حب الأوطان

الخطبة الأولى:

الحمد لله مسبغ النعم وموجد الخلق من عدم، سبحانه أرأف من ملك وأعدل من حكم، وأشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا وبعد :

 

فاتَّقوا اللهَ عباد الله فيما أَمَر، وانتَهُوا عمَّا نهَى عنهُ وزَجَر، وأَحْسِنُوا جِوَارَ النِّعَم؛ أَحْسِنُوا جِوَارَ النِّعَم فما أدبَرَتْ نِعمَةٌ بعدما أقبَلَتْ، ولا رُفِعَتْ مِنَّةٌ بعدما نزَلَتْ، ولا سُلِبَتْ كرَامَةٌ بعدما مُنِحَتْ؛ إلا بسببِ عَطايا ما شُكِرَتْ، أو بسببِ خَطايا فُعِلَتْ، وصدق الله: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ )،

عباد الله:

كلنا معشر البشر مجبول مفطورٌ على حبِّ الوطن، نَحِنُّ إليه ونشتاق، نحزنُ عند مفارقته، نتأوه إن تذكرنا مواطن المْولد وأيام الصبا...

قَدِم الصحابي الجليل أصيل الغفاري على الحبيب    فقال له رسول الله "يا أصيل: كيف عهدت مكة؟!"، قال: عهدتُها قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، وأغدق إذخرها، وأسِلَت ثمامها، وبدأ يصف ربيع مكة وجمال أوديتها وجبالها فقال   ( ويهاً يا أصيل! دع القلوب تقر قرارها حسبك -يا أصيل- لا تحزنا).

 

هذا الحب يا أحبة قائم في نفوس البشر كلِّهم، كلٌ لوطنه مُحب، وعنه ينافح ويدافع، فكيف الأمر في هذا الوطن المبارك؛ بلدِ التوحيد والعقيدةِ، ومهبط الوحي ومأرِز الإيمان، وأرضِ الحرمين، وقِبلة المسلمين؟!

لا شك أنه سيكون حباً فطريا وتعبدياً وأصدق الناس حبًا لوطنه يا عباد الله، أصدق الناس حبًا لوطنه  هو من يسهم سعادة مجتمعه بأخلاقه وصدقه ومروءته وأمانته، والدعوة إلى عقيدته الصافية، هذا هو الحب الحقيقي للوطن أن تكون عنصراً إيجابياً في مجتمعك، محباً للخير وأهله مبغضا للشر وأهله، مجانباً للذنوب والمعاصي، بعيداً عنها كل البعد، فإن الله تعالى قد أكَّد كثيرا في كتابه العزيز على هذه الحقيقة العظيمة، من كان محباً لمجتمعه فليسعَ فيه لكلّ خير وصلاح واجتماع وطاعة، فإن كان كذلك عمَّ في الأرض بركات رب العالمين، وإن كانت الأخرى فاسمعوا الخبر من الله جل في علاه حين قال: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ انتشر الفساد في الأرض برها وبحرها جوع وفقر وغلاء وقلة مطر وإن جاء المطر نزعت بركته، ينتشر الظلم والتنازع والفرقة في الأسر وغير الأسر، تنتشر الأوجاع والأمراض التي لم تكن في الأسلاف، يُنزع أو يقل الأمن، خوف من الحاضر والمستقبل، كل هذا فساد قد بيّن الله سببه بكل وضوح فقال: ﴿  بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ﴾ بسبب بُعدهم عن ربهم بسبب معاصيهم نسوا الله فنسيهم، نسيهم وأنساهم حتى أنفسهم، حين غفلوا عن الدار الآخرة وعمّروا الفانية، لم يحسبوا للآخرة حسابها، فسدت قلوبهم قبل أن تفسد أوطانهم فاستحقوا العقوبة الظاهرة الواضحة ﴿  لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ لعلهم يعودوا إلى الله لعلهم يتوبوا فيُمتعهم متاعاً حسنا، لعلهم يستقيموا على شَرعه فيُبدلُ الله خوفهم أمنا وفقرهم غنىً وتفرقهم اجتماعا.

 

 

 سنة من سنن الله عباد الله لا تتبدل ولا تتحول ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ﴾  وعد الله الذي لا يخلَف أن أهل القرى يعني أهل الأرض لو أنهم آمنوا بالله وحكّموا شرعه واستقاموا على دينه الذي ارتضاه الله لمكَّنهم من كل خير وفتح عليهم بركات السماء والأرض،            (  لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ )  ليست بركة واحدة بل بركات كثيرات من رب الأرض والسماوات.

 

وإذا أُغلِقت أبوابُ رزقٍ عن القُرى  **   فليس لها مِن دونِ ربكَ فاتِحُ

هذا كتابُ الله يَهْدِي دَرْبَنا  **  والتائهون عن الطريقِ شَتاتُ

 

 

اللم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة .... ربنا أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا وعلى والدينا وأن نعمل صالحا ترضاه وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين

 

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله ..... وبعد:

صدق الله يا عباد الله: (ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم )

 

أعطى الله نبيه سليمان المُلك وأخضع له أعظم جيوش الدنيا على الإطلاق من الجن والإنس والطير كل هؤلاء كانوا تحت إمرته وتحت حكمه وسلطانه، جِنُّهم وعفاريتهم وإنسهم والطيور كلها كانت تهابه ولا تعصي أمره، وفوق ذلك علَّمه الله تعالى منطق كل شيء، لغة جميع الحيوانات والطيور والحشرات، وأعطاه بساط الريح يركبه فيتنقل به حيث شاء، ما تقطعه الدواب في شهر كامل يقطعه هو في لحظات يسيرة، ورُزق قوة وملكا لم يُعْطه أحد من العالمين، ولــما أبت ملكة اليمن بلقيس الإسلام أمر بعرشها وكرسي ملكها أن يأتيه، فأتاه في لمح البصر قبل أن يرتدّ إليه طرفه فإذا هو عنده...

ومع هذا كله وهذا الملكوت والقدرة العجيبة ما تكبر ولا طغى ولا تجبر، بل عرف طريق بقاء العافية وسبيل دوامها فلم تزده نعم الله إلا خضوعا له سبحانه فقال:

( هذا من فضل ربي ليبلوني ءأشكرُ أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم )

ليعطي عليه السلام درساً عظيماً لكل من أنعم الله عليه بنعمه أن ينسب الفضل لله تعالى وحده وأنه بشكره سبحانه وطاعته تدوم على البلدان النعم وتزول النقم ..

فاذكروا نعم الله عليكم عباد الله، حين كفاكم وآواكم، وأمّنكم وأغناكم، ورزقكم في هذه البلاد المباركة التوحيد والعقيدة النقية  بعد ظلام الجاهلية، واذكروا الاجتماع بعد التفرق، والوحدة بعد الشتات، فَكَم لله تعالى علينا من نعمة، كم أزاح وصرف عنا من نقمة، فاشكروا الله كثيرا واذكروا نعمه بكرة وأصيلا، وزينوا أيامكم بدعواتكم لهذه البلاد وبلاد المسلمين أن يديم الله تعالى عليها التوحيد والطاعة والأمن والإيمان ورغد العيش والتوفيق في الدنيا والآخرة، ادعوا الله في خلواتكم وسجداتكم وفي كل أحوالكم أن يحفظ على هذه البلاد تحكيم شرعه العظيم، واتباع سنة الهادي الكريم، وأن يوفق ولاة أمرنا لكل خير وأن يصرف عنهم كل شر ...

 

اللهم احفظ على هذه البلاد أمنها ورغد عيشها، اللهم أدم عليها نعمة الأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى، اللهم ادفع عنا وعن بلاد المسلمين الغلا ...

المرفقات

1779289310_حب الأوطان.docx

المشاهدات 44 | التعليقات 0