رسالة إلى مريض

د.عبدالحميد المحيمد
1447/11/15 - 2026/05/02 07:58AM

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد للّه، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده اللّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللَّهم صلَّ على محمدٍ وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، في العالمين إنك حميدٌ مجيد، اللَّهم بارك على محمدٍ وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، في العالمين إنك حميدٌ مجيد .

 

عباد اللّه، أوصيكم ونفسي بتقوى اللّه؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).

 

أيها الأحبة في اللَّه، قلّما يمرّ بأحدنا يومٌ إلا وقد أصابه صداعٌ عارض، أو وجعٌ في ظهره، أو ألمٌ في سِنِّه، أو غير ذلك من الأمراض والأوجاع التي يشعر بها، أو يمرض له قريبٌ أو حبيب. وهكذا فالحياة متقلّبة، والأوجاع تحيط بالمسلم، فيُصاب بالنَّصَب، ويُصاب بالوَصَب، ويعتريه الهمّ والغمّ. فهل استشعر أن هذا الابتلاء، إذا صبر عليه واحتسب، فإنه يُؤجَر عليه؟ بل إن ذلك من علامات الإيمان: أن يُصاب بالصداع، وأن يُبتلى بالمرض، فيُؤجِره اللَّه على ذلك. يقول النبي -صلى اللَّه عليه وآله وسلم-: "مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن وَلاَ أَذًى وَلاَ غمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلاَّ كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه".

 

تخيَّل كم يُكَفِّرُ اللَّهُ من الخطايا بهذه الابتلاءات. الدنيا لن تُصنَع وفق أهوائنا، ولن تُخلَق لننعم فيها بالراحة؛ لأن الراحة الحقيقية هي في الآخرة؛ (إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ) [العلق: 8]، (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ) [الضحى: 4].

 

هكذا كان يفهم الصحابة والسلف الصالح هذه الابتلاءات. عندما مرض أبو بكر -رضي اللَّه عنه-، وكان هذا مرض الوفاة، فعاده أصحابه، فقالوا: ألا ندعو لك طبيبًا؟ فقال: قد رآني الطبيب. قالوا: فأيُّ شيءٍ قال لك؟ قال: قال: إني فعّالٌ لما أريد.

 

سلَّم أمره للَّه -عز وجل-؛ فهو الطبيب، وهو الفعّال، والمؤمن إذا ابتُلي صبر واحتسب، وإذا رأى مبتلًى صبّره وواساه. فنقول رسالةً إلى مريض: لا تجزع، ولا تفقد صبرك، ولا تملّ من طول ما تعانيه من الألم؛ فإنما هو تذكيرٌ لك بنقصان الدنيا، وأن الدنيا توشك أن تنقضي، وتذكيرٌ لك بأن الراحة الحقيقية والأبدية هي في الآخرة. وأيضًا تُكَفَّر عنك الخطايا بهذا المرض وبهذه الشدة، فأنت على خيرٍ عظيم.

 

وعجبًا لأمر المؤمن، فإن أمره كله خير، كما أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام-: "عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ".

 

فالمؤمن دائمًا يُسلِّم الأمرَ للَّه، فيصبر عند البلاء، ويشكر عند النعمة، ويتضرّع إلى اللَّه بالدعاء -أيُّها المريض، ادعُ اللَّه فإنَّ الدعاءَ يردُّ القضاءَ.

 

ذكر ابن أبي الدنيا في كتابه «مجابِي الدعوة» أن رجلًا من السلف، وهو الصلت بن بسطام التميمي، كان يجلس في حلقة أبي خباب، يدعو بعد العصر يوم الجمعة. قال: فجلسوا يومًا يدعون، وقد نزل الماء في عينيه فذهب بصره، فدعوا له وذكروا بصره في دعائهم، فلما كان قبيل غروب الشمس عطس عطسة، فإذا هو يبصر بعينيه.

 

النبيُّ -عليه الصلاة والسلام- بشَّرنا وبشَّر كلَّ مريض، فقال صلى اللَّه عليه وسلم: "ما أنزل اللهُ داءً إلا أنزل له شفاءً علمَهُ من علمه وجهلَه من جهِله". 

 

أيها المسلم: اعلم أنَّ اللَّه -عزَّ وجلَّ- قد جعل لكلِّ داءٍ شفاءً، وقد يطول بك المرضُ ابتلاءً ورفعةً في الدرجات وتكفيرًا للخطايا. فإذا رأيتَ المريضَ فبشِّره، وازرع في نفسه التفاؤل، وخفِّف عنه، ولا تصفه بأنه معاقَب، بل هو ابتلاءٌ وتمحيصٌ ورفعٌ للدرجات. ذكِّره بأنَّ الأنبياء قد ابتُلوا، وأنَّ أيوبَ عليه السلام قد اشتدَّ به البلاءُ والمرضُ حتى لم يَعُد قادرًا على القيام؛ قال تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ)[ص: 41].

وقال سبحانه: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)[ص: 44].

 

وكان أيوبُ -عليه السلام-، عندما وصل إلى مرحلةٍ متقدّمةٍ جدًا من الوجع والمرض، يستحي أن يدعو اللَّه، فيقول: أنعم اللَّه عليَّ سنينَ، ثم ابتلاني، أفلا أصبر على البلاء كما صبرتُ على النعمة؟ حتى دعا ربَّه فقال: (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ)[الأنبياء: 83-84]؛ فاستجاب اللَّهُ لهُ، وكشف ما به من ضر، ورد عليه عافيته وأهله، رحمة من عنده وذكرى للعابدين.

 

فطَمِّنوا المرضى، وبشّروهم، وادعوا لهم، وتصدّقوا عنهم، وداووا مرضاكم بالصدقات، ونفّسوا عنهم وخفّفوا عنهم؛ فلكل مرض شفاء بإذن اللَّه، ولكل ابتلاء نهاية بمشيئة اللَّه -عز وجل-، فلا تيأسوا ولا تقنطوا.

 

أقول ما تسمعون، وأستغفر اللَّه.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للَّه والصلاةُ والسلامُ على رَسولِ اللّهِ وعلى آله وصحبه ومن والاه.

 

عباد الله: في هذا الزمان، يتعلّق قلبُ المسلم باللَّه -عز وجل-، ويفسّر أحداث الكون وأحداث الحياة من خلال الإيمان باللَّه -عز وجل-، فيصبر عند البلاء، ويشكر عند النعمة، ويدعو اللَّه عند المرض، ويتصدّق ويفعل الخيرات. وهو دائمًا يدرك أن حتى الشوكة التي يُشاكها يُكفِّر اللَّه بها خطاياه، فيحتسب الأجر دائمًا عند اللَّه -عز وجل-، ويعلم أن بانتظاره نعيمًا لا انقطاع له.

نسأل اللَّه أن يشفي مرضانا، وأن يعافي مبتلانا، وأن ينصرنا على من عادانا. اللَّهم احفظ هذا البلد وبلاد المسلمين.

 

فيا عباد الله، استقبلوا أقدار الله بقلوبٍ مؤمنة صابرة، واعلموا أن المرض لم يأتِ ليهلككم بل ليطهركم ويرفع درجاتكم؛ فما من وجعٍ يصيب المسلم إلا جعل الله له فيه كفارةً وأجراً.

 

فارفعوا أكف الضراعة إلى الشافي المعافي، وثقوا بفرجه القريب، فمع العسر يسراً، ومع البلاء عافيةً ورضواناً؛ أقول قولي هذا وأقم الصلاة.

 

عباد الله: (إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي"، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه.

 

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ.

 

اللهم أمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل هذا البلد آمناً مباركاً وجميع بلاد المسلمين.

 

اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزائِمَ مَغْفِرَتِكَ، والسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إثمٍ، والغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، والفَوْزَ بالجَنَّةِ، والنَّجاةَ مِنَ النَّارِ.

 

اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل بلادنا آمنةً مطمئنة وسائر بلاد المسلمين.

 

اللَّهم احفظ الكويت آمنةً مطمئنةً، وردّ عنها كيد الحاقدين، وكيد الظالمين، برحمتك يا أرحم الراحمين. وآخر دعوانا أن الحمد للَّه ربِّ العالمين، وصلى اللَّه على نبينا محمد.

 

 

المرفقات

1777719513_رسالة إلى مريض.docx

1777719520_رسالة إلى مريض.pdf

المشاهدات 134 | التعليقات 0