خطبة عيد الأضحى 1447 هـ (التضحية)

بسم الله الرحمن الرحيم

التضحية

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله مِن شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلّ له، ومَن يُضْلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

 

إنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هديُ محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران:102]؛ أما بعد:

 

 

الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

 

عباد الله: اليوم هو يوم عيد الأضحى، والأضحى من التضحية، وإمام المضحين هو سيدنا إبراهيم -عليه السلام-، يتضرع إلى الله جل وعلا أن يرزقه ولداً صالحاً ليعينه في هذه الحياة، فقال: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)، واستجاب الله -جل وعلا- دعاء خليله فبشره بغلام حليم؛ (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ)، ولم يكد إبراهيم -عليه السلام- يأنس بولده ويسعد بصباه ويفرح بسعيه، إلا ويفاجأ إبراهيم بالابتلاء العظيم؛ وهو الأمر بذبح ابنه والتضحية به، وينجح خليل الله إبراهيم -عليه السلام- في الامتحان.

 

إنها التضحية، سلام على خليل الرحمن إبراهيم -عليه السلام- الذي علم الدنيا خلق التضحية في سبيل الله.

 

إن التضحية هي أساس عزة الأمة، وما سادت ولن تسود أمة من الأمم إلا إذا كانت تبذل لأجل منهجها ولأجل دينها ولأجل ملكها، وتبذل وتضحي في سبيل ذلك.. ولولا أنه -عليه الصلاة والسلام- ضحى بوقته وماله وتحمل أذى قريش لما قام للإسلام راية، ضحّى صلى الله عليه وسلم بالمقام في مكة البلد الحرام، ضحّى بالزعامة بعد أبي طالب، ضحّى بالمال الوفير؛ "إن أردت الملك ملّكناك، وإن أردت المال جمعنا لك من أموالنا، وإن أردت الزواج زوّجناك أجمل النساء، وإن أردت العلاج طلبنا لك الطبيب".

 

لما ضحّى الملأ من بني إسرائيل بالماء انتصروا على عدوّهم؛ (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ)، وهؤلاء القليل هم الذين صنعوا التاريخ.

 

وهذا يوسف -عليه السلام- ضحّى بالنعيم والملك والمال والراحة ليحافظ على أمانته وعرضه، فعوّضه الله -تعالى- خيراً من ذلك.

 

ومصعب بن عمير -رضي الله عنه- ضحّى بالمال والمتاع والعطور، وكان يضرب به المثل في سعة الرزق، ليتبع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حتى صار يلبس أخشن اللباس، وزهد في الدنيا، ولما استشهد لم يجدوا ما يكفنونه به، فكفن بعباءة إذا غطي رأسه بدت رجلاه، وإذا غطيت رجلاه بدا رأسه، فوقف عليه صلى الله عليه وسلم ودعا له، ثمّ تلا قوله -تعالى-: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً).

 

وصهيب الرومي -رضي الله عنه- لما وقر في قلبه الإسلام وجعلت قريش تضايقه كما تفعل مع بقية المسلمين، دلّهم على مكان ماله ليتخلوا عنه، فترك كل ماله لهم ومضى إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فلما رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد نبأه خبر السماء بقصة صهيب قبل أن يصل إلى المدينة قال -عليه الصلاة والسلام-: "ربح البيع أبا يحيى.. ربح البيع أبا يحيى.. ربح البيع أبا يحيى"، وجعل -عليه الصلاة والسلام- يكررها.

 

معاشر المؤمنين: لا بد من التضحية، بأوقاتنا وتجارتنا في سبيل الصلاة، والتضحية بمتعة الطعام والشراب والشهوة في سبيل الصيام، والتضحية بالمال الذي تميل إليه النفس، والأرباح، والتنعّم في سبيل أداء الزكاة، والتضحية بمفارقة الوطن والأهل، وبتحمل مشاق السفر، وبالإنفاق لأداء المناسك، والتضحية بالنوم في سبيل صلاة الفجر، والتضحية بالتجارة المحرمة والكسب الحرام في سبيل الله "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا"، والتضحية بعزة النفس ومكانتها في سبيل قطع طريق الشيطان وإعادة العلاقات لمن كان بينك وبينه شحناء؛ (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ).

 

والمرأة المسلمة هي رائدة التضحية، هي التي تقدم مصلحة زوجها وأولادها على رغباتها الشخصية لتوفير استقرار العائلة، هي التي تتحمل شظف العيش والعناية بكبار السن وأهل الزوج بكل صبر واحتساب للأجر.

 

المرأة المؤمنة هي التي تتمسك بحجابها وعفتها وهويتها أمام هجمة الفتن وأمواج المغريات، كما ضحت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- بماله ومكانتها لدعم وتأييد الرسول -صلى الله عليه وسلم-، كما ضحت سمية بنت خياط -رضي الله عنها- بروحها فداءً لعقيدتها، فكانت أول شهيدة في الإسلام، كما خاطرت الشابة أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- بحياتها وتحملت المشاق لتوصيل المؤونة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبيها أثناء الهجرة.

 

الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

قلت ما سمعتم ولي ولكم فاستغفروا الله ...

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه..

 

الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

 

أيها الناس: ومن التضحية ذبح الأضحية؛ قال سبحانه: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)، وهي سنة مؤكدة في قول أكثر أهل العلم، والأصل أنها مطلوبة في وقتها من الحي عن نفسه وأهل بيته، وله أن يُشْرك في ثوابها من شاء من الأحياء والأموات، ويقول عند ذبحها اللهم هذا عني وعن آل بيتي، لحديث جابر -رضي الله عنه- في سنن أبي داود حيث قال: صليت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عيد الأضحى فلما انصرف أتى بكبشين فذبحه فقال: بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي".


ووقتها من بعد صلاة العيد والخطبة، إلى قبل مغيب شمس آخر أيام التشريق، وهو اليوم الثالث عشر من أيام ذي الحجة.

 

ويستحب لمن له أضحية أن يأكل أول ما يأكل منها إذا تيسر له ذلك، ويدلّ على ما تقدّم حديث بريدة -رضي الله عنه-: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم النحر حتى يذبح.

 

ويستحب تقسيم لحمها أثلاثاً، ثلثاً للأكل وثلثاً للهدية وثلثاً للصدقة، كما اتفق العلماء على أنه لا يجوز بيع شيء من لحمها أو شحمها أو جلدها، وفي الحديث الصحيح: "من باع جلد أضحيته فلا أضحية له".

 

عباد الله: (إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، وقال صلى الله عليه وسلم؛ "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليِّ صلاة"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة علي"، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه.

 

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ.

 

اللهم أمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل هذا البلد آمناً مباركاً وجميع بلاد المسلمين.

 

اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزائِمَ مَغْفِرَتِكَ، والسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إثمٍ، والغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، والفَوْزَ بالجَنَّةِ، والنَّجاةَ مِنَ النَّارِ.

 

اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل بلادنا آمنةً مطمئنة وسائر بلاد المسلمين.

المرفقات

1779663768_خطبة عيد الأضحى (التضحية) 1447هـ.docx

المشاهدات 332 | التعليقات 0