الْإِزَارِ، فَقَالَ: أَنَا أُخْبِرُكَ بِعِلْمٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ: إِزْرَةُ الْمسلم إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ لا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ قال ذلك ثلاث مرات، ولا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا. أخرجه مالك في الموطأ وأصله في الصحيحين.
ومن حق المساجد والمصلين أن يعتني المرء بنظافته ورائحته..في الصحيحين «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ»، قال العلماء: ويدخل فيه كل رائحة كريهة تؤذي المصلين .
فمن حافظ على هذه الصلواتِ الخمس “فأَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ؛ فَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَسُجُودَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ”.
كيف يلهو الفتى بها عن فروض … وحقوق حتميـــــة الإتيــان
كيف يلهو الفتى بها عن صلاة … هي في الفرض أول الأركان
كيف يلهو الفتى نهارا وليـــــلا … عن صلاة يقيمها في ثوان
يلتقي المؤمنـــــون فيه وفــــــودا … ليفوزوا برحمة الرحمـــــــــــان
اللهم أحي قلوبنا بطاعتك واغفر زللنا وإسرافنا في امرنا ..
اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح ولاة أمورنا وارزقهم البطانة الصالحة واجعلهم نصرة لهذا الدين واهله
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد..
1
المرفقات
1776964494_تعظيم قدر الصلاة والمصلين.docx
1776964494_تعظيم قدر الصلاة والمصلين.pdf