خطبة ذمّ الغضب

حسين بن حمزة حسين
1447/06/09 - 2025/11/30 11:37AM
إخوة الإيمان: الغضب بابٌ من أبوابِ الشر، ومركبٌ يمتطيه الشيطانُ ليفسد دينَ الإنسان ودنياَه، ذمّه اللهُ تعالى وذمَّهُ رسولُه صلى الله عليه وسلم، الغضبُ نارٌ يُشعلها الشيطان في قلب ابن آدم، يُخرِج الرجل من أحسنِ أخلاقه إلى أقبحها، فكم من رجلٍ – في لحظة غضب – كسر قلب والديه، وأهان زوجته وأبناءه وأهله وأقاربه، فالقوي الحقيقي ليس من يكْسِر ظهورِ الناس، بل القويُّ الذي يكسِر ثوْرة غضبه، فلا يتكلّم إلا خيراً ولا يفعل إلا خيراً، وقد مدح الله الكاظمين الغيظ، فقال جل شأنه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾، ثم قال في آخرها: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، قل لي قولًا وأقِلِل، لعلِّي أعِيَه. فقال ﷺ: «لا تَغْضَب (، فردَّد عليه مرارًا، وكل ذلك يقول: لا تَغْضَب)، قال الرجل: ففكَّرتُ حين قال رسول الله ما قاله، فإذا الغضب يجمع الشرَّ كلَّه. رواه البخاري. وقال جعفر بن محمد: الغضب مفتاح كل شر.
إخوة الإيمان: من الغضب تنشأُ الجرائم، وتقعُ الخصومات، وتُقطعُ الأرْحام، وترْتفعُ الألسن بالسّباب والقذْف والشتم، بل ربما جرّ بعضَ الناس –والعياذ بالله– إلى الكفر؛ بسبِّ الدين أو سبّ شيء من سنة سيد المرسلين ﷺ، وما أكثر المآسي التي خلّفها الغضب!، بيوتٌ هدُّمت، وأسرٌ شتّتت، وأطفال شرّدوا، فكم من قاتل ومقتول، ومعاقٍ ومقعَدٍ ومسجون. وكم من أبناء وبنات عاشوا مشرَّدين سُلِبت منهم الأبوَّة، وعاشوا مثل الأيتام، غَضِب الأب فطلّق الأم، قصصٌ ومآسٍ وآلام، يتجرع مرارتها من لم يداري ثوْرة الغضب، ولا يكاد يخلو ذهْن أحدٍ منّا من هذه القصص، رجلٌ تجاوز الخمسين، مبتلًى بالصرع والتشنج يمشي كالمجنون، يقول: كنتُ طفلاً في السابعة من عمري، أعمل مع أبي في إصلاح السيارات، فأخطأْتُ مرّةٍ في إحضار مفك، فغضب أبي وضربني بالمفك على رأسي فأُغمي عليّ، ومنذ ذلك الحين وأنا على هذه الحال، كثيُر الصرعِ والتشنج كالمجنون، تخيّلوا –عباد الله– كيف صنع الغضب بإنسان، أعاقه عمرًا كاملًا!
إخوة الإيمان: كان أشرفُ خلْق الله ﷺ وأكملُهم أخلاقًا، لا يغْضب لنفسه قط، إلا أن تُنتَهك محارمُ الله، فيغضب لله، قالت عائشة رضي الله عنها: (ما ضَرَبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ شيئًا قَطُّ بيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا؛ إلَّا أَنْ يُجَاهِدَ في سَبيلِ اللهِ، وَما نِيلَ منه شَيءٌ قَطُّ، فَيَنْتَقِمَ مِن صَاحِبِهِ؛ إلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيءٌ مِن مَحَارِمِ اللهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) رواه مسلم. فاتقوا الله عباد الله، واجعلوا الغضب في الحق لا في الباطل، فاغضبوا للدين إذا انتُهِكتْ حُرُماتُه، وأغضبوا للمظلوم إذا استُضعف، فلا تقولوا إلا خيراً ولا تفعلوا إلا خيراً وإياكم أن تُخدَعوا بغضبٍ يَزعُمُ صاحبُه أنه لله، وهو في حقيقته ظلمٌ وجَوْرٌ واتباعٌ للهوى، غضبٌ أعمى، كغضب الخوارج من أهل الإرهاب والتكفير والتدمير والتفجير، يكفّرون المسلمين، ويفتكون بالأبرياء، ويفسدون في الأرض، ويجعلون أهواءهم دينًا وشعارًا، ففي الحديث قال رسول الله ﷺ في صحيح مسلم: ( إنَّ رجلًا قال: واللهِ لا يغفرُ الله لفلان، فقال اللهُ تعالى: مَن ذا الذي يتألّى عليَّ ألا أغفرَ لفلان؟ قد غفرتُ له، وأحبطتُ عملَك)، فانظروا –رحمكم الله– كيف أسقط اللهُ عملَ رجلٍ لمجرّد كلمةٍ تألّى بها على الله، فكيف بمن يصُبّ غضبَه في تكفير المسلمين، وسفك دمائهم، وزرع الفتن، وترويع الآمنين؟ فاتّقوا الله، وميّزوا بين غضبٍ لله تقوده البصيرة، وبين غضبٍ للهوى يقوده الشيطان إلى الهلاك والعدوان.
إخوة الإيمان:  إنَّ من أعظمِ أسبابِ الغضبِ الجهلُ وقِلَّةُ التثبّت، والكِبر، وسوءُ الظن، وحبُّ السيطرة، وتزداد نيرانُ الغضب إذا كان الحقُّ معك، أو كان مَن أغضبَك أضعفَ منك، أو ممّن لك عليهم فضلٌ كالزوجةِ والولدِ وبعضِ الأهلِ والأقارب، ويشتدّ الغضبُ مع كثرة المشاغل ووهن البدن، وشدةِ التعب، وثِقَلِ الهموم، ووطأةِ الفقر، وضيقِ ذاتِ اليد، ويستحْوذُ الشيطانُ على الشابِّ القويِّ العتلّ الجوّاظ المستكبر، فيحْتنكه ويجثم على كتفه ويسوقُه وقت الغضب إلى كل شر، ويمتطيه كما تُمتطى الدابة –أعزّكم الله– فيفسد به البلاد والعباد-نسال السلامة-،  ففتّش نفسَك -يا عبد الله- وراقب قلبَك، واحذر أن تسْتسلم لهذا الداء، فإنّ الغضبَ نزغٌ من الشيطان، وغولٌ للعقل، يخطفه كما يخطف الذئبُ الشاة، اللهم أهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيّئها لا يصرف عنها سيّئها إلا أنت، أقول ما تسمعون...
الخطبة الثانية:
يا من يغضب تذكّر أنك في كل غضْبة تفتحُ صدْرك للشيطان الرجيم ليقودَك، وتذكّر أنك إن ملَكْتَ نفْسَك عند الغضب، فقد ملَكْت شرفك ومستقْبلك، وبيْتك، ومكانَتك، تذكّر أن الله ينظُر إليْك، تذكّر أن ملائكته تكتب،
فاتقوا الله تعالى وأطفئوا نار الغضب بذكر الله، بالتعوّذ من الشيطان، بالوضوء، بالسكوت، بمفارقة مكان الخصام، وقال صلى الله عليه وسلم( إذا غضبَ أحدُكم وَهوَ قائمٌ فليجلِسْ فإن ذَهبَ عنْهُ الغضبُ وإلَّا فليضطجِعْ) صححه الألباني،
لنتيقّن أنّ الحِلم عزّ، والغضب ذلّ، وكظم الغيظ رفعة، والانفلات والخفّة سقوط لا يشبهه سقوط، ونِعْم التّشافي بالدعاء، وكان من دعائه ﷺ ( وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب(، ويكفي خسةٌ بالغضب أنه يُفضي إلا ذلّ الاعتذار، وعلى من يشاهد غاضبًا أن يعينه على إزالة غضبه؛ فإن معاونة الغاضب على ترك غضبه، كمن أَرْجَعَ إلى مجنونٍ عقْله ووعْيه. اللهم طهّر قلوبنا من الغضب، ونفوسنا من السّخط، واجعلنا من الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس.      
المشاهدات 58 | التعليقات 0