تكاملُ العُمَرين!

سامي بن محمد العمر
1447/11/13 - 2026/04/30 22:02PM

تكامل العُمَرين

14/11/1447

أما بعد:

العمران، الشيخان، السيدان، الكهلان، العظيمان..

السطران المضيئان في أول صفحات تاريخ الشرف والشرفاء..

الوزيران، المتكاملان، المهيبان بين يدي خاتم الرسل والأنبياء.

اسم الواحد منهما كافٍ لاستدعاء أنقى وأرقى صور الإيمان واليقين والإخلاص والوفاء.

هما ، هما ... مَن أكثرَ المصطفى صلى الله عليه وسلم  مِن ذِكرهما ... في دخولِه وخروجه وذهابه ومجيئه، كما قال عليٌّ رضي الله عنه:

إني كنت كثيرا أسمعُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: ذهبتُ أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، [وخرجت أنا وأبو بكر وعمر]»([1]).

لقد أراد لله لحكمةٍ عظيمةٍ أن يجمعهما في زمن واحد ... وفي محضن واحد ... بصحبة خير الخلق .. يرتويان من ماء علومه الواسعة، ويتخلقان بروائع أخلاقه الفاضلة ..

وتتكامل بالتقاء روحيهما واندماج طبائعهما صورةٌ جديدةٌ للوزير المعين: الرحيمِ الشديد، العطوفِ الذكي، اللينِ القوي ... في ميزتين عظيمتين تعضد كل واحدة منهما الأخرى

فعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرحم أمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر»([2]).

أيها المؤمنون:

الناظر في ثنايا نفسه وخبايا روحه .. يجد فيها صفاتٍ بكريةً أو عُمريةً.

صفاتٍ بكريةً ملؤها الرحمةُ والعطفُ واللينُ في غالب أوقاتها

أو صفاتٍ عُمريةً ملؤها الشدةُ والقوةُ في دين الله في غالب أوقاتها

ومِن فطرة الله في الناس أن يكون لهم أعوانٌ وأصدقاء، وندماءُ وأخلاء، والسعيدُ من أحسنَ اختيارَ الصديقِ المعينِ والخليلِ الوفي الذي يتحد معه ويتناصر، ويتعاضد معه ويتآزر؛ تواصياً على الحق والبر، وتثبيتاً على الهدى والخير.

 فكلنا بحاجة إلى:

1-       أخٍ يستسلمُ لأمر الله ورسوله، طاعةً لما أمرا، واجتنابا لما نهيا، وتصديقا لما أخبرا ..

واسمع مثال ذلك في العُمرين:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما راعٍ في غنمه، عدا الذئبُ فأخذ منها شاة، فطلبها حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب، فقال [له]: مَن لها يومَ السبع؟ يومَ ليس لها راع غيري؟ فقال الناس: سبحان الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإني أومن به، وأبو بكر وعمر» وما ثمَّ أبو بكر وعمر([3]).

2- وأنت بحاجة إلى:

مَن يثبتك في المواقف العصيبة، والحوادث المدلهمة كما فعل الصديق مع عمر في صلح الحديبية وقد جاءه يشكوى قائلاً: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟

قال: أيها الرجل إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق([4]).

3- وأنت بحاجة إلى:

من يُهْدِيك عُصارةَ رأيه، ومصابيحَ عقله، لتهتدي بها عند حلولِ ظلماتِ الأفكار، وتضاربِ الآراء، تماما كما فعل أبوبكر مع نصفه الآخر عمر ... حين أصر الصديق على قتال المرتدين، واستشكل عمر قتال من ينطق بالشهادتين، فقال أبو بكر: "والله لأقاتلن، من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عَناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقاتلتهم على منعها"، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق"([5]).

وكما فعل الفاروق مع نصفه الآخر أبي بكر حين توقف في جمع القرآن هنيهة فما زال يكلمه حتى شرح الله صدره لذلك([6]).

4- وأنت بحاجة إلى:

مَن يعرف لك قدرك، ويُكبر لك فعلك، ويحفظ لك منزلتك، كما كان الفاروق يعرف ذلك لأبي بكر ويقول: «أبو بكر سيدنا، وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم-»([7]).

وقال أيضاً عن يوم السقيفة حين بويع أبو بكر بالخلافة:

زورت مقالة أعجبتني، أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر، وقد كنت أداري منه بعض الحدة، وهو كان أحلم مني وأوقر، فقال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، وكان أعلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته وأفضل، حتى سكت([8]).

اللهم اهدنا للأخ الناصح الذي يدلنا على الخير ويعيننا عليه

بارك الله لي ولكم...

 

الخطبة الثانية

أما بعد:

فإن الدروس والعبر من تكاتفِ العمرين وتكاملِهما لا تنتهي لمستنبط، ولا تنقضي لمعتبر،،،

5- فأنت أيضاً بحاجة إلى:

مَن يخاف عليك العذاب، ويرجو لكل النجاة، ويُرخِصُ نفسه حتى لا ينالك مكروه، كما فعل أبو بكر خوفا على عمر ...

فقد اشتكى أبو بكر صاحبه بادئ الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت إليك، فقال: «يغفر الله لك يا أبا بكر» ثلاثا، - فلما جاء عمر - جعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر، حتى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، مرتين([9]).

وكل ذلك خوفا على صاحبه من العذاب!

6- وأخيرًا .. أنت بحاجة إلى:

مَن ينافسك في زمن قلَّ فيه المتنافسون، ويسابقك في زمن ندر فيه المتسابقون، منافسةً وسباقاً إلى مرضاة الله والجنة ... فحين تراه مسارعاً تنشطُ نفسك، وتزدادُ عزيمتك .. كما كان الفاروق يرى ذلك في خليله أبي بكر:

فعن عمر بن الخطاب، قال: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه وأبو بكر، على عبد الله بن مسعود وهو يقرأ، فقام فتسمع قراءته، ثم ركع عبد الله وسجد، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سل تعطه، سل تعطه» ، قال: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل، فليقرأه من ابن أم عبد»، قال: فأدلجت إلى عبد الله بن مسعود لأبشره بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلما ضربت الباب - أو قال لما سمع صوتي - قال: ما جاء بك هذه الساعة؟ قلت: جئت لأبشرك بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قد سبقك أبو بكر، قلت: إن يفعل فإنه سباق بالخيرات، ما استبقنا خيرا قط إلا سبقنا إليها أبو بكر

وقال الفاروق: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن نتصدق، ووافق ذلك مني مالا، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر - إن سبقته - قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: يا أبا بكر، ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسبقه إلى شيء أبدا»([10]).

اللهم اهدنا فيمن هديت...



([1]) أخرجه البخاري ومسلم
([2]) أخرجه أحمد (20/ 252)
([3]) رواه البخاري.
([4]) صحيح البخاري (3/ 196)
([5]) صحيح البخاري (9/ 15) مسند أحمد (1/ 270)
([6]) صحيح البخاري (6/ 71)
([7]) أخرجه الترمذي
([8]) مسند أحمد (1/ 452)
([9]) صحيح البخاري (5/ 5)
([10]) أخرجه أبو داود والترمذي.

المرفقات

1777575724_تكامل العُمَرين.pdf

1777575732_تكامل العُمَرين.docx

المشاهدات 349 | التعليقات 0