خطبة عيد الفطر المبارك 1447هـ
د أحمد بن حمد البوعلي
خطبة عيد الفطر المبارك 1447هـ
جامع الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني -رحمه الله تعالى- الأحساء
الخطبة الأولى
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر..
الله أكبرُ ما صام صائمٌ وأفطر، الله أكبرُ ما لَبِس مصلٍّ وتطهر، الله أكبرُ ما تُلِيَ القرآنُ واستُبصر، الله أكبرُ كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً.
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تُغفر الزلات، أحمده سبحانه على ما أولى من النعم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الأعياد مواسم فرحٍ للمؤمنين، وشعائر تعظيمٍ للدين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، خير من صام وقام، وأزكى من شكر وأناب، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد، عباد الله:
أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فهي وصية الأولين والآخرين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [1].
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أيها المسلمون:
هذا يومُ عيدِ الفطر، يومُ الجائزةِ للصائمين، يومُ الفرحِ بالطاعة، ويومُ الشكرِ لله، يومٌ أكرم الله به أمة الإسلام بعد شهرٍ من الصيام والقيام وتلاوة القرآن. لقد خرجنا بفضل الله من مدرسة رمضان بقلوبٍ رقّت، ونفوسٍ سمت، وأرواحٍ تعلّقت بربها، فالسعيد من قَبِل الله عمله، واستمر على طاعته.
أيها المسلمون، إن عيدنا أهل الإسلام ليس مجرد انقطاع عن الإمساك، بل هو إعلان عن انتصار الروح على المادة، واليقين على الشهوة. إن العيد هو "تتويجٌ" للجهد، و"عُرسٌ" للطاعة؛ فمن صام عن المحارم، وأفطر على التوحيد، كان حرياً به أن يفرح بفضل الله وكرمه. إن الفرح بالعيد عبادة، والسرور فيه قربة؛ فاجعلوا منه يوماً لغرس الأمل، ونشر السكينة، وإعادة الروح إلى بيوتكم ومجتمعاتكم بالبشر والسرور والكلمة الطيبة.
فلمَّا كانت النفوس مجبولة على حُب الأعياد ومواسم الأفراح جعل الله تعالى في القلوب من التشوُّق إلى العيد والسرور به والاهتمام بأمره ما يجد فيه الناس من الاجتماع والراحة واللذَّة والسرور ما هو معلوم، وجعل أعيادنا أهل الإسلام بعد طاعات عظيمة، فيأتي عيد الفطر بعد فريضة الصيام، وعيد الأضحى بعد الحج، حتى بات العيد يومًا معظَّمًا لدى عموم المسلمين وشَرَعَ الله تعالى فيهما من التوسعة وإظهار السرور ما تحتاجه النفوس، وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأُمَّة المحمدية.
أيها المسلمون: أنتم في يوم عيد جميل بهيج، فجملوه بوجوه مستبشرة، وعيشوه بنفوس راضية، اسمعوا كل من لاقيتم حديثًا مُبهِجًا، وكلامًا جميلا وسلاما طيبا، إذا رأيتم النعم مستدرة فبادروا بالشكر قبل الزوال. فحقيق بكل مسلم أن يتوجه بالشكر إلى مولاه، وأن يُظهر الفرح والسرور اعترافًا بفضل الله تعالى، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [2]. وقال تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [3].
أيُّها الْمُسلِمُونَ: فالتَّوْحِيدُ أَوْجَبُ الواجِبَاتِ، يَجِبُ الاِهْتِمامُ بِهِ، وَمَعْرِفَةُ مَعْناه، والعَمَلُ بِمُقْتَضاه، فَهُوَ إفرادُ اللهِ بِإِلَهِيَّتِهِ، وَرُبُوبِيَّتِهِ، وأسمائِهِ وَصِفاتِهِ. وعلينا ان نغرس العقيدة الصحيحة في نفوس الابناء والحرص عليها.
وأخرج البخاريُّ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تقوم الساعة حتى يُقبَضَ العلمُ، وتَكثُرَ الزلازلُ، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويَكثُرَ الهرْجُ - وهو القتلُ - حتى يَكثُرَ فيكم المال فيَفِيض)) [4].
لا يخفى عليكم ما أصاب بلادنا والخليج خلال الأيام الماضية فماالواجب علينا التزامه وعمله وكيف نواجه هذه الأحداث؛ -
أولًا: الموقف العام من جميع الفتن تجريد التوحيد لله رب العالمين، أن نؤمن بأن الله هو ربُّ الكون ومدبِّره، لا قوة في العالم تدبر إلا الله، ((وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)) [5]، وإذا قضى أمراً لا بد أن يكون، وعند ذلك يكون الاعتماد عليه والتوكل عليه، ويتحقق الإيمان بقضائه وقدره سبحانه، ((قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)) [6].
ومِنْ أعظمِ ما يبعثُ الطُّمَأنينَةَ في نفوس المؤمنين الموقنين: أن المُستقبل للإسلام، وأن من توكل على الله كفاه حتى لو كادَ له أهلُ الأرضِ كلُّهم.
ثانيا: التوبة والاستغفار والتسبيح، قال الله تعالى: ((فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)) [7].
ثالثاً: الإكثار من العبادة والعمل الصالح في الشدائد؟ قال ﷺ: العبادة في الهرج كهجرة إليّ [8]. بالهَرْج هنا: الفتنة، واختلاط أمور الناس. فدلّ كلامه عليه السلام على أمرين مهمين:
الأمر الأول: الاشتغال بالشيء المثمر.
الأمر الثاني: وهو رجوع النفس إلى هدوئها نتيجة العبادة. فالفتنة تكون حديث المجالس، ومنتهى التحليلات، حتى إنك لا تكاد ترى أحدا إلا ويتكلم فيها، إلا من رحم الله. خصوصاً في هذا الزمان الذي أصبح فيه العالم كالبيت الواحد بسب الاتصال الفضائي، وأما المؤمنُ الصادقُ الناصحُ لنفْسِه، فإنَّ الفِتَنَ لا تُزيدُه إلا ابتعاداً وفِراراً منها،وإقبالا على الله. والواقع في الفتن يكون إقبالُ الناس على أمر الدنيا أكثرَ من إقبالهم على أمر الآخرة، فتكثر التنازلات على حساب العقيدة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا) [9].
رابعاً: الصبر، فإنه لا إيمان إلا بالصبر، وهذه الشدائد إذا جاءت، وهذه الفتن، قال الله تعالى فيها: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [10] الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [11]. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [12]. عندما يتسلّط اليهود على المسلمين، عندما يتسلط النصارى على المسلمين، عندما يتسلط الاعداء على المسلمين، فالصبر علاج الكثير من المشكلات المزمنة. ومن الأمور المهمة جداً عند نزول الفتن الأناة والتروي جداً جداً، الأناة والتروي وهذه نابعة من الصبر، هذا الخلق متفرع من الصبر، الأناة والتروي، قال ﷺ لأشج عبد القيس: إن فيك لخصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة [13].
خامسا: من الأمور المهمة التي يجب أن نواجه بها الفتن التفاؤل والثقة المطلقة بنصر الله لأوليائه، والنبي ﷺ كان يحرص على تهدئة خواطر الناس، وعلى تهدئة الأمور، وعلى إشاعة الطمأنينة في المسلمين، فكان يقول بعدما يذهب لتفقد الجلبة والصوت المخيف يقول: لن تُراعوا لن تُراعوا [14]. والنبي ﷺ كان هاربا من مكة، ومع ذلك في هذه الحال يقول لسراقة: كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ [15]، ومن الخطأ أن ننفخ في الناس بانتظار خوارق ومعجزات، لا، وإنما نقول لهم: اصبروا واعملوا، اشتغلوا بالعمل، كل شيء يقوي الأمة، بالسلاح بالدعوة بالعلم وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ [16]، إذن، إشاعة روح التفاؤل مقرونة بالعمل، مقرونة بالعطاء.
سادسا: دور الأخوة الإيمانية للتعاطي مع الفتن فإن تحقيق مبدأ الأخوة الإسلامية في أجلى صورها عامل مهم جداً للتعاطي مع الفتن؛ وخصوصاً عند هجمات الأعداء، وذلك بالولاء للمؤمنين وعدم إعانة الكافرين عليهم، وعدم تولي الكفار؛ لأن الله قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ [17].
سابعا: وينبغي كذلك الحذر من الإشاعات، في أوقات الفتن تنشط الدعاية وتكثر الإثارة ومن هنا يكون التمسك بالتثبت مطلباً شرعياً مهماً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [18]. كفى بالمرء إثماً أن يحدِّث بكل ما سمع [19].
ثامنا: الحذر من الاعتماد على الرؤى من التوجيهات المهمة في أوقات الأزمات الحذر من الاعتماد على الرؤى؛ لأنه عند شيوع الأحاديث العظيمة ووقع الأحاديث العظيمة تنتشر الرؤى، ويقول هذا: رأيت كذا، رأيت كذا، ثم تنتشر التعابير لهذه الرؤى، وربما تؤدي إلى أن بعض الناس يتصرفون بناء على الرؤى، وهذه كارثة.
تاسعا؛ لزوم جماعة المسلمين وكذلك لزوم جماعة المسلمين وإن كانوا واحداً، ولذلك قال ابن مسعود: لو أن فقيهاً على رأس جبل لكان هو الجماعة، فقيه بالكتاب والسنة، لو كان على رأس جبل لكان هو الجماعة فلو كانوا قلة فإنهم يلزمون، وكذلك لا بد من الموازنة بين المصالح والمفاسد، ومراعاة المصلحة الشرعية، وهذه لكبار العلماء الموثقين.
وإن من الفرار إلى الله, عدمَ الاستقلاليةِ في اتخاذِ الموقف الشرعي, حتى ولو كان طالبَ علم, والحرصَ على لزوم منهج أهل السنة في ذلك, ألا وهو الرجوع إلى ولاة الأمر وأهل العلم كي لا تفترق الكلمة ولا يكون لأصحاب الأغراض الفاسدة مدخل في صفوف المسلمين, قال تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ [20].
ومن أعظم ما نحتاجه في هذه الأزمنة: اجتماع الكلمة، ولزوم الجماعة، والحذر من الشائعات، وكثرة الدعاء، وشكر نعمة الأمن والاستقرار. لقد منّ الله على بلادنا بقيادة رشيدة وحكيمة تقوم على مصالح البلاد والعباد بإخلاص وخوف من الله.
فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل الحكمة القائلين بالحق الثابتين في الفتن الصامدين أمام الأعداء والمنافقين عن دين الله، وأن يرزقنا الشهادة في سبيله، إنه سميع مجيب قريب، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ثبتنا بقولك الثابت في الحياة الدنيا والآخرة.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله،
الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أما بعد:
العيد الحقيقي - عباد الله - هو دوام الطاعة، واستقامة القلب، وصلة الأرحام، وإدخال السرور على المسلمين.
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن من علامة قبول الطاعة أن تتبعها طاعة، وأن من أعظم ما يحفظ به العبد إيمانه بعد رمضان: المحافظة على الصلاة، وذكر الله، وتلاوة القرآن، وحسن الخلق. واحرصوا على صيام ست من شوال فمن صامه فكأنما صام الدهر كله.
يا مسلمون: لا يسعَدُ بالعيد من عقَّ والدَيه وحُرِم الرضا في هذا اليوم المُبارك السعيد، ولا يسعَدُ بالعيد من يحسُد الناسَ على ما آتاهم الله من فضله، ولا يسعد بالعيد من كان حلافا همازا بنميم مناع للخير معتد أثيم.
تفقدوا أرحامكم وقوموا بزيارتهم والتواصل بهم ومشاركتهم أفراح العيد؛ تفقدوا أهل الحاجة من المتعففين والمحتاجين والفقراء؛ تفقدواالأصدقاء والجيران فقد بشر النبي -صلى الله عليه وسلم- من يصل رحمه بقوله: "من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه" [21].
أيها الآباء: احرصوا على تربية أبناءكم على حب الله ورسوله، وأدِّبوهم بآداب الإسلام؛ ليكونوا صالحين يدعون لكم بعد رحيلكم من هذه الدار، ولكيلا ينقطع عملكم. ارفقوا بأزواجكم وأهليكم فما دخل الرفق في شيء إلا زانه ومنازع من شي إلا شانه.
أيتها المسلمات: اتقين الله في أنفسكن، واحفظن ما شرفكن الله به من الحياء والعفاف، وكنَّ كما أراد الله لكنَّ: أمهاتٍ صالحات، ومربياتٍ فاضلات، وركائزَ لبناء المجتمع. إن صلاح المرأة صلاحٌ لأسرة كاملة، بل لمجتمعٍ بأسره. فاحفظن بيوتكن، وأكرمن أزواجكن، واعتنين بتربية أبنائكن على الإيمان والخلق، واحذرن من الانشغال بما يفسد القلوب أو يضيّع الأوقات. واعلمْن أن أعظم زينةٍ للمرأة تقواها، وأعظم جمالٍ حياؤها، وأعظم فخرٍ لها طاعتها لربها، وأكمل جمال لها حجابها الشرعي.
أيها المسلمون، إن العيد ليس نهاية للمسار الإيماني، بل هو "محطة انطلاق"؛ فليكن هديكم في رمضان منهجاً لحياتكم كلها. إن العين التي بكت من خشية الله، والقلب الذي لان لذكر الله، واليد التي امتدت بالمعروف في رمضان، يجب أن تظل على هذا السمو. إن الاستقامة هي "كرامة الكرامات"، وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل؛ فحافظوا على رصيدكم الروحاني، ولا تفرطوا في لحظات القرب التي ذقتم حلاوتها في ليالي الشهر الفضيل.
وصية للشباب: يا شباب الإسلام - يا أمل الأمة وعدّتها - اتقوا الله في أعماركم، فهي رأس مالكم، واحذروا أن تُسرق منكم في اللهو والغفلة. أنتم قوة الوطن، وعدة المستقبل، وبكم بعد الله تُبنى الحضارات. فاحفظوا صلاتكم، وبروا والديكم، واصحبوا الصالحين، واحذروا رفقاء السوء، وابتعدوا عما يفسد الدين والأخلاق من الشبهات والشهوات والمخدرات والمسكرات. لا تجعلوا التقنية تسرق قلوبكم وأوقاتكم، ولا تسمحوا للأفكار المنحرفة أن تضللكم؛ فدينكم أعظم ما تملكون، وأخلاقكم عنوان رجولتكم. كونوا شبابًا نافعًا لدينكم ووطنكم وأمتكم كما كان أصحاب النبي ﷺ شبابًا حملوا الرسالة فغيّروا وجه التاريخ.
وصية للجنود: أيها البواسل من رجال امننا اعلموا أنكم على ثغور عظيمة فلقد حباكم الله بدين عظيم وأرض للحرمين وقياده عظيمة وشعب نبيل ورسالة خالدة فهنيئا لكم بعينين لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله فجهادكم ذروة سنام الإسلام وشهادتكم اصطفاء من الله وحياتكم شرف عظيم.
أيها الأحبة: إذا صادف يوم العيد يوم الجمعة، وصليت صلاة العيد، فهل الأفضل أن تصلي صلاة الجمعة، أم تقضيها ظهرًا؟
الجواب: الأفضل أن تصلي صلاة الجمعة؛ لأن الرسول كان يصليها -عليه الصلاة والسلام- كان يصلي الجمعة، والعيد جميعًا، ولكن رخص للناس من حضر صلاة العيد، من شاء صلى الجمعة، ومن شاء صلى ظهرًا، النبي ﷺ كان يجمع، فإذا صلى الجمعة مع الناس؛ كان أفضل حتى يحصل له فضل الجمعة، وسماع الخطبة ... وإن صلى الظهر، ولم يصل الجمعة يوم العيد؛ لأنه قد صلى العيد؛ جاز ذلك على الصحيح، كما جاءت به السنة عن النبي ﷺ أنه رخص لمن حضر العيد بترك الجمعة. ولكن إذا حضر الجمعة، وصلاها؛ كان أفضل لما فيه من الخير العظيم، والنبي ﷺ كان يصلي الجمعة، ويصلي العيد جميعًا، كما قال النعمان فيما رواه مسلم في الصحيح قال: "كان يقرأ في الجمعة بسبح، والغاشية، وهكذا في العيد، وربما اجتمعا في يوم فقرأ بهما جميعًا في الصلاتين، صلاة العيد، وصلاة الجمعة" [22].
أيها المسلمون: صلّوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [23].
اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا، اللهم اجعل عيدنا هذا عيد خير وأمن وإيمان، اللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء، اللهم انصر المستضعفين، واشفِ الجرحى، وارحم الشهداء، اللهم وفق ولاة أمورنا لما تحب وترضى، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم وفق خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم ألبسه ثوب الصحة والعافية، واجعله ذخراً للإسلام والمسلمين.
اللهم وفق ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، وسدده في أقواله وأفعاله، واجعل عمله في رضاك، ووفقه لما فيه صلاح البلاد والعباد.
الهوامش:
[1] سورة النساء، الآية: 131.
[2] سورة يونس، الآية: 58.
[3] سورة سبأ، الآية: 13.
[4] أخرجه البخاري (1036).
[5] سورة البقرة، الآية: 253.
[6] سورة التوبة، الآية: 51.
[7] سورة الصافات، الآية: 143-144.
[8] أخرجه مسلم (2948).
[9] أخرجه مسلم (151).
[10] سورة البقرة، الآية: 155.
[11] سورة البقرة، الآية: 156.
[12] سورة البقرة، الآية: 157.
[13] أخرجه مسلم (17).
[14] أخرجه البخاري (6033).
[15] أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (6/325).
[16] سورة الأنفال، الآية: 60.
[17] سورة الممتحنة، الآية: 1.
[18] سورة الحجرات، الآية: 6.
[19] أخرجه مسلم (5).
[20] سورة النساء، الآية: 83.
[21] أخرجه البخاري (5986).
[22] أخرجه مسلم (878).
[23] سورة الأحزاب، الآية: 56.