خطبة الأصول الثلاثة وأدلتها
حسين بن حمزة حسين
1447/12/08 - 2026/05/25 02:49AM
الحَمْدُ للهِ الذِي خَلَقَ الخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِتَوْحِيدِهِ وَطَاعَتِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ اللهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْنَا عَبَثاً، وَلَمْ يَتْرُكْنَا هَمَلاً، بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولاً، فَمَنْ أَطَاعَهُ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَاهُ دَخَلَ النَّارَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا)
إخوة الإيمان: إِنَّ هُنَاكَ أُصُولاً ثَلاَثَةً، هِيَ قَوَاعِدُ الدِّينِ، وَأَسَاسُ العَقِيدَةِ، وَهِيَ الأَسْئِلَةُ الثَّلاَثَةُ الَّتِي سَيُسْأَلُ عَنْهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا فِي قَبْرِهِ؛ حِينَمَا يُدْرَجُ فِي كَفَنِهِ، وَيُفَارِقُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَيُتْرَكُ فَرِيداً وَحِيداً. هُنَاكَ يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولاَنِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ هَذِهِ هِيَ «الأُصُولُ الثَّلاَثَةُ» الَّتِي جَمَعَهَا وَبَيَّنَهَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِالْوَهَّابِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي رِسَالَتِهِ القَيِّمَةِ،- الأصول الثلاثة وأدلتها- مُسْتَدِلاًّ عَلَى كُلِّ مَسْأَلَةٍ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ.
أَمَّا الأَصْلُ الأَوَّلُ ـ عِبَادَ اللهِ ـ فهو: مَعْرِفَةُ العَبْدِ رَبَّهُ. أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ المَعْبُودُ جلّ جلاله، وَهُوَ الخَالِقُ، الرَّازِقُ، المُدَبِّرُ لِهَذَا الكَوْنِ. فَإِذَا قِيلَ لَكَ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ فَقُلْ: بِآيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ؛ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ، وَمِنْ مَخْلُوقَاتِهِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّهُ الرَّبُّ الخَالِقُ، وَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تَخُصَّهُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ؛ فَلاَ تَدْعُ إِلاَّ اللهَ، وَلاَ تَسْتَغِثْ إِلاَّ بِاللهِ، وَلاَ تَذْبَحْ وَلاَ تَنْذِرْ إِلاَّ للهِ، قَالَ تَعَالَى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا).
وَأَمَّا الأَصْلُ الثَّانِي: فَهُوَ مَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلاَمِ بِالأَدِلَّةِ. وَالإِسْلاَمُ هُوَ: الِاسْتِسْلاَمُ للهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ. وَهُوَ ثَلاَثُ مَرَاتِبَ، كُلُّ مَرْتَبَةٍ لَهَا أَرْكَانٌ: المَرْتَبَةُ الأُولَى: الإِسْلاَمُ، وَأَرْكَانُهُ خَمْسَةٌ، فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ( بُنِيَ الإسْلَامُ علَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، وإقَامِ الصَّلَاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والحَجِّ، وصَوْمِ رَمَضَان) منفق عليه.
المَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الإِيمَانُ، وَأَرْكَانُهُ سِتَّةٌ؛ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. كما ورد في حديث جبريل عليه السلام.
المَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ أَعْلاَهَا وَأَعْظَمُهَا: الإِحْسَانُ، وَلَهُ رُكْنٌ وَاحِدٌ، بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ».
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
المَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الإِيمَانُ، وَأَرْكَانُهُ سِتَّةٌ؛ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. كما ورد في حديث جبريل عليه السلام.
المَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ أَعْلاَهَا وَأَعْظَمُهَا: الإِحْسَانُ، وَلَهُ رُكْنٌ وَاحِدٌ، بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ».
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية:
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ طَرِيقَ النَّجَاةِ مَشْرُوطٌ بِتَحْقِيقِ هَذِهِ الأُصُولِ عِلْماً وَعَمَلاً.
وَالأَصْلُ الثَّالِثُ ـ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ ـ هُوَ: مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ. أَنْ تَعْرِفَ نَسَبَهُ، فَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عَبْدِالمُطَّلِبِ، مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ العَرَبِ، وَالعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، بَعَثَهُ اللهُ بِالنَّذَارَةِ عَنِ الشِّرْكِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ، نَقَلَ الأُمَّةَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَمَا تَرَكَ خَيْراً إِلاَّ دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيْهِ، وَمَا تَرَكَ شَرّاً إِلاَّ حَذَّرَهَا مِنْهُ، ومَعْرِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَعْرِفَةِ اسْمٍ، بَلْ هِيَ: طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، وَاجْتِنَابُ مَا عَنْهُ نَهَى وَزَجَرَ، وَأَنْ لاَ يُعْبَدَ اللهُ إِلاَّ بِمَا شَرَعَ.
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الإِجَابَةَ فِي القَبْرِ عَلَى هَذِهِ الأُصُولِ الثَّلاَثَةِ، لاَ تَكُونُ بِالحِفْظِ اللِّفْظِيِّ، وَلاَ بِالفَصَاحَةِ وَاللِّسَانِ! فَالمُنَافِقُ فِي الدُّنْيَا إِذَا أُودِعَ فِي قَبْرِهِ وَسُئِلَ، يَقُولُ: (هَاهْ هَاهْ لاَ أَدْرِي! سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئاً فَقُلْتُهُ!) فَيُضْرَبُ بِمِرْزَبَّةٍ مِنْ حَدِيدٍ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ الإِنْسَانَ. أَمَّا المُؤْمِنُ الذِي عَاشَ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَعَرَفَ رَبَّهُ فَأَطَاعَهُ، وَعَرَفَ دِينَهُ فَالتَزَمَهُ، وَعَرَفَ نَبِيَّهُ فَاتَّبَعَهُ، فَيُثَبِّتُهُ اللهُ تَعَالَى، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ ( ُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) فَيَقُولُ بِثَبَاتٍ: رَبِّيَ اللهُ، وَدِينِيَ الإِسْلاَمُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ. فَتَمَسَّكُوا بِأُصُولِ دِينِكُمْ، وَتَعَلَّمُوهَا، وَعَلِّمُوهَا أَبْنَاءَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ، فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ السَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا، وَسَبَبُ النَّجَاةِ فِي الآخِرَةِ.
اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ، اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ مَفْتُونِينَ.