جنائر الأعمار

الشيخ محمد الوجيه
1447/08/10 - 2026/01/29 18:16PM

 

الخطبة الأولى :

الحمد خلق الزمان وجعله وعاءً للأعمال، وأقسم بالعصر تنبيهاً لذي الغفلة والجهل والضلال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكريم المتعال، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي كان يغتنم الساعات، ويسابق في الطاعات، حتى تورمت قدماه في محراب العبادة والابتهال، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه خير الصحب والآل.

إخواني: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]،
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]،
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

أما بعد، عباد الله، فاتقوا الله حق التقوى، واعلموا أنكم في دارٍ ممرها سريع، وخيرها وديعةٌ تُسترجع، وإنما أنتم أيامٌ مجموعة، كلما ذهب يومٌ ذهب بعضُكم، كما كان يقول الحسن البصري رحمه الله.

لقد وقف القرآن الكريم عند قيمة العمر وقفةً مهيبة، فعاتب الله أهل التفريط يوم القيامة عتاباً يخلع القلوب فقال سبحانه: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ}، يقول الحافظ ابن كثير: "أما عشتكم في الدنيا أعماراً لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم؟".

​أيها المسلمون، إن العاقل هو من تنبه لمرور الزمان قبل فوات الأوان، وقد حذرنا نبينا ﷺ من مغبة الغفلة فقال في الحديث الذي يرويه البخاري: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ".

قال الإمام ابن بطال : "معنى الحديث أن المرء لا يكون فارغاً حتى يكون مكفياً صحيح البدن، فمن حصل له ذلك فليحرص على أن لا يغبن في ترك شكر الله على ما أنعم به عليه، وشكره هو امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرط في ذلك فهو المغبون".

وما الغبن يا عباد الله إلا أن تبيع النفيس بالبخس، فكيف بمن يبيع الساعات التي ثمنها الجنة، بدقائق يقضيها في لهوٍ أو غفلة أو معصية!

​إن الزمان لا يرجع إلى الوراء، وإن الفرص إذا فاتت قد لا تعود، ولذلك جاءت الوصية النبوية الجامعة: "اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك".

ويشرح الإمام المناوي هذا المعنى بقوله: "اغتنم؛ أي انتهز الفرصة في هذه الخمس، فإنها إذا فاتت لا تعود.. وفراغك قبل شغلك؛ أي اشتغالك بشواغل الدنيا من عيال ومال، فإذا شغلت فاتتك مرتبة الفراغ التي هي صفاء الوقت".

​فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن إضاعة الوقت أشد من الموت، كما ذكر العلامة ابن القيم في كتابه الفوائد حيث قال نصاً: "إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها".

فاجعلوا من ساعات ليلكم ونهاركم مطايا تبلغكم رضوان الله، وتزودوا من دنيانا هذه لآخرتكم، فما الدنيا إلا ساعة، فاجعلوها طاعة، لعلكم تفلحون.

أيها المرابطون على ثغورِ أعمارِكم، احذروا لصوصَ الزمانِ الذين استلوا منكم الساعاتِ وأنتم لا تشعرون، وتفطنوا لما غشيَ الناسَ في هذا العصرِ مما يُسمى بوسائلِ التواصلِ، وهي في الحقيقةِ قواطعُ تواصلٍ مع اللهِ ومع النفسِ ومع الجِدِّ في العملِ؛ فقد استأثرت هذه الشاشاتُ الصغيراتُ بمجامعِ القلوبِ، واستنفدت زهرةَ الأوقاتِ في ملاحقةِ أخبارِ الخلقِ، وتتبعِ التوافهِ، والنظرِ فيما لا ينفعُ في مَعادٍ ولا مَعاش.

​إن هذا الانحباسَ خلفَ السرابِ الرقميِّ هو الغبنُ الظاهرُ، حيثُ يمرُّ العمرُ والعبدُ يُقلبُ بصرَهُ بين صورةٍ وخبرٍ ولغوٍ مستطيرٍ، حتى إذا انقضتِ الساعاتُ وجدَ صحيفتَهُ خاليةً من ذكرٍ أو علمٍ. واعلموا أنكم ستحاسبون عن هذه اللحظاتِ المهدورةِ أمامَ الشاشاتِ سؤالاً غليظاً، فالحذرَ الحذرَ من هذا الاستدراجِ الذي جعلَ الناسَ "أحياءً كالأمواتِ" تضيعُ أعمارُهم وهم يبتسمون للهواتفِ، بينما تمرُّ جنائزُ الأيامِ من بين أيديهم كلَّ مطلعِ شمسٍ وغروبِها دون اعتبار، فما أصعبَ الرحيلَ إذا حانتِ الساعةُ والزادُ قليل، والجنائزُ ملاحقةٌ لبعضِها والعبدُ في لهوهِ مقيم.

أيها المباركون، إن ترويض هذه الوسائل يكون بجعلها "خادمةً لا مخدومة"، فابدأوا بضبطِ أوقاتِ الدخولِ إليها، واجعلوا لها وقتاً معلوماً لا يتجاوزُ ساعةً من نهار، وقدّموا عليها "واجبَ الوقتِ" من ذكرٍ وقرآنٍ وعمل، ولا تجعلوا أولَ ما تقعُ عليه أبصارُكم عند الاستيقاظِ، ولا آخرَ ما تودعون بهِ يومَكم عند النومِ هذه الشاشات؛ بل استبدلوها بآياتِ اللهِ ومناجاتِه، ليبقى القلبُ معلقاً بالحيِّ القيوم، واعلموا أن من تركَ فضولَ النظرِ وفضولَ الكلامِ، بوركَ له في لحظاتِه، واستقامَ لهُ أمرُ دينهِ ودنياه.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروا إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى اما بعد:
أيها المؤمنون، التفتوا إلى من سبقكم من السلف الصالح، كيف كانت أنفاسهم تُعد بالعمل، ودقائقهم تُوزن بالذهب، فقد رُوي عن الإمام عامر بن عبد قيس أنه جاءه رجل فقال له: "قِف أكلمك"، فقال له الإمام في يقين المؤمن بقيمة اللحظة: "أمسِك الشمس"، أي أوقف الزمن عن المسير حتى أكلمك، فإني في شغلٍ مع الله لا يحتمل التأخير؛ وهكذا كان حالهم، يفرون من ضياع الأوقات كما يفر المرء من الأسد الضاري، لعلمهم أن الوقت هو المادة الخام لكل فلاح، وأن الغفلة عنه هي عين الخسران.

​ولقد صاغ الشعراء هذا الوجع على فوات الأعمار في كلماتٍ تُدمي القلوب، وتستنهض الهمم، فكان أحدهم ينادي في الركب ويقول:
تزود من التقوى فإنك لا تدري ** إذا جنّ ليلٌ هل تعيشُ إلى الفجرِ
فكم من صحيحٍ ماتَ من غير علةٍ ** وكم من عليلٍ عاشَ حيناً من الدهرِ
وكم من فتىً يُمسي ويُصبحُ ضاحكاً ** وقد نُسجت أكفانهُ وهو لا يدري

فكان الشعر عندهم ليس طرباً، بل تذكيراً بالرحيل، واستحثاثاً للخطى نحو العمل قبل أن يُغلق الكتاب، ويجف المداد، وتنقطع الأنفاس.

​واعلموا يا عباد الله أن السلف لم يتركوا دقيقةً تذهبُ سُدىً، حتى في أشد لحظاتهم حرجاً، فها هو الإمام ابن جرير الطبري حين حضرته الوفاة، سأله سائلٌ مسألة، فدعا بمحبرةٍ وورق وكتب الجواب، فقيل له: "أفي هذه الحالة؟"، فقال: "ينبغي للإنسان ألا يدع طلب العلم حتى الممات"؛ فيا لله، كيف استغلوا النفس الأخير في طاعةٍ يلقون بها ربهم! بينما يقضي الكثير منا أعمارهم في مجالس لا تزيدهم من الله إلا بعداً، وفي لغوٍ يورثُ القسوة والندامة.

​إنما الأعمالُ يا عباد الله بالخواتيم، وإن أعظم الغبن أن يقدم المرء على ربه مفلساً من الخير، وقد أمهله الله ستين أو سبعين سنة، وفي الحديث الذي رواه البخاري يقول ﷺ: "أعذر الله إلى امرئ أخّر أجله حتى بلّغه ستين سنة"؛ فما بقي بعد الستين إلا الحصاد، وما قبلها إلا الزرع والاجتهاد، فالله الله في بقية الأعمار، استدركوا فيها ما فات، وبادروا بالصالحات قبل هادم اللذات، لعلكم في رحمات ربكم تتقلبون.

ثم الدعاء

 

المرفقات

1769699759_DOC-20260129-WA0096..pdf

المشاهدات 229 | التعليقات 0