توافق شهر رجب الحرام مع نهاية العام

توافق شهر رجب الحرام مع نهاية العام 1447/7/6هـ 

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهُدَى هُدَىُ مُحَمَّدٍ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- ‌وَشَرَّ ‌الْأُمُورِ ‌مُحْدَثَاتُهَا، وكلَّ مُحدَثة بدعة، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وكلُ ضلالة في النار..

أيها الإخوة: إنكم في بدايةِ شهرِ اللهِ الحرامِ رجَب، ولقد توافق هذا العام مع الشهر الإفرنجي ديسمبر الذي يحتفل فيه النصارى بعيدِ ميلاد المسيح -عَلَيْهِ الصَلَاةُ وَالسَلَامُ- كما يزعمون فناسبَ التذكيرُ بِبَيَانِ ما أُحْدِثَ من الأعمالِ التي لم يَدلْ عليها دليلٌ من الكتاب، ولا من سنة المصطفى - عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ أَفْضَلُ الصَلَاةِ وَالسَلَامِ-.. وبيان ما بُنِيَتْ عليه أعيادُ النصارى من خرافات..

أما رجب: فيظنُ بعضُ الناس أن العمرة فيه سنة، وهذا غيرُ صحيح فقد قَالَتْ أُمُنَا عَائِشَةُ –رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا– «مَا اعْتَمَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- فِي رَجَبٍ قَطُّ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وقال شيخنا محمد العثيمين-رَحِمَهُ اللهُ-:  "لم تأت السنةُ باستحبابِ الاعتمارِ في شهرِ رجب، بل قالَ عُمَرُ –رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ– إِنَّ ذلك شهرٌ يعتمرُ فيه أهلُ الجاهلية فأبطله الإسلام، أي أبطلَ الإسلامُ استحبابَ العمرةِ فيه".. ثم قال: "لكن من اعتمرَ دون أن يعتقدَ أَنَّ ذلك سُنَّة فلا بأسَ، وأما أَنْ نَقُولَ: أنها من السنن التابعة للشهر فلا، ولم ترد العمرة في شهر من الشهور إلا في أشهر الحج وفي شهر رمضان" أهـ.  وقال -رَحِمَهُ اللهُ-: "كذلك يظنُ بعض الناس: أن الإسراء والمعراج كانا في رجب في ليلة سبع وعشرين، وهذا غلط، ولم يصح فيه أثر عن السلف أبدًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ-: كل الأحاديث في أنَّ المعراجَ كان في رجب ضعيفة منقطعة مختلفة لا يعول عليها.. أهـ

ولم يصح في فضل الصوم في رجبٍ بخصوصِه شيءٌ عَنْ النَبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- ولا عن أصحابِهِ. وإنما يُشْرَعُ فيه من الصيام ما يشرعُ في غيره من الشهورِ، وقد كان عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ينهى عن صيامِ رجب.. فَعَنْ خَرْشَةَ بِنِ الْحُرِّ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-يَضْرِبُ أَكُفَّ المُترِّجِبين حَتَّى يَضعُوها في الطَّعَامِ وَيَقُولُ: "كُلُوا! ‌فَإِنَّمَا ‌هُوَ ‌شَهْرٌ ‌كَانَتْ ‌تُعَظِمُهُ الْجَاهِلِيَّةُ". قال الألباني رُوي عن أحمد في غير المسند وأخرجه ابن أبى شيبة في المصنف، وعقب ذلك بقوله وهو صحيح.  وقال ابن القيم-رَحِمَهُ اللهُ-: ولا صَامَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- رَجبًا قَطُّ ولا استحبَّ صيامَهُ.. وفي فتاوى اللجنة الدائمة: أما تخصيصُ أيامٍ من رجب بالصوم فلا نعلم له أصلًا في الشرع..

ومما استُحدث في رجبٍ صلاةُ الرغائب وهذه الصلاة شاعت بعد القرون المفضلة وبخاصة في المائة الرابعة.. وقد اختلقها بعض الكذابين وهي تقام في أول ليلة من رجب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ-: " ‌صَلَاةُ ‌الرَّغَائِبِ: ‌بِدْعَةٌ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الدّينِ لَمْ يَسُنَّهَا رَسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ- وَلَا أَحَدٌ مِن خُلَفَائِهِ.. ولا استحبَها أحدٌ من أئمةِ الدينِ: كمالكٍ والشافعيِ وأحمدَ وأبي حنيفةَ والثوريِّ والأوزاعي والليث وغيرهم.. وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِيهَا كَذِبٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ الَّتِي تُذْكَرُ أَوَّلَ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِن رَجَب، وَفِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ.. فَلَا نِزَاعَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيث أَنَّ أحَادِيثَهُ كُلَّهَا مَوْضُوعَةٌ، ولم يستحبها أحدٌ من أَئِمة الدينِ.. وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ-قَالَ: «لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا ‌يَوْمَ ‌الْجُمُعَةِ ‌بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ»..

نسأل الله أن يجعلنا ممن يعظّمون حرماته ويلتزمون بسنة نبيه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ 2الحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية:

أيها الإخوة: وفي عصرنا هذا عصرُ الانفتاح الإعلامي يجب التنبيه لبعض مظاهرِ أعيادِ النصارى، وهي مظاهرٌ لها جذورها الوثنية، كما يقول بعضهم: فالأصل أن يومَ الخامس والعشرين من ديسمبر كانون الأول، أنه عيد إله الرومان وإلَهُهم الشمس وهو في الأصل عيدٌ وثني، وفي عام ثلاثمائة وسبعٍ وثلاثين ميلادي  قام أسقف روما (البابا يوليوس) الأول باعتماد هذا التاريخ وهو عيد وثني ليجعله عيدًا لميلاد المسيح -عَلَيْهِ الصَلَاةُ وَالسَلَامُ- وهذا لا سند له من كتابهم ولا من أحداث التاريخ، وبهذه الاعتماد أصبح النصارى يحتفلون به كلَ عام ويعتبرونه أكبرَ مَظِاهرِ دينِهم، وينفقون فيه ملايين الدولارات.. ومن شعائرهم ‌‌خرافة (سانتا كلوز) أو ما يسمى "بابا نويل" ويتمثل في رجل عجوز سمين مرح ذي لحيةٍ بيضاءَ طويلةٍ، وملابسٍ حمراءَ زاهيةٍ، يقولون إن أصله يرجع إلى القديس (نيكولاس) الذي عاش في أوربا في القرن الرابع الميلادي، ويُقال إن (نيكولاس) هو مَنْ حرَّف النصرانية وأَلَّهَ المسيح -عَلَيْهِ الصَلَاةُ وَالسَلَامُ- ولذلك أَلْبَسُوهُ صورة الرجل الطيب، وأخرجوه بِأَنَّهُ يعطفٌ على الأطفال ويوزع عليهم الهدايا.

وقد تحول الآن إلى أسطورة كبيرة يصدقها كثيرٌ من الأطفال في العالم، بل في استفتاء أجرته إحدى شبكات التلفاز الأمريكية قال تسعون بالمائة من الكبار أيضًا إنهم يؤمنون بوجوده.

وتقول الأسطورة الحالية: «إن (سانتا كلوز) يعيش في القطب الشمالي مع زوجته وأعوانه يديرون مصنعًا كبيرًا للُعب الأطفال، وفي ليلةِ الميلاد يسافران معًا على زحافةٍ ثلجية يَجُرُها ثمانيةُ أَوْعَال، وتمرُ الزحافةُ على سطحِ كلِ منزلٍ؛ لينزل منها (سانتا كلوز) من خلال المدخنة إلى غرفة الطعام ليضع الهدايا في جوارب خاصة يتركها للأطفال معلقة بجوار المدفأة.. وعادة ما يضع الأهلُ تلك الهدايا بدلًا من (سانتا كلوز) وقت نوم الأطفال، فإذا ما استيقظوا تيقنوا أن سانتا كلوز حقيقةٌ لا مراءَ فيها». هكذا يتربى أطفال الحضارة الغربية المعاصرة على الخرافة والكذب!! ‌

ومن المظاهر التي تصاحب احتفالات النصارى بعيدِ الميلاد إبرازُ شجرةِ الميلاد: وأولُ من استخدم الشجرة هم الفراعنة والصينيون والعبرانيون كرمز للحياة السرمدية، ثم إن عبادتها قد شاعت بين الوثنيين الأوربيين.. وظلوا على تقديسها حتى بعد دخولهم في المسيحية؛ فأصبحوا يضعونها في البيوت ويزينونها كي تطردَ الشيطانُ أثناء عيد الميلاد -كما يزعمون- ولم يُطلق عليها شجرةُ الميلاد إلا في القرن السادس عشر الميلادي في ألمانيا الغربية، حيث تحولت مما يُسمى (بشجرة الجنة) في الاحتفال الديني بذكرى آدم وحواء في الرابع والعشرين من ديسمبر إلى شجرة الميلاد، حيث أصبح الناسُ يعلقون عليها الشموع التي ترمز إلى المسيح بزعمهم..

أيها الإخوة: ولا تجوز تهنئة النصارى بعيد الكريسماس ولا غيره من أعيادهم الدينية.. والعجيب أن بعض الناس تساهل في ذلك وهو حرام بالاتفاق. كما نقل ذلك ابن القيم -رَحِمَهُ اللهُ-: فقد قال: وَكَثِيرٌ مِمَّنْ لَا قَدْرَ لِلدِّينِ عِنْدَهُ يَقَعُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَدْرِي قُبْحَ مَا فَعَلَ، فَمَنْ هَنَّأَ عَبْدًا بِمَعْصِيَةٍ أَوْ بِدْعَةٍ أَوْ كُفْرٍ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِمَقْتِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ" انتهى كلامه رحمه الله.. وأرشد شيخنا محمد العثيمين -رَحِمَهُ اللهُ-: من بُدء بالتهنئة ألا يجيب لأنها ليست أعيادٌ لنا.. وأعيادٌ لا يرضاها الله -عَزَّ وَجَلَّ- وقال: حتى لو كتبها لك فلا تُجِبْهُ.. وقال لا يجوز التشبه بهم بإقامة الحفلات أو أي مظهر من مظاهر الفرح كتوزيع الهدايا، أو الحلوى، أو تعطيل الأعمال، أو تنزيل الأسعار.. أسأل الله تعالى أن يبصرنا في ديننا وأن يجعلنا هداة مهتدين...

 

 

 

المشاهدات 1125 | التعليقات 0