ثمرات العمل الصالح
ياسر عبدالله الحوري
1447/12/09 - 2026/05/26 05:40AM
بسم الله الرحمن الرحيم
ثمرات العمل الصالح
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ربي لا شريك له شهادة نعيش في ظلها، ونحيا من أجلها، ونلقى الله تبارك وتعالى عليها.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، أجارني الله وإياكم من البدع والضلالات، آمين اللهم آمين.
أما بعد فيا أيها الأحباب الكرام في الله:
إن أهمية العمل الصالح ـ إخوة الإيمان ـ للمؤمن في الدنيا والآخرة عظيمة، وحتى يُقبل ذلك العمل، وحتى يكون عملًا صالحًا، لا بد من الإخلاص، ولا بد أن يكون موافقًا لكتاب الله عز وجل ولسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
هناك ثمرات ـ يا إخواني ـ للعمل الصالح في الدنيا قبل الآخرة، من أهم تلك الثمرات: السعادة، والراحة، والطمأنينة، يجدها المسلم في حياته إذا أكثر من الأعمال الصالحات، يجد الطمأنينة، يجد الراحة، قال الله عز وجل: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾
[طه: 123-126].
إخوة الإيمان، من ثمرات العمل الصالح في الدنيا ـ أحبتي الكرام ـ أن الله عز وجل يحفظ أولادك، ويحفظك في الدنيا، ويحفظ أولادك وأسرتك وأقرباءك من بعدك، كما قال الله عز وجل:
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾
[النساء: 9].
وقد قال بعض السلف:
“من حفظ الله حفظه الله في عقبه وعقب عقبه”،
أي: في أولاده وأولاد أولاده.
إخوة الإيمان، وما ذلك إلا لأهمية العمل الصالح، فله أثر عظيم، وله بركة عظيمة في الدنيا قبل الآخرة.
من أراد أن يزيل الله همَّه، ومن أراد أن يكشف الله عز وجل كربته، ومن أراد أن يقضي الله دينه، فليكثر من الأعمال الصالحات.
ولو عشنا معكم في سورة الأنبياء، والقرآن يتحدث عن الأنبياء، عن قصة إبراهيم، وعن قصة موسى، وعن قصة نوح، وعن قصة لوط، وعن قصة أيوب، وعن قصة يونس، وعن قصة زكريا، وعن قصة يحيى، تلاحظون أن الله عز وجل ذكر ما ألمَّ بهم من الهموم والكربات والأمراض والمصائب، ثم فرَّج الله عنهم.
قال الله تعالى:
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾
[الأنبياء: 83-84].
وقال سبحانه:
﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
[الأنبياء: 87-88].
ثم قال سبحانه:
﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾
[الأنبياء: 89-90].
لماذا؟ ما السبب؟ قال الله بعدها:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾
[الأنبياء: 90].
هذا بفضل الله، ثم بفضل الأعمال الصالحات، كانوا يدعون الله، ويلجؤون إلى الله، وكانوا يخشعون في عبادتهم، وفي قربهم إلى الله عز وجل، وفي صلاتهم، فجاءت النتيجة، وجاء الفرج من الله سبحانه وتعالى.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، فيا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
ومن ثمرات العمل الصالح ـ إخوة الإيمان ـ محبة الله للمؤمنين، ومحبة الله للذين يعملون الصالحات.
ففي الحديث القدسي الصحيح، قال الله تعالى:
«وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ»
رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ولهذا ـ يا إخواني ـ لا تستهينوا بأي عمل.
والله يا إخواني، إني ـ كإمام ـ أتألم كثيرًا عندما أصلي بالناس، فأجد الكثير يخرج بعد الصلاة من دون استغفار، ومن دون قراءة آية الكرسي، ومن دون التسبيح.
سبحان الله يا إخواني، أجور عظيمة نغفل عنها!
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ»
رواه النسائي في “عمل اليوم والليلة”، وصححه الألباني.
وقال عليه الصلاة والسلام:
«مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، ثُمَّ قَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ»
رواه مسلم.
أجور عظيمة نغفل عنها.
النوافل، والسنن القبلية والبعدية، والوتر، وغير ذلك، قال الله في الحديث القدسي:
«وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ».
إذًا يا إخواني، هذه بعض ثمرات العمل الصالح في الدنيا.
ومن أهم ثمرات العمل الصالح في الآخرة ـ حتى لا أطيل عليكم ـ: حسن الخاتمة.
الله يا ابن آدم، إذا أكثرت من الأعمال الصالحات، يختم لك بخاتمة حسنة، وكلنا نتمنى أن يختم الله لنا بخاتمة حسنة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ»
قالوا: وكيف يستعمله يا رسول الله؟
قال: «يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ مَوْتِهِ ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ»
رواه الإمام أحمد والترمذي، وصححه الألباني.
أسأل الله أن يجعلنا منهم.
أعرف شخصًا من الأسرة، قبل فترة من الزمن، جلس أكثر من شهر ونصف أو شهرين لا يتكلم كلمة واحدة، وكان من الصالحين، نحسبه والله حسيبه، فسمعت ابنته صوته وهو يقول: “لا إله إلا الله”، ففرحت فرحًا شديدًا، وذهبت إليه، فإذا به قد فارق الحياة، وله أكثر من شهر ونصف لم يتكلم كلمة واحدة، مغمى عليه، فقال: “لا إله إلا الله”، ثم فارق الدنيا.
فانظروا ـ أحبتي الكرام ـ كيف يوفق الله صاحب العمل الصالح.
وقال عليه الصلاة والسلام:
«مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ مِنَ الدُّنْيَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ»
رواه أبو داود، وصححه الألباني.
ومن ثمرات العمل الصالح في الآخرة أن المؤمن الذي يعمل الصالحات يُبشَّر عند الموت.
قال الله تعالى:
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[النحل: 32].
ثم بعد ذلك ينال الجزاء العظيم، جنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
قال الله تعالى:
﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[السجدة: 17].
أسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يوفقني وإياكم لما يحب ويرضى، وأسأل عز وجل أن يعينني وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، ونسأل عز وجل أن يسترنا وإياكم في الدنيا والآخرة.
اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض عليك.
اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فأنت علينا قادر.
اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وتولَّ أمرنا، ويَمِّن كتابنا، ويسر حسابنا، وبيض وجوهنا، وتوفنا وأنت راضٍ عنا يا رب العالمين.
اللهم كن مع المستضعفين في كل مكان، اللهم كن مع المظلومين في كل مكان، اللهم احقن دماء المسلمين في كل مكان.
اللهم عليك بالمتآمرين على الإسلام والمسلمين، فإنهم لا يعجزونك، أرِنا فيهم عجائب قدرتك يا من أنت على كل شيء قدير.
عباد الله، صلوا وسلموا على المبعوث رحمةً للعالمين، حيث أمركم الله فقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
[الأحزاب: 56].
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
وأقم الصلاة.
نَفحُ الجُوري في خُطَبِ الحُوري
المرفقات
1779763252_ثمرات العمل الصالح.docx
1779763252_ثمرات العمل الصالح.pdf