حادثة الفيل
الشيخ عبدالرحمن بن ناصر آل شبنان المعاوي
الخطبة الأولى:
الحمد لله القوي العزيز، أهلك عاداً الأولى، وثمود فما أبقى، والمؤتفكة أهوى، فغشاها ما غشى، فبأي آلاء ربك تتمارى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رد أصحاب الفيل وجعل كيدهم في تضليل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، تزامن مولده مع حادثة الفيل عبرة وعظة
اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيرا...ً
عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فلباسها خير لباس، وأصحابها لايعتريهم يوم القيامة الباس، ومن يتق الله يجعل له فرقاناً ويكفر عن سيئاته ويعظم له أجرا.ً
أيها المسلمون: سورة في كتاب الله قليل آيها، كبير حدثها، عظيم مدلولها، تنبئ عن نهاية الظلم، وهلاك المتكبرين... لا بسلطان البشر وقوتهم، ولكن بقوة الله وحده وجبروته... وتؤكد السورة ألا قوة فوق قوة الله... وأن القوى الظالمة مهما تجبرت وطغت فنهايتها الفناء.
هَذَا حَدِيثٌ عَنْ سورة الْفِيلِ وعن واقعة الفيل الَّتِي حَمَى اللهُ تَعَالَى فِيهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ مِنِ اعْتِدَاءِ أَبْرَهَةَ الأشرم وَجَيْشِهِ ، وَبَعْدَهَا بِخَمْسِينَ يَوْمًا وُلِدَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَرَّخَ أَهْلُ السِّيَرِ وِلَادَتَهُ بِعَامِ الْفِيلِ
وَمُلَخَّصُ خَبَرِهِمْ:
أَنَّ الْيَمَنَ كان يحكمها رجل مُشْرِك اسمه ذُو نُوَاسِ ، - وهُوَ الَّذِي حَرَّقَ أَصْحَابَ الْأُخْدُودِ الْمَذْكُورِينَ فِي سُورَةِ الْبُرُوجِ، وَكَانُوا قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا، فَأَفْلَتَ مِنْهُمْ مَنِ اسْتَغَاثَ بِمَلِكِ الشَّامِ -وَكَانَ نَصْرَانِيًّا- فَكَتَبَ لَهُ إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلَكِ الْحَبَشَةِ؛ يَأْمُرُهُ بِالِانْتِقَامِ لِأَصْحَابِ الْأُخْدُودِ ، وَبَعَثَ مَعَهُ أَمِيرَيْنِ: أَرِيَاطَ وَأَبْرَهَةَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، فَدَخَلُوا الْيَمَنَ، وَاسْتَلَبُوا الْمُلْكَ مِنْ ذي نواس, وَاسْتَقَلَّت الْحَبَشَةُ بِمُلْكِ الْيَمَنِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْأَمِيرَانِ: أَرِيَاطُ وَأَبْرَهَةُ فِي أَمْرِهِمَا وَتَصَاوَلَا وَتَقَاتَلَا فَكَانَتِ الْغَلَبَةُ للخبيث ِأَبْرَهَةَ...
وَاسْتَقَلَّ بِتَدْبِيرِ جَيْشِ الْحَبَشَةِ بِالْيَمَنِ, فَكَتَبَ إِلَيْهِ النَّجَاشِيُّ يَلُومُهُ وَيُهَدِّدُهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، فَاسْتَطَاعَ أَنْ يَمْتَصَّ غَضَبَ النَّجَاشِيِّ، وَأَنْ يُقِرَّهُ مَلِكًا عَلَى الْيَمَنِ، وَأَرْسَلَ أَبَرْهَةُ يَقُولُ لِلنَّجَاشِيِّ: إِنِّي سَأَبْنِي لَكَ كَنِيسَةً بِأَرْضِ الْيَمَنِ لَمْ يُبْنَ قَبْلَهَا مِثْلُهَا. فَشَرَعَ فِي بِنَاءِ كَنِيسَةٍ هَائِلَةٍ بِصَنْعَاءَ، رَفِيعَةِ الْبِنَاءِ، عَالِيَةِ الْفِنَاءِ، مُزَخْرَفَةِ الْأَرْجَاءِ....
وَعَزَمَ أَبَرْهَةُ عَلَى أَنْ يَصْرِفَ حَجَّ الْعَرَبِ إِلَيْهَا كَمَا يُحَجُّ إِلَى الْكَعْبَةِ بِمَكَّةَ، وَنَادَى بِذَلِكَ فِي مَمْلَكَتِهِ، فَكَرِهَتِ الْعَرَبُ ذَلِكَ، وَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ لِذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، حَتَّى قَصَدَ بعض قريش كعبة أبرهه، فَأَحْدَثَ فِيهَا, فَلَمَّا رَأَى السَّدَنَةُ ذَلِكَ الْحَدَثَ، رَفَعُوا أَمْرَهُمْ إِلَى مَلِكِهِمْ أَبَرْهَةَ، وَقَالُوا لَهُ: إِنَّمَا صَنَعَ هَذَا بَعْضُ قُرَيْشٍ غَضَبًا لِبَيْتِهِمُ الَّذِي ضَاهَيْتَ هَذَا بِهِ، فَأَقْسَمَ أَبَرْهَةُ لَيَسِيرَنَّ إِلَى بَيْتِ مَكَّةَ، وَلَيُخَرِّبَنَّهُ حَجَرًا حَجَرًا
فَتَأَهَّبَ أَبَرْهَةُ لِذَلِكَ، وَسَارَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ مَعَهُ الْفِيَلَةُ لِيَهْدِمَ الْكَعْبَةَ؛ فَلَمَّا سَمِعَتِ الْعَرَبُ بِمَسِيرِهِ أَعْظَمُوا ذَلِكَ جِدًّا، وَرَأَوْا أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِمُ الدِّفَاعُ عَنِ الْبَيْتِ، وَرَدُّ مَنْ أَرَادَهُ بِكَيْدٍ.
فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْيَمَنِ وَمُلُوكِهِمْ، يُقَالُ لَهُ (ذُو نَفْرٍ) فَدَعَا قَوْمَهُ وَمَنْ أَجَابَهُ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ إِلَى حَرْبِ أَبَرْهَةَ، ورده عَنْ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ. فَأَجَابُوهُ وَقَاتَلُوا أَبَرْهَةَ، فَهَزَمَهُمْ لِمَا يُرِيدُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ كَرَامَةِ الْبَيْتِ وَتَعْظِيمِهِ. ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كَانَ بِأَرْضِ خَثْعَمٍ، عَرَضَ لَهُ نُفَيلُ بْنُ حَبِيبٍ فِي قَوْمِهِ، فَقَاتَلُوهُ، فَهَزَمَهُمْ أَبَرْهَةُ.
فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ أَرْضِ الطَّائِفِ، خَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا ثَقِيفٌ وَصَانَعُوهُ خِيفَةً عَلَى صنمهم (اللَّاتَ) فَأَكْرَمَهُمْ لِاسْتِسْلَامِهِمْ، وَبَعَثُوا مَعَهُ (أَبَا رِغَالٍ) لا كثر الله أمثاله بعثوه معهم دَلِيلًا يدلهم على بيت الله العتيق فَلَمَّا انْتَهَى أَبَرْهَةُ إِلَى المُغَمَّسِ -وَهُوَ موضع قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ- نَزَلَ بِهِ وَأَغَارَ جَيْشُهُ عَلَى سَرْحِ أَهْلِ مَكَّةَ مِنَ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا، فَأَخَذُوهُ. وَكَانَ فِي السَّرْحِ مِائَتَا بَعِيرٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
وَأَرْسَلَ أَبَرْهَةُ إِلَى أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، يُخْبِرُهُمْ أَنَّه لَمْ يَجِئْ لِقِتَالِهمْ إِلَّا أَنْ يصُدُّوهُ عَنِ الْبَيْتِ. فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: وَاللَّهِ مَا نُرِيدُ حَرْبَهُ، وَمَا لَنَا بِذَلِكَ مِنْ طَاقَةٍ. هَذَا بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ، وَبَيْتُ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ فَهُوَ بَيْتُهُ وَحَرَمُهُ، وَإِنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَوَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا دَفْعٌ عَنْهُ.
فَذَهَبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مَعَ رَسُولِ النَّجَاشِيِّ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبَرْهَةُ أَجَلَّهُ، وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ رَجُلًا جَمِيلًا حَسَنَ الْمَنْظَرِ، وَنَزَلَ أَبَرْهَةُ عَنْ سَرِيرِهِ، وَجَلَسَ مَعَهُ عَلَى الْبِسَاطِ، وَقَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ حَاجَتِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ الْمَلِكُ مِائَتَيْ بَعِيرٍ أَصَابَهَا لِي. فَقَالَ أَبَرْهَةُ: لَقَدْ كُنْتَ أَعْجَبْتَنِي حِينَ رَأَيْتُكَ، ثُمَّ قَدْ زَهِدْتُ فِيكَ حِينَ كَلَّمْتَنِي، أَتُكَلِّمُنِي فِي مِائَتَيْ بَعِيرٍ أَصَبْتُهَا لَكَ، وَتَتْرُكُ بَيْتًا هُوَ دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكِ قَدْ جِئْتُ لِهَدْمِهِ، لَا تُكَلِّمُنِي فِيهِ؟! فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ونعم ما قال وكان يريد أن يوصل رسالة لأبرهه وليس المراد إبله وماله, قال: إِنِّي أَنَا رَبُّ الْإِبِلِ، وَإِنَّ لِلْبَيْتِ رَبًّا سَيَمْنَعُهُ. قَالَ: مَا كَانَ لِيَمْتَنِعَ مِنِّي! قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ...
وَرَجَعَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى قُرَيْشٍ فَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ، وَالتَّحَصُّنِ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، تَخَوُّفًا عَلَيْهِمْ مِنْ مَعَرَّةِ الْجَيْشِ. ثُمَّ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَأَخْذَ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَقَامَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَسْتَنْصِرُونَهُ عَلَى أَبَرْهَةَ وَجُنْدِهِ قائلين:
لاهم إن العبد يمنع رحله فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبدا محالك
إن كنت تاركهم وقبلــتنا فأمر ما بدا لكْ
وقال:
يا رب لا أرجو لهم سواكا يا رب فامنع منهم حماكا
إن عدو البيت من عادا إنهم لن يقهروا قواكا
فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبَرْهَةُ تَهَيَّأَ لِدُخُولِ مَكَّةَ، وَهَيَّأَ فِيلَهُ واسمه محمود، وَعَبَّأَ جَيْشَهُ والكل موجود، فَلَمَّا وَجَّهُوا الفيل محمود نَحْوَ مَكَّةَ بَرَكَ ، َضَرَبُوه لِيَقُومَ فَأَبَى, َوَجَّهُوهُ رَاجِعًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَامَ يُهَرْوِلُ. وَجَّهُوهُ إِلَى الشَّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ. وَوَجَّهُوهُ إِلَى الْمَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَوَجَّهُوهُ أخرى إِلَى مَكَّةَ فَبَرَكَ.
حينها أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا مِنَ الْبَحْرِ أَمْثَالَ الْخَطَاطِيفِ، مَعَ كُلِّ طَائِرٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ يَحْمِلُهَا: حَجَرٌ فِي مِنْقَارِهِ، وَحَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ، أَمْثَالُ الْحِمَّصِ وَالْعَدَسِ، لَا تُصِيبُ مِنْهُمْ أَحَدًا إِلَّا هَلَكَ، وَلَيْسَ كُلُّهُمْ أَصَابَتْ. وَخَرَجُوا هَارِبِينَ يَبْتَدِرُونَ الطَّرِيقَ، وقُرَيْشٌ وَعَرَبُ الْحِجَازِ عَلَى الْجِبَالِ، يَنْظُرُونَ مَاذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ مِنَ النِّقْمَةِ.
وَلَيْسَ كُلُّهُمْ أَصَابَهُ الْعَذَابُ، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ هَلَكَ سَرِيعًا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ يَتَسَاقَطُ عُضْوًا عُضْوًا وَهُمْ هَارِبُونَ، وَكَانَ أَبَرْهَةُ مِمَّنْ تَسَاقَطُت أعضاؤه عُضْوًا عُضْوًا، حَتَّى هلك بِبِلَادِ خَثْعَمٍ..
وَتَنَزَّلَتْ آيَاتُ الْقُرْآنِ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْحَادِثَةِ الْعَظِيمَةِ يَمْتَنُّ اللهُ تَعَالَى فِيهَا عَلَى قُرَيْشٍ حِينَ حَمَاهُمْ مِنْ أَبْرَهَةَ وَجَيْشِهِ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى، وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فقال عز وجل وتقدس اسمه وتعالى جده ولا إله غيره
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ)
أَيْ: جَعَلَهُمْ كَالزَّرْعِ الَّذِي أَكَلَتْ مِنْهُ الْبَهَائِمُ وَعَبَثَتْ بِهِ وَدَاسَتْهُ بِأَقْدَامِهَا، وَهَذَا تَمْثِيلٌ لِحَالِ أَصْحَابِ الْفِيلِ بَعْدَ تِلْكَ النَّضْرَةِ وَالْقُوَّةِ كَيْفَ صَارُوا مُتَسَاقِطِينَ عَلَى الْأَرْضِ هَالِكِينَ
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
(وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ)
بارك الله لنا ولكم في القرآن ....
الخطبة الثانية:
الْحَمْدُ لِلهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ
(وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْفِيلِ وَمَا جَرَى عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَذَابِ عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ لِمَنْ قَصَدَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ بِالْأَذَى, وَلَكِنَّ أَهْلَ الْبَاطِلِ لَا يَتَّعِظُونَ؛ لِأَنَّهُمْ أَصْلًا لَا يُصَدِّقُونَ بِالْقُرْآنِ، وَلَا يَأْبَهُونَ بِالتَّارِيخِ؛ وَلِذَا فَعَلَ الْقَرَامِطَةُ فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْهِجْرِيِّ مَا فَعَلُوا فِي مَكَّةَ مِنْ ذَبْحِ الْحُجَّاجِ، وَسَرِقَةِ الْحَجَرِ الْأَسْوَد...ِ
وَبَاطِنِيَّةُ هَذَا الْعَصْرِ مِنَ الصَّفَوِيِّينَ الرافضة وَأَذْنَابِهِمْ يُعِيدُونَ الِاعْتِدَاءَ عَلَى مَكَّةَ، وَيُرْسِلُونَ عَلَيْهَا صَوَارِيخَهُمْ,وَلَوْ قَدَرُوا لَهَدَمُوا الْكَعْبَةَ وَذَبَحُوا أَهْلَ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صَمِيمِ عَقَائِدِهِمْ، وَمِنْ أَسَاسَاتِ دِينِهِمْ؛ وَمِنْ رِوَايَاتِهِمْ فِي ذَلِكَ
"إِذَا قَامَ الْمَهْدِيُّ هَدَمَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ... وَقَطَعَ أَيْدِي بَنِي شَيْبَةَ وَعَلَّقَهَا بِالْكَعْبَةِ"
وَفِي نَصٍّ آخَرَ عِنْدَهُمْ:
"يُجَرِّدُ السَّيْفَ عَلَى عَاتِقِهِ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ يَقْتُلُ هَرْجاً... ثُمَّ يَتَنَاوَلُ قُرَيْشاً فَلَا يَأْخُذُ مِنْهَا إِلَّا السَّيْفَ وَلَا يُعْطِيهَا إِلَّا السَّيْفَ"
فَهِذِه نَوَايَاهُمُ السَّيِّئَةُ فِي قُرَيْشٍ وَفِي الْحَرَمِ. وَفِي رِوَايَاتِهِمْ أَنَّ قَائِمَهُمْ يَهْدِمُ الْكَعْبَةَ، وَيَنْقِلُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ إِلَى مَسْجِدِهِمْ فِي الْكُوفَةِ أخزاهم الله وأخزى روايتهم وتفاهاتهم ومكرهم.
وَأَبْرَهَةُ حِينَ سَارَ لِهَدْمِ الْكَعْبَةِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلنَّاسِ، أَمَّا هَؤُلَاءِ الْبَاطِنِيَّةُ فَلَنْ يُبْقُوا عَلَى مُسْلِمٍ بِلَا قَتْلٍ وَتَعْذِيبٍ. وَأَفْعَالُهُمْ بِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَالْيَمَنِ شَاهِدَةٌ عَلَى ذَلِكَ
وَكَمَا خَانَ أَبُو رِغَالٍ عَرَبَ الْأَمْسِ لِمَصْلَحَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ، فَصَارَ دَلِيلًا لِأَبْرَهَةَ فِي هَدْمِ الْكَعْبَةِ، وَمَاتَ قَبْلَ بُلُوغِهَا فَرَجَمَتِ الْعَرَبُ قَبْرَهُ؛ فَإِنَّ نَمَاذِجَ أَبِي رِغَالٍ فِي عَصْرِنَا كَثِيرَةٌ جِدًّا؛ مِمَّنْ خَانُوا دِينَهُمْ وَأُمَّتَهُمْ، وَصَارُوا مَعَ الْبَاطِنِيِّينَ بِمَوَاقِفِهِمْ وَأَقْلَامِهِمْ وَإِعْلَامِهِمْ، وَمَصِيرُهُمْ سَيَكُونُ مَصِيرَ أَبِي رِغَالٍ الْأَوَّلِ، وَكَمْ فِي زَمَنِنَا مِنْ أَبِي رِغَالٍ يَسْتَحِقُّ ذَمًّا وَرَجْمًا
وَفِي حَادِثَةِ الْفِيلِ دَعَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ رَبَّهُ تَحْتَ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَأَخْلَصَ فِي دُعَائِهِ أَنْ يَحْفَظَ اللهُ تَعَالَى بَيْتَهُ رَغْمَ أَنَّهُ مُشْرِكٌ. فَأَوْلَى أَنْ يَلْهَجَ الْمُؤْمِنُونَ بِالدُّعَاءِ بِحِفْظِ الْبَيْتَيْنِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى مِمَّنْ يُرِيدُ بِهَا شَرًّا مِنْ صَهَايِنَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، ورافضة فَارِسَ؛ فَإِنَّ تَآمُرَ الْأَعْدَاءِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَمُقَدَسَاتِهِمْ كَبِيرٌ، وَإِنْ جَمْعَهُمْ كبار ، وَقَدْ تَقَاسَمُوا الْأَدْوَارَ، جعل الله كيدهم في تبار
(إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا)
وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم
المرفقات
1779289178_حادثة الفيل.docx