ثقافة الاعتذار

أمير محمد محمد المدري
1447/11/27 - 2026/05/14 11:11AM

 ثقافة الاعتذار

 

الحمد لله ذي القوة المتين، عليه توكلنا، وهو رب العرش العظيم، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. 

اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بعزك الذي لا يضام، واكلأنا بحمايتك في الليل والنهار في الصحاري والآجام. 

ونشهد أن سيدنا وقائدنا وحبيبنا وشفيعنا محمداً عبد الله ورسوله، القائل: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، أتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له» (حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة 2/633). صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين وصحابته الغر الميامين، ومن سار على دربهم واستن سنتهم، واقتفى أثرهم بإحسان إلى يوم الدين. 

 

يقول الله تعالى في سورة آل عمران الآية 102:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ

 

وقال تعالى في سورة النساء الآية 1:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا

 

عباد الله: 

أبدأ حديثي معكم في هذا اليوم بقصة رمزية طالعتها دعونا نتأمل فيها نستنبط منها موضوعاً له أهمية في حياتنا. 

إنه شاب يقود دراجته اصطدم بامرأة عجوز فسقطت على الأرض، بدلاً من أن يساعدها ويعتذر لها انفجر من هذا المنظر ضاحكاً ومضى على دراجته سائقاً، فصاحت به: انتبه لقد سقط منك شيء! فرجع الشاب وظل ينظر ويبحث! فقالت له: لا تنظر، لقد سقطت مروءتك، لقد سقطت أخلاقك ولن تجدها أبدا!. 

 

ربما تكون القصة مبتكرة ليست حقيقية، لكن دلالتها على أمرين مهمين في واقع حياتنا: أولها الاستهتار بالقدر والمقدار، الاستهتار بالناس بحياتهم بحقوقهم، وثانيها الاستكبار على الاعتراف بالخطأ والاعتذار. وكم نجد ذلك في كثير من حوادث وتطبيقات حياتنا ومجتمعاتنا!. 

كلما كان للمرء منزلة أعلى ورتبة أكبر كلما كان التفاتُه إلى غيره قليلاً أو منعدماً، فحاكم يستهتر بشعبه، ومدير يستهزئ بموظفيه، ومعلم يقرّع طلابه، وأب يسفّه أبناءه. 

صور نراها هنا وهناك، وليست صوراً خيالية، فقد سمعنا من يطلق على جماهير شعبه بأنهم جرذان! ومن يصفهم بأنهم مندسين! ومن يتهمهم بأنهم متآمرون! وقد رأينا كثيراً مسئولين كباراً كلما وقع خطأ جسيم بسهولة وببرودة أعصاب وبلادة إحساس يلقون التهمة على صغار الموظفين هنا وهناك!. 

وعندما يقع المدرس أو المدير أو الأب في خطأ فإنه بدلاً من أن يعترف بالخطأ أو يتواضع فإنه يشن هجومه مستهتراً مستهزئاً لأنه ينتصر لنفسه. 

 

حديثنا اليوم عن ثقافة الاعتذار التي ضعفت وقلت في مجتمعاتنا. 

إنها مسألة الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه فتلك مهمة أكثر صعوبة، لا يبلغها إلا الرجال الحقيقيون، الذين لا يستنكفون عن أن يُقِرُّوا بأخطائهم، ويعترفوا بتقصيرهم، لا يرون في ذلك ذلاً، بل يرونه عزا، ولا يرون فيه قصوراً، بل يرونه كمالا. 

عباد الله: إن حياتنا لا تستقر على حال، فرح وتعاسة، نعيش معها في ضيق وحزن، ومحبة وكره، ورضا وغضب، قد تخرج من أحدنا كلمة أو يصدر فعل تكون هذه الكلمة أو هذا الفعل جارحًا لمن حولنا من الناس إن لم يستقبله صدر رحب يغض الطرف ويكظم الغيظ ويعفو عن مثل هذه الإساءة، وآخر يعتذر فإن الحياة تنقلب إلى جحيم. 

إن الإنسان بطبعه خطاء ومخطئ، من يظن أنه لا يخطئ؟ ! يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون»، إذاً فكلنا يخطئ في تصرفاته، سواءً أكان ذلك في أقواله أم أفعاله، القليل هم أولئك الذين يعتذرون، نحن نكابر ونتعالى ونعتبر الاعتذار هزيمة أو ضعفاً، إن من لا يحسن الاعتذار في حرب دائمة، ليس مع نفسه فحسب، وإنما مع الآخرين، لذلك تجد أن الأم تنصح ابنتها ألا تعتذر من زوجها بحجة أنه سيرفع رأسه وسيشمخ بأنفه، وتجد الأب يحذر ابنه من أن يعتذر من زوجته لأنها ستدوس على رقبته وكرامته، ولأنها ستمرغ أنفه، نجد كذلك الأب لا يعتذر من أبنائه. 

 

هكذا أيضاً نجد أن المسؤول في مؤسسته أو في مصنعه لا يتنازل بأن يعترف بالتقصير، أو يعتذر عن خطأ بدر منه أو إساءة لأحد موظفيه؛ كونه يعتبر أن مركزه لا يسمح له بذلك، المعلّم لا يعتذر لأحد طلبته الذين أساء إليهم في قاعة الدراسة؛ كونه يرى أن ذلك سيكسب الطلبة عدم احترامه، أو سيسقط من نظرهم، الرئيس كذلك لا يعتذر لشعبه ولا يفيق إلا على ثورة عارمة تقلب به وتطيح به وبنظامه. 

إن الاعتذار -أيها الكرام- لا يكلفنا كثيراً سوى كلمتين، لكن هاتين الكلمتين عند من يستصغر نفسه وعند من يحتقر الآخرين يرى أن النطق بهما أثقل عليه من أن يحمل جبلاً عظيماً، إنها كلمة: أعتذر، أنا أعتذر، أو أنا آسف لما بدر مني، سامحني. 

لو نطقنا بهاتين الكلمتين بصدق لداوينا بهما قلباً منكسراً، لكانتا بلسمًا لكرامة مجروحة، لعادت مياه العلاقات المنقطعة إلى مجراها، كم تمر علينا من المشاكل التي تأخذ وقتاً طويلاً وكل ذلك هروب من كلمة أنا أعتذر، أو أنا آسف. 

 

إن فن الاعتذار دليل على تميُّز الشخص ونبله وشجاعته الأدبية، الاعتذار لا يتسم به إلا الكبار ولا يتخلق به إلا العظماء، الاعتذار -أيها الإخوة- من أخلاق الإسلام، وعلامة من علامات الثقة بالنفس. 

الاعتذار يزيل الأحقاد والاحتقانات التي حلّت بالنفوس، ويدفع عن صاحبه سوء الظن بالآخرين، فهل نعي هذه الحقيقة؟! وهل يمكن لأحدنا أن يعتذر إذا أساء لربه، أن يعتذر لنبيه، أن يعتذر لأبيه وأمه، أن يعتذر لزوجه، أن يعتذر لأبنائه، أن يعتذر لصديقه، أن يكون شجاعاً فيعترف بكل خطأ بدر منه!! وليس العيب أن يقع الإنسان في الخطأ، ولكن العيب ألا يعتذر أو يستمر على خطئه. 

 

عباد الله: قليل هم أيضاً أولئك الذين يقبلون الاعتذار؛ ذلك لأن بعض الناس يريدون أن يذلوا من أساء إليهم، وهذا ليس من خلق المسلمين، بل الخلق الرفيع أن تكون معتذراً وأن تقبل الاعتذار ممن اعتذر منك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أتاه أخوه متنصلاً فليقبل ذلك منه محقاً أو مبطلاً، فإن لم يفعل ذلك لم يرد على الحوض» (ضعفه الألباني في ضعيف الجامع)، ومتنصلاً أي معتذرا. 

صدق النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله تعالى» (رواه مسلم في البر والصلة، باب: استحباب العفو والتواضع 2588). 

الأنبياء -أيها الكرام- يعتذرون؛ هذا آدم وأمنا حواء حينما عصيا ربهما وأكلا من الشجرة يقدما الاعتذار لله عز وجل: 

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (الأعراف: 23) 

هذا موسى عليه السلام حينما قتل نفساً من بني إسرائيل خطأً اعتذر لربه: 

قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (القصص: 16) 

إخوة يوسف يعتذرون لأبيهم قائلين: 

قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (يوسف: 97) 

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. 

 

الخطبة الثانية: 

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه وعلى آله وأصحابه وجميع إخوانه. 

 

وبعد عباد الله: 

هذه ملكة سبأ تعتذر لربها عز وجل حينما رأت آياته ورأت ملك سليمان: 

قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (النمل: 44) 

وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم في قصة سواد -ذلك الصحابي الجليل- في يوم أحد حينما كان صلى الله عليه وسلم يصف الصفوف، وإذا بهذا الرجل متقدمًا على الصف، فيؤخره صلى الله عليه وسلم ويقول له: «استوِ يا سواد»، فيتأخر ويتقدم، فيراه النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى، فيأتي إليه ويأخذ سواكه صلى الله عليه وسلم ويطعن هذا الرجل ببطنه ويقول: «استوِ يا سواد»، فيقول: لقد أوجعتني يا رسول الله، أقدني من نفسك، فيقوم صلى الله عليه وسلم ويكشف عن بطنه ويقول: اقتص لنفسك، فيقبل هذا الصحابي على بطن النبي صلى الله عليه وسلم تقبيلاً لها وتمريغاً لوجهه ويقول: والله يا رسول الله ما قصدت إلا أن يكون آخر شيء مني هو التصاق جسدي بجسدك، أي لعل الموت والشهادة تدركني وأنا في هذا الموقف، وهذا كله اعتراف من النبي صلى الله عليه وسلم بأنه آذى هذا الصحابي الجليل. وفي الأيام الأخيرة من حياته صلى الله عليه وسلم يقوم معتذراً ويقول: «من كنت جَلَدْتُ له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضًا فهذا عرضي فليستقد منه». 

 

هذا الخلق العظيم، إنه في الحقيقة يحتاج منا إلى ممارسات، وأن نلزم أنفسنا كي نتعود على هذا الخلق العظيم، على الاعتراف بالذنب والخطأ، أن تعتذر للآخرين، أن نراعي مشاعرهم، أن نجبر قلوبهم أياً كان هؤلاء الناس. 

وأفضل الاعتذار أن يكون مباشرة، وإذا كان الاعتذار مباشرة قاسياً فليس أقل من أن يعتذر الإنسان ضمنياً، وذلك بعدة وسائل؛ فيمكن أن يكون ذلك عبر رسالة بالهاتف، أو عبر هدية، فربما تحدث قطيعة بينك وبين أحد أقاربك زمناً طويلاً، وربما زاد هذا البعد في مرض القلب وقسوته وحنقه من هذا الإنسان الذي أساء إليك، لكن إذا سمعت رنين هاتفك من هذا الإنسان فإياك أن توصد الباب أمامه، إنها أولى علامات الاعتذار، فعليك أن تتجاوب معه، على المرأة أن تتجاوب مع زوجها، وعلى الزوج أن يتجاوب مع زوجته، وعلى الوالد أن يتجاوب مع ابنه، وعلى الابن أن يتجاوب مع أبيه، وعلى الصديق أن يتجاوب مع صديقه ولو بعد حين، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: «لا يحل لامرئٍ مسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (رواه الإمام أحمد، وأصله في صحيح مسلم عن أبي هريرة). 

 

لذلك أقول -ولعلكم تقولون معي-: يا رب: إننا نعتذر إليك عن إساءة أو عن ذنب اقترفناه، طغت علينا شهواتنا وأنفسنا، يا رب: نعتذر إليك عما بدر منا، ونسألك أن تعفو عنا وأن تغفر لنا زلاتنا. كذلك نعتذر إليك -يا نبينا- عن كل تقصير حدث منا، سواء كان ذلك من خلال العمل بسنتك، أم الدفاع عن شرعك وعن أصحابك أيضاً، نعتذر من آبائنا وأمهاتنا إن بدرت منا أية إساءة في أية مرحلة من مراحل أعمارنا، نعتذر أيضاً من أزواجنا إذا أسأنا في حقهم في يوم من الأيام، ولنعزم من الآن على أن يكون الاعتذار من برامجنا اليومية، تعتذر أولاً بأول، وألا نجعل هوة بيننا وبين من نعيش معهم، نعتذر من كل إنسان أسأنا إليه، سواء كان في الماضي أم الآن، بقصد أو بغير قصد. نسأل الله تعالى أن يعفو عنا، وأن يهدينا لأحسن الأخلاق، وأن يصرف عنا سيئها.  

 

هذا وصلوا - رحمكم الله - على خير البرية، وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك فقال في كتابه الكريم: 

إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا 

اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

المرفقات

1778746304_ثقافة الاعتذار.doc

المشاهدات 43 | التعليقات 0