ختام رمضان
د. منصور الصقعوب
1447/09/20 - 2026/03/09 15:29PM
تمر الأيام مراً، وتمضي الشهور ركضا، وتطوينا الأوقات طيَّا؛ نستقبل وجه الصباح فإذا بنا في المساء، ونحيّي مطلع الشهر فإذا بنا في آخره، وينتهي العام ونحن في غمرة استقباله! هكذا تمر الدنيا وكذا مر جل رمضان
اليوم أيها الكرام نقف في آخر جمعة من رمضان، ونودع شهراً سيعود حتماً لكنّ منا من لن يدركه وسيموت قبل
فهنيئاً لمن أحسن في شهره، وأما من قصر فيه ففي شهره بقية وفيه نفَس، والأعمال بالخواتيم، وأشرف كل زمان فاضلٍ آخره كما قرر العلماء
أيها المبارك: وحين ترى الله وفقك للخير وبلغك أواخر الشهر فلينطلق لسانك بحمد ربك أن وفقك وللخير دلك فما عملت إلا بتوفيقه، ولولا الله ما اهتديت ولا صمت ولا صليت (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً)، فما هو إلا توفيق الله لك، والمنة في كل ما قدمت لله لا لك ( بل الله يمن عليكم ان هداكم للإيمان) فلا تغتر بما عملت، وإياك أن يرى الله منك إدلالاً بما تعبدت أو إساءة بعد حسن ما قدمت.
ومع هذا فالعبرة في الأعمال ليست بكثرتها ولا بصورها بل بقبول الله لها، فلا تفتأ أن تسأل ربك أن يقبل صالح عملك وأن لا يكلك إلى نفسك، والموفقون هم الذين يتعبدون وهم بعد ذلك خائفون مشفقون أن ترد أعمالهم، ولا يُلتفتُ لقرباتهم، قال الله عنهم (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ( ويقول علي بن أبي طالب :كونوا لقبول العمل أشدَّ اهتماماً منكم بالعمل، ألم تسمعوا إلى قول الله عز وجل: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
وأهل الجنة من صفتهم الخوف والإشفاق (قالوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ* فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم) وفي ذلك يقول إبراهيم التيمي: ينبغي لمن لم يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنّة لأنّهم قالوا: إنّا كنّا قبل في أهلنا مشفقين.
ومع هذا يا مبارك فالمؤمن يحسن الظن بربه والله عند ظن عبده به، فيا من رفعت الأكف بالدعوات أحسن الظن بالمولى أنه سيجيبها أو يصرف عنك من السوء مثلها،
ويا من قمت لله مصلياً وقضيت نهارك صائماً كن على حسن الظن أن الله يقبل طاعاتك، ولا تفتأ أن تسأله القبول، واحرص أن تتصف بصفة المقبولين ( إنما يتقبل الله من المتقين ) أيها الكرام: وفي ختام الشهر شرع الله للعبد عباداتٍ ترقع خلل صومه وتزيد من ثوابه وأجره، وكان من مقدم العبادات وجليل القربات في ختام الشهر صدقة الفطر؛ شرعت على كل حي من المسلمين الصغير والكبير والذكر والأنثى، صاعاً من الطعام والقوت، يستغني بها الفقير وقت الفرح والعيد، ويرضي بها العبدُ الرب المجيد، قال ابن عباس ((فرض رسول الله زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)).
ويقرر جماهير العلماء أن المرء يخرجها بنفسه عنه وعمن ينفق عليهم، أو ينيب من يخرجها عنه
ولا تدفع للفقير مالاً، بل تخرج قوتاً، والخير كله في اتباع هدي المصطفى ج، وهكذا كان يصنع.
ويجمل بالمرء أن ينوع المخرج، فالأصناف ليست الأرز فحسب بل التمر والزبيب والبر ونحوه مما يكون قوتاً ولربما كان انتفاع الفقير به أكثر.
وليس للمرء أن يؤخرها عن صلاة العيد، وإن أخرجها قبل العيد بيوم ويومين جاز، والأحسن أن يخرجها صبيحة العيد إن استطاع.
وبعد هذه أيها الكرام وحين يعلن الشهر عن انصرامٍ وزوال، ويرى الرائون هلال شوال، يلهج المؤمنون بالتكبير في ليلة العيد، فرحاً بإتمام العدة والمهلة في العمر حتى بلوغ الختام ( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم...)
وبعد هذا تأتي صلاة العيد، صلاةٌ أكد الرسول عليه السلام على الجميع لحضورها الرجالَ والنساءَ بل وحتى العواتق اللاتي ليس من عادتهن الخروج، فكيف يأتي بعد ذلك من ينام عنها والناس يصلون؟ الخطبة الثانية:
ومن هدي الرسول الكريم في يوم العيد أنه كان يأكل قبل خروجه لصلاة عيد الفطر تمرات، والسنة أن يكنّ أول ما يأكل، وأن يأكلهن وتراً، ثلاثاً أو أكثر من ذلك وتراً، والأفضل أن يأكلهن عند خروجه
ومن هديه عليه السلام أنه كان يأتي للمسجد من طريق ويعود من طريق آخر.
ومما يندُبه العلماء للمأموم؛ أن يبادر بالخروج إلى المصلى من بعد صلاة الصبح ليحصل له الدنو من الإمام وانتظار الصلاة، وهو في صلاة ما انتظر الصلاة، وقد ورد عن البخاري أن البراء قال : خطبنا النبي يوم النحر فقال : "إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ... " قال ابن حجر : هو دال على أنه لا ينبغي الاشتغال في يوم العيد بشيء غيرِ التأهب للصلاة والخروج إليها، ومن لازِمِهِ أن لا يُفعَل قبلها شيءٌ غيرها، فاقتضى ذلك التبكير إليها
أيها الصائم: ومما يندب لك في ختام الشهر أن تكثر من الاستغفار، فخيرُ ما ختمت به الطاعات استغفارُ رب الأرض والسماوات، والعمل لن يكون على التمام والله يجبر الخلل بالاستغفار، قال ابن القيم: وأرباب العزائم والبصائر أشدُّ ما يكونون استغفاراً عقب الطاعات، لشهودهم تقصيرهم فيها، وتركَ القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه، وأنه لولا الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية ولا رضيها لسيده.
وبعد معشر الكرام فلئن مرّ الشهر فالمرء ميدان عمله كل العمر، ومواسم المضاعفة ما هي إلا دافع للسير، فدم على العمل فعما قريب ترحل أنت كما سيرحل رمضان، ولئن كانت أيام رمضان مضت فما مضت إلا وقد أخذت من عمرك، فيا من أطاع في الشهر جدَّ ودُم، فلقد بقي من شهرك أفضل لياليه،
وها قد قارب ميدان الشهر أن يغلق، وصحائفه أن تطوى، فيا من عصى الله في شهره ومضى الموسم وهو ما زال في تقصيره وغيِّه، يا من لهى في الثلثين يا من كاد الشهر أن يرحل وهو ما زال على حاله استدرك رمق شهرك الأخير، واعمل لله تفز بالأجر الكبير، وقدِّم اليوم فربما أهل هلال رمضان لاحقاً وأنت بين اللحود ثاوياً، وبأعمالك مرتهناً، فاستدرك الباقي ولا تستبعد الرحمة والتوبة من الله الباقي، واقدُم على ربك بقلب مخبت منيب علّه أن يجيب دعائك ويغفر زلاتك وهو المجيب
اليوم أيها الكرام نقف في آخر جمعة من رمضان، ونودع شهراً سيعود حتماً لكنّ منا من لن يدركه وسيموت قبل
فهنيئاً لمن أحسن في شهره، وأما من قصر فيه ففي شهره بقية وفيه نفَس، والأعمال بالخواتيم، وأشرف كل زمان فاضلٍ آخره كما قرر العلماء
أيها المبارك: وحين ترى الله وفقك للخير وبلغك أواخر الشهر فلينطلق لسانك بحمد ربك أن وفقك وللخير دلك فما عملت إلا بتوفيقه، ولولا الله ما اهتديت ولا صمت ولا صليت (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً)، فما هو إلا توفيق الله لك، والمنة في كل ما قدمت لله لا لك ( بل الله يمن عليكم ان هداكم للإيمان) فلا تغتر بما عملت، وإياك أن يرى الله منك إدلالاً بما تعبدت أو إساءة بعد حسن ما قدمت.
ومع هذا فالعبرة في الأعمال ليست بكثرتها ولا بصورها بل بقبول الله لها، فلا تفتأ أن تسأل ربك أن يقبل صالح عملك وأن لا يكلك إلى نفسك، والموفقون هم الذين يتعبدون وهم بعد ذلك خائفون مشفقون أن ترد أعمالهم، ولا يُلتفتُ لقرباتهم، قال الله عنهم (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ( ويقول علي بن أبي طالب :كونوا لقبول العمل أشدَّ اهتماماً منكم بالعمل، ألم تسمعوا إلى قول الله عز وجل: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
وأهل الجنة من صفتهم الخوف والإشفاق (قالوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ* فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم) وفي ذلك يقول إبراهيم التيمي: ينبغي لمن لم يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنّة لأنّهم قالوا: إنّا كنّا قبل في أهلنا مشفقين.
ومع هذا يا مبارك فالمؤمن يحسن الظن بربه والله عند ظن عبده به، فيا من رفعت الأكف بالدعوات أحسن الظن بالمولى أنه سيجيبها أو يصرف عنك من السوء مثلها،
ويا من قمت لله مصلياً وقضيت نهارك صائماً كن على حسن الظن أن الله يقبل طاعاتك، ولا تفتأ أن تسأله القبول، واحرص أن تتصف بصفة المقبولين ( إنما يتقبل الله من المتقين ) أيها الكرام: وفي ختام الشهر شرع الله للعبد عباداتٍ ترقع خلل صومه وتزيد من ثوابه وأجره، وكان من مقدم العبادات وجليل القربات في ختام الشهر صدقة الفطر؛ شرعت على كل حي من المسلمين الصغير والكبير والذكر والأنثى، صاعاً من الطعام والقوت، يستغني بها الفقير وقت الفرح والعيد، ويرضي بها العبدُ الرب المجيد، قال ابن عباس ((فرض رسول الله زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)).
ويقرر جماهير العلماء أن المرء يخرجها بنفسه عنه وعمن ينفق عليهم، أو ينيب من يخرجها عنه
ولا تدفع للفقير مالاً، بل تخرج قوتاً، والخير كله في اتباع هدي المصطفى ج، وهكذا كان يصنع.
ويجمل بالمرء أن ينوع المخرج، فالأصناف ليست الأرز فحسب بل التمر والزبيب والبر ونحوه مما يكون قوتاً ولربما كان انتفاع الفقير به أكثر.
وليس للمرء أن يؤخرها عن صلاة العيد، وإن أخرجها قبل العيد بيوم ويومين جاز، والأحسن أن يخرجها صبيحة العيد إن استطاع.
وبعد هذه أيها الكرام وحين يعلن الشهر عن انصرامٍ وزوال، ويرى الرائون هلال شوال، يلهج المؤمنون بالتكبير في ليلة العيد، فرحاً بإتمام العدة والمهلة في العمر حتى بلوغ الختام ( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم...)
وبعد هذا تأتي صلاة العيد، صلاةٌ أكد الرسول عليه السلام على الجميع لحضورها الرجالَ والنساءَ بل وحتى العواتق اللاتي ليس من عادتهن الخروج، فكيف يأتي بعد ذلك من ينام عنها والناس يصلون؟ الخطبة الثانية:
ومن هدي الرسول الكريم في يوم العيد أنه كان يأكل قبل خروجه لصلاة عيد الفطر تمرات، والسنة أن يكنّ أول ما يأكل، وأن يأكلهن وتراً، ثلاثاً أو أكثر من ذلك وتراً، والأفضل أن يأكلهن عند خروجه
ومن هديه عليه السلام أنه كان يأتي للمسجد من طريق ويعود من طريق آخر.
ومما يندُبه العلماء للمأموم؛ أن يبادر بالخروج إلى المصلى من بعد صلاة الصبح ليحصل له الدنو من الإمام وانتظار الصلاة، وهو في صلاة ما انتظر الصلاة، وقد ورد عن البخاري أن البراء قال : خطبنا النبي يوم النحر فقال : "إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ... " قال ابن حجر : هو دال على أنه لا ينبغي الاشتغال في يوم العيد بشيء غيرِ التأهب للصلاة والخروج إليها، ومن لازِمِهِ أن لا يُفعَل قبلها شيءٌ غيرها، فاقتضى ذلك التبكير إليها
أيها الصائم: ومما يندب لك في ختام الشهر أن تكثر من الاستغفار، فخيرُ ما ختمت به الطاعات استغفارُ رب الأرض والسماوات، والعمل لن يكون على التمام والله يجبر الخلل بالاستغفار، قال ابن القيم: وأرباب العزائم والبصائر أشدُّ ما يكونون استغفاراً عقب الطاعات، لشهودهم تقصيرهم فيها، وتركَ القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه، وأنه لولا الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية ولا رضيها لسيده.
وبعد معشر الكرام فلئن مرّ الشهر فالمرء ميدان عمله كل العمر، ومواسم المضاعفة ما هي إلا دافع للسير، فدم على العمل فعما قريب ترحل أنت كما سيرحل رمضان، ولئن كانت أيام رمضان مضت فما مضت إلا وقد أخذت من عمرك، فيا من أطاع في الشهر جدَّ ودُم، فلقد بقي من شهرك أفضل لياليه،
وها قد قارب ميدان الشهر أن يغلق، وصحائفه أن تطوى، فيا من عصى الله في شهره ومضى الموسم وهو ما زال في تقصيره وغيِّه، يا من لهى في الثلثين يا من كاد الشهر أن يرحل وهو ما زال على حاله استدرك رمق شهرك الأخير، واعمل لله تفز بالأجر الكبير، وقدِّم اليوم فربما أهل هلال رمضان لاحقاً وأنت بين اللحود ثاوياً، وبأعمالك مرتهناً، فاستدرك الباقي ولا تستبعد الرحمة والتوبة من الله الباقي، واقدُم على ربك بقلب مخبت منيب علّه أن يجيب دعائك ويغفر زلاتك وهو المجيب