خطْبة عرفة والعيد والأضْحيّة
أحمد بن عبدالله الحزيمي
خُطْبَةُ عَرَفَةَ وَالعِيدِ وَالأُضْحِيَّةِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِعِبَادِهِ مَوَاسِمَ لِلْخَيْرَاتِ، وَفَتَحَ لَهُمْ أَبْوَابَ الرَّحَمَاتِ، وَخَصَّ هَذِهِ الأَيَّامَ بِفَضَائِلَ وَبَرَكَاتٍ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ عَلَى نِعَمٍ لَا تُحْصَى وَلَا تُعَدُّ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ بِتَقْوَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَالِاسْتِمْسَاكِ بِعُرْوَتِهِ الوُثْقَى، وَالِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ المَتِينِ، وَلُزُومِ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ﴾.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
تَخَيَّلُوا لَوْ أَنَّ مُنَادِيًا نَادَى أَهْلَ الأَرْضِ كُلَّهَا: إِنَّ أَبْوَابَ الرَّحْمَةِ اليَوْمَ مَفْتُوحَةٌ، وَإِنَّ الذُّنُوبَ تُغْفَرُ، وَإِنَّ الدَّرَجَاتِ تُرْفَعُ، وَإِنَّ الدُّعَاءَ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ إِلَى الإِجَابَةِ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِالنَّاسِ؟ لَا شَكَّ أَنَّ العُقَلَاءَ سَيُسَارِعُونَ، وَأَنَّ القُلُوبَ المُؤْمِنَةَ سَتَتَعَرَّضُ لِنَفَحَاتِ اللَّهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ المُؤْمِنَ الفَطِنَ اللَّبِيبَ هُوَ مَنْ يَغْتَنِمُ مَوَاسِمَ الرَّحْمَةِ قَبْلَ فَوَاتِهَا، وَهَذَا ـ وَاللَّهِ ـ هُوَ مَا نَعِيشُهُ فِيمَا تَبَقَّى مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَظِيمَةِ؛ أَيَّامِ عَرَفَةَ، وَالنَّحْرِ، وَالعِيدِ، وَالتَّشْرِيقِ، أَيَّامٌ تَرْتَفِعُ فِيهَا التَّكْبِيرَاتُ، وَتُرْفَعُ فِيهَا الدَّعَوَاتُ، وَتُسَاقُ فِيهَا الهَدَايَا وَالأُضْحِيَّاتُ، وَيَقِفُ فِيهَا الحُجَّاجُ عَلَى صَعِيدِ عَرَفَاتٍ بِقُلُوبٍ مُنْكَسِرَةٍ، وَأَعْيُنٍ بَاكِيَةٍ، يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَعَفْوَهُ.
إِنَّهَا أَيَّامٌ لَيْسَتْ كَسَائِرِ الأَيَّامِ، بَلْ هِيَ مَوَاسِمُ إِيمَانٍ، وَمَيَادِينُ مَغْفِرَةٍ، وَشَعَائِرُ عِظَامٌ تُحْيِي القُلُوبَ بَعْدَ غَفْلَتِهَا، وَتَرُدُّ الأَرْوَاحَ إِلَى رَبِّهَا بَعْدَ تَشَتُّتِهَا، فَطُوبَى لِمَنْ عَرَفَ قَدْرَهَا، وَعَمَّرَهَا بِالذِّكْرِ وَالشُّكْرِ وَالإِخْلَاصِ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
فِيهِ يَوْمُ عَرَفَةَ، ذَلِكَ اليَوْمُ العَظِيمُ الَّذِي تَتَنَزَّلُ فِيهِ الرَّحَمَاتُ، وَتُقَالُ فِيهِ العَثَرَاتُ، وَيُبَاهِي اللَّهُ بِأَهْلِ المَوْقِفِ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ».
فَيَا لِفَوْزِ مَنْ عَمَّرَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِالذِّكْرِ، وَالقُرْآنِ، وَالصِّيَامِ، وَالدُّعَاءِ، وَيَا لِخَسَارَةِ مَنْ أَدْرَكَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ كَمَا دَخَلَ. إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقْضُونَ يَوْمَ عَرَفَةَ بَيْنَ النَّوْمِ، وَاللَّهْوِ، وَالغَفْلَةِ، وَتَقْلِيبِ الشَّاشَاتِ وَالجَوَّالَاتِ، وَكَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَأَجَلِّهَا عِنْدَ اللَّهِ.
أيها المسلمون:
اجْعَلُوا لِهَذَا اليَوْمِ بَرْنَامَجًا إِيمَانِيًّا مكثفاً، ابْدَؤُوهُ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنَ التَّهْلِيلِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالِاسْتِغْفَارِ، وَتِلَاوَةِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَالصَّدَقَاتِ، وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ.
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَرَوْنَ يَوْمَ عَرَفَةَ مَوْسِمًا لِإِصْلَاحِ القُلُوبِ قَبْلَ الأَعْمَالِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: "لَيْسَ الشَّأْنُ أَنْ تَقِفَ بِعَرَفَةَ، وَلَكِنَّ الشَّأْنَ أَنْ يَقِفَ قَلْبُكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّه".
عَبْدَ اللَّهِ:
ادْعُ رَبَّكَ الكَرِيمَ بِكُلِّ مَا تُرِيدُ مِنْ أَمْرِ دِينِكَ وَآخِرَتِكَ، وَدُنْيَاكَ وَمَعَاشِكَ، وَابْتَهِلْ إِلَى رَبِّكَ، وَتَضَرَّعْ إِلَى مَوْلَاكَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يُظْهِرَ فَقْرَهُ وَحَاجَتَهُ إِلَيْهِ، وَأَحْسِنِ الظَّنَّ بِاللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وَيُجِيبُ الدَّعَوَاتِ، وَيُعْطِي فَوْقَ مَا يَرْجُوهُ العَبْدُ وَيَتَمَنَّاهُ.
وَأُقْتَرِحُ عَلَيْكَ ـ أَخِي الكَرِيمُ ـ أَنْ تُعِدَّ قَائِمَةً مَكْتُوبَةً بِكُلِّ مَا تَتَمَنَّاهُ، وَتَرْجُوهُ، وَتَطْمَحُ إِلَيْهِ، ثُمَّ تَرْفَعَ بِهَا يَدَيْكَ إِلَى اللَّهِ، وَأَنْتَ مُوقِنٌ بِالإِجَابَةِ، وَمُحْسِنُ الظَّنِّ بِرَبِّكَ، فَإِنَّ أَحْلَامَ المُؤْمِنِينَ مَوَاضِعُ سُجُودِهِمْ، وَأَمَانِيَّهُمْ أَدْعِيَةٌ تَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ، وَدَقَائِقُ يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ أَعْظَمِ أَوْقَاتِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَلَعَلَّكَ لَا يَدُورُ عَلَيْكَ الحَوْلُ إِلَّا وَقَدْ رَأَيْتَ مِنْ بَشَائِرِ الفَرَجِ، وَفُتُوحِ الرَّحْمَةِ، وَتَحْقِيقِ الأُمْنِيَّاتِ، مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، وَيَفْرَحُ بِهِ قَلْبُكَ.
أيها المسلمون:
إِنَّ اليَوْمَ الَّذِي يَلِي يَوْمَ عَرَفَةَ هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، يَوْمٌ عَظِيمٌ مُفَضَّلٌ عِنْدَ اللَّهِ، سَمَّاهُ اللَّهُ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِ العَامِ، بَلْ قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: إِنَّهُ أَفْضَلُ الأَيَّامِ عَلَى الإِطْلَاقِ، كَمَا صَحَّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ القَرِّ".
وَالفَرَحُ فِي هَذَا اليَوْمِ مِنْ مَحَاسِنِ هَذَا الدِّينِ وَشَعَائِرِهِ، وَيُسَنُّ لِلْمُضحي أَنْ يُمْسِكَ عَنِ الأَكْلِ فِي عِيدِ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ، ثُمَّ يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ، بِخِلَافِ عِيدِ الفِطْرِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَأْكُلَ قَبْلَ الخُرُوجِ إِلَى الصَّلَاةِ.
وَقَدْ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى أَنَّ صَلَاةَ العِيدِ وَاجِبَةٌ عَلَى الأَعْيَانِ، وَمِنْهُمْ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى صَلَاةِ العِيدِ مَاشِيًا إِنْ تَيَسَّرَ، وَأَنْ يُكْثِرَ مِنَ التَّكْبِيرِ حَتَّى يَحْضُرَ الإِمَامُ، وَأَنْ يَرْجِعَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
عِبَادَ اللَّهِ:
احْرِصُوا عَلَى أَدَائِهَا، وَمُرُوا أَوْلَادَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ بِهَا، وَلَا تَنْسَوُا التَّجَمُّلَ لِيَوْمِ العِيدِ، وَالِاغْتِسَالَ، وَالتَّطَيُّبَ، وَلُبْسَ الجَدِيدِ، وَإِظْهَارَ البِشْرِ وَالسُّرُورِ، وَأَدْخِلُوا عَلَى أَهْلِيكُمْ الفَرَحَ وَالحُبُورَ، فَإِنَّكُمْ فِي يَوْمِ فَرَحٍ وَسُرُورٍ، وَاذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا، وَاشْكُرُوهُ سُبْحَانَهُ عَلَى تَرَادُفِ نِعَمِهِ وَتَوَالِي فَضْلِهِ.
الأَضَاحِي ـ أَيُّهَا الكِرَامُ ـ عِبَادَةٌ جَلِيلَةٌ، تَأْتِي شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى نِعْمَةِ الحَيَاةِ، وَإِحْيَاءً لِسُنَّةِ إِبْرَاهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَتَذْكِيرًا بِصَبْرِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، وَإِيثَارِهِمَا طَاعَةَ اللَّهِ وَمَحَبَّتَهُ عَلَى مَحَبَّةِ الوَالِدِ وَالوَلَدِ، كَمَا أَنَّهَا تَوْسِعَةٌ عَلَى النَّفْسِ وَأَهْلِ البَيْتِ، وَنَفْعٌ لِلْفَقِيرِ وَالمِسْكِينِ، وَأَجْرٌ عَظِيمٌ لِمَنْ تَقَرَّبَ بِهَا إِلَى اللَّهِ.
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَافِظُ عَلَى الأُضْحِيَّةِ مُنْذُ هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ إِلَى أَنْ لَقِيَ رَبَّهُ، يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ يُضَحِّي كُلَّ عَامٍ».
عِبَادَ اللَّهِ:
لَا يَنْبَغِي أَبَدًا لِمَنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَآتَاهُ مِنْ فَضْلِهِ، أَنْ يُفَوِّتَ هَذِهِ الفُرْصَةَ العَظِيمَةَ، وَهَذِهِ السُّنَّةَ الشَّرِيفَةَ، فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْتَدُّ إِنْكَارُهُ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهَا، حَتَّى قَالَ ـ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ، وَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا».
وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْتَنِيَ بِاخْتِيَارِ أُضْحِيَّتِهِ، فَيَحْرِصَ عَلَى أَكْمَلِ الأَضَاحِي وَأَطْيَبِهَا، وَأَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً مِنَ العُيُوبِ، سَمِينَةً نَفِيسَةً، فَكُلَّمَا كَانَتِ الأُضْحِيَّةُ أَكْمَلَ وَأَحْسَنَ، كَانَتْ أَعْظَمَ أَجْرًا، وَأَحَبَّ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَقَدْ قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «وَالأَجْرُ فِي الأُضْحِيَّةِ عَلَى قَدْرِ القِيمَةِ مُطْلَقًا».
وَأَفْضَلُ الأَضَاحِي مَا كَانَ كَبْشًا أَمْلَحَ أَقْرَنَ، فَهَذَا هُوَ الوَصْفُ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَضَحَّى بِهِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
فَيَا أَيُّهَا المُسْلِمُ، إِنْ كُنْتَ قَادِرًا فَلَا تَدَعْ هَذِهِ السُّنَّةَ العَظِيمَةَ، فَهِيَ شَاةٌ وَاحِدَةٌ عَنْكَ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِكَ، تُحْيِي بِهَا شَعِيرَةً مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، وَتَنَالُ بِهَا الأَجْرَ العَظِيمَ.
وَلْنَحْذَرْ ـ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ ـ مِنَ المُبَاهَاةِ وَالمُفَاخَرَةِ، وَمُجَارَاةِ النَّاسِ بِكَثْرَةِ الأَضَاحِي، أَوْ بِغَلَاءِ أَثْمَانِهَا، أَوْ نَشْرِ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ السُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ، فَإِنَّ القُرُبَاتِ إِنَّمَا تُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، وَالرِّيَاءُ يُفْسِدُ العَمَلَ، وَيُحْبِطُ الأَجْرَ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ المُتَكَبِّرِينَ وَالمُخْتَالِينَ.
وَإِلَى الَّذِينَ عَجَزُوا عَنْ شِرَاءِ الأُضْحِيَّةِ، أَوْ ضَاقَتْ بِهِمُ الحَالُ، فَلَا تَحْزَنُوا، وَلَا تَتَكَدَّرُوا، وَأَبْشِرُوا بِالخَيْرِ وَالفَضْلِ، فَقَدْ ضَحَّى عَنْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَضَى خُطْبَتَهُ، وَنَزَلَ مِنْ مِنْبَرِهِ، أُتِيَ بِكَبْشٍ فَذَبَحَهُ بِيَدِهِ، وَقَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، هَذَا عَنِّي وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي».
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ: عَظِّمُوا هَذِهِ الشَّعَائِرَ، وَاغْتَنِمُوا هَذِهِ المَوَاسِمَ، وَأَحْسِنُوا فِيهَا مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّ الأَعْمَارَ قَصِيرَةٌ، وَالأَيَّامَ تَمْضِي سَرِيعًا، وَالسَّعِيدُ مَنْ خَرَجَ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ وَقَدْ غُفِرَ ذَنْبُهُ، وَصَلُحَ قَلْبُهُ، وَقَرُبَ مِنْ رَبِّهِ. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ:
فَمِنْ شَعَائِرِ هَذِهِ الأَيَّامِ العَظِيمَةِ: التَّكْبِيرُ وَإِظْهَارُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ التَّكْبِيرَ فِي هَذِهِ المَوَاسِمِ؛ إِعْلَانًا بِتَعْظِيمِهِ، وَإِظْهَارًا لِشُكْرِهِ، وَإِحْيَاءً لِشَعَائِرِهِ.
فَيَبْدَأُ التَّكْبِيرُ المُقَيَّدُ لِغَيْرِ الحَاجِّ مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، مَعَ الاِسْتِمْرَارِ فِي التَّكْبِيرِ المُطْلَقِ الَّذِي يَبْدَأُ مِنْ دُخُولِ العَشْرِ، وَيَكُونُ التَّكْبِيرُ المُقَيَّدُ أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَةِ.
فَإِذَا سَلَّمَ المُسْلِمُ مِنْ صَلَاتِهِ، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ»، شَرَعَ فِي التَّكْبِيرِ، فَيَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الحَمْدُ، وَإِنْ كَرَّرَهَا ثَلَاثًا فَحَسَنٌ.
وَيَفْعَلُ ذَلِكَ الإِمَامُ وَالمَأْمُومُ وَالمُنْفَرِدُ، وَإِنْ كَانَ مَسْبُوقًا أَتَى بِالتَّكْبِيرِ بَعْدَ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ وَسَلَامِهِ.
عِبَادَ اللَّهِ:
يَا لَحُسْنِ حَالِ الفَائِزِينَ الَّذِينَ خَتَمُوا هَذِهِ الأَيَّامَ المُبَارَكَةَ بِأَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ وَالقُرُبَاتِ؛ مِنْ ذِكْرٍ وَتَكْبِيرٍ، وَصَلَاةٍ وَصِيَامٍ، وَقِيَامٍ وَصَدَقَةٍ، وَتِلَاوَةٍ وَدُعَاءٍ، فَلَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَهُمْ يَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ، فَغَفَرَ لَهُمْ، وَاصْطَفَاهُمْ، وَهَدَاهُمْ، وَزَحْزَحَهُمْ عَنِ النَّارِ وَدَرَكَاتِهَا، وَكَتَبَ لَهُمْ أَعَالِيَ الجِنَانِ وَرَفِيعَ الدَّرَجَاتِ.
وَيَا لَخَسَارَةِ المُفَرِّطِينَ الَّذِينَ مَرَّتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ المَوَاسِمُ العَظِيمَةُ، فَلَمْ يَعْرِفُوا قَدْرَهَا، وَلَمْ يَعْمُرُوهَا بِالطَّاعَةِ، فَفَاتَتْهُمْ خَيْرَاتٌ عَظِيمَةٌ، وَنَفَحَاتٌ كَرِيمَةٌ، وَلَعَلَّهُمْ لَا يُدْرِكُونَهَا بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا أَبَدًا.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، واجعل لنا من هذه الأيام أوفر الحظ والنصيب، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا صَالِحَ الأَعْمَالِ، وَاغْفِرْ لَنَا الذُّنُوبَ وَالزَّلَّاتِ، اللَّهُمَّ أَعنْ الحُجَّاجِ على أداءِ حَجِّهمْ، وَارْزُقْهُمْ حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَرُدَّهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ فَرِحِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَى بِلَادِنَا الأَمْنَ وَالإِيمَانَ، وَالاسْتِقْرَارَ وَالرَّخَاءَ، وَاحْفَظْهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَفِتْنَةٍ،
اللَّهُمَّ واجْزِ حُكُومَةَ هَذِهِ البِلَادِ المُبَارَكَةِ خَيْرَ الجَزَاءِ عَلَى مَا يَبْذُلُونَهُ مِنْ جُهُودٍ عَظِيمَةٍ فِي خِدْمَةِ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَرِعَايَةِ الحُجَّاجِ وَالمُعْتَمِرِينَ وَالزَّائِرِينَ، اللَّهُمَّ وفق وَلِيَّ أَمْرِنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَأَلْبِسْهُمَا لِبَاسَ الصِّحَّةِ وَالعَافِيَةِ، وَأَعِنْهُمَا عَلَى كُلِّ خَيْرٍ وَبِرٍّ وَهُدًى، وَعَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ البِلَادِ وَالعِبَادِ.
اللَّهُمَّ انْصُرْ جُنُودَنَا المُرَابِطِينَ عَلَى حُدُودِ بِلَادِنَا، اللَّهُمَّ كُنْ لَهُمْ مُعِينًا وَنَصِيرًا وَمُؤَيِّدًا وَظَهِيرًا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَاحْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، وَارْدُدْهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
المرفقات
1779363985_خطبة عرفة والعيد والأضحية.docx
1779363999_خطبة عرفة والعيد والأضحية.pdf