سنواتٌ خدَّاعات
تركي بن عبدالله الميمان
1447/10/22 - 2026/04/10 06:14AM
سنوات خداعات
الخُطْبَةُ الأُوْلَى
إِنَّ الحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ، ونَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إِلَيه، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ في السِرِّ والنَّجْوَى؛ فَالتَّقْوَى: خَيرُ زَادٍ لِيَوْمِ المَعَادِ! ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
عِبَادَ الله: المُؤْمِنُ عَاقِلٌ فَطِنٌ، لا يَغْتَرُّ بِالطَّمَعِ، ولا يَرْكَنُ إلى الخُدَعِ؛ فَهُوَ يُرَاقِبُ العَوَاقِبَ، ولا يَنْخَدِعُ بِالظَّوَاهِرِ!
وأَوَّلُ المَظَاهِرِ الخَادِعَة: هذه الدُّنيا الفَانِيَةُ؛ فهي خَدَّاعَةٌ بجَمَالِهَا إِن أَقْبَلَتْ؛ فَجَّاعَةٌ بِزَوَالهَا إِن أَدْبَرَتْ! قال ﷺ: (إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا؛ فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؛ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، واتَّقُوا النِّسَاءَ). قال العُلَمَاءُ: يَنْبَغِي لِمَنْ فُتِحَتْ عَلَيْهِ زَهْرَةُ الدُّنْيَا: أَنْ يَحْذَرَ مِنْ سُوْءِ عَاقِبَتِهَا، وشَرِّ فِتْنَتِهَا، ولا يَطْمَئِنُّ إلى زُخْرُفِهَا، إِنَّمَا هِيَ سَحَابَةُ صَيْفٍ، أَوْ خَيَالُ طَيْفٍ! قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
والشُّبَهُ خَطَّافَةٌ، تَخْدَعُ القُلَوْبَ بِبَرِيْقِهَا، وهِيَ في الحَقِيْقَةِ: أَوْهَى مِنْ بَيتِ العَنْكَبُوت! قال الإِمَامُ أَحْمَدُ -فِي وَصْفِ أَهْلِ الشُّبُهَات-: (يَقُوْلُونَ عَلَى اللهِ، وفي اللهِ، وفي كِتَابِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، ويَتَكَلَّمُونَ بِالمُتَشَابِهِ مِن الكَلَامِ، ويَخْدَعُونَ جُهَّالَ الناسِ بِمَا يُشَبِّهُونَ عَلَيْهِم؛ فَنَعُوذُ بِاَللهِ مِنْ فِتَنِ المُضِلِّينَ).
وانْخَدَعَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: بإِتْقَانِ الكُفَّارِ لِصِنَاعَةِ الدُّنْيَا، فَظَنُّوْا بِذَلِكَ أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ المُطْلَقِ، وَأَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ تِلْكَ الصِّنَاعَةِ: أَنَّهُ مُتَخَلِّفٌ! وهَذَا جَهْلٌ فَاضِحٌ، وَغَلَطٌ فَادِحٌ! قال ﷻ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾. قال الشنقيطِيُّ: (مَا خَيَّلَهُ أَعْدَاءُ الدِّينِ لِضِعَافِ الْعُقُولِ: مِنْ أَنَّ التَّقَدُّمَ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِالِانْسِلَاخِ مِنْ دِينِ الإِسلَامِ! فَكَانَ مِنْ نَتَائِجِ ذَلِكَ: انْحِلَالُهُمْ مِنَ الدِّينِ رَغْبَةً فِي التَّقَدُّمِ؛ فَخَسِرُوا الدُّنْيَا والآخِرَةَ! ولَوْ رَاجَعُوا دِينَهُم؛ لَرَجَعَ لَهُمْ عِزُّهُم ومَجْدُهُم).
ومِنْ خُدَعِ إِبلِيس: تَقْدِيْمُ العَقْلِ والفِكْرِ وَالنَّظَرِ، على النَّقْلِ والحَدِيثِ والأَثَرِ.
لا تُخْدَعَنَّ عَنْ الحَدِيثِ وَأَهْلِهِ
فَالرَّأْيُ لَيْلٌ وَالْحَدِيثُ نَهَارُ
يقولُ ابنُ الجَوْزِي: (رَأَيْتُ في العَقْلِ نَوْعَ مُنَازَعَةٍ لِلْتَّطَلُّعِ إلى مَعْرِفَةِ جَمِيعِ حِكَمِ الحَقِّ في حُكْمِهِ؛ فَقُلْتُ لَهُ: اِحْذَرْ أَنْ تُخدَعَ يَا مِسْكِين! فَإِنَّكَ بَعْضُ مَوْضُوْعَاتِهِ، وَذَرَّةٌ مِنْ مَصْنُوعَاتِهِ).
ومِنْ المَظَاهِرِ الخَدَّاعَةِ: تَقْدِيْمُ المالِ وَالجَمَالِ، على الدِّيْنِ والأَعْمَالِ! قال ﷺ: (إِنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وأَمْوَالِكُمْ، ولَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأَعْمَالِكُمْ).
ومِن الخُدَعِ المُنْتِنَةِ: الفَخْرُ في الأَحْسَابِ، والطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ؛ فَفِي الحَدِيْثِ: (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ الَّذِينَ مَاتُوا، إِنَّمَا هُمْ فَحْمُ جَهَنَّمَ! أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنْ الجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الخِرَاءَ بِأَنْفِهِ!).
ومِعْيَارُ النَّسَبِ: أَوَّلُ مَعَايِيرِ الدُّنْيَا سُقُوْطًا في الآخِرَةِ! ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾. قال شيخُ الإسلام: (لَيْسَ في كِتَابِ اللَّهِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ يَمْدَحُ فِيهَا أَحَدًا بِنَسَبِهِ، ولَا يَذُمُّ أَحَدًا بِنَسَبِهِ؛ وإِنَّمَا يَمْدَحُ الإِيمَانَ والتَّقْوَى ويَذُمُّ بِالكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيَانِ). يقول ابنُ حَزم: (إِذَا فَكَّرَ العَاقِلُ في أَنَّ فَضْلَ آبَائِهِ لا يُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ، ولا يُكْسِبُهُ مَالًا؛ فَأَيّ مَعْنىً لِلإِعْجَابِ بِمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ؟! والمُعْجَبُ بِذَلِكَ: كَالمُعْجَبِ بِمَالِ جَارِهِ، أو كَالغَبِيِّ يَفْخَرُ بِذَكَاءِ أَبِيْهِ!).
وأَهْلُ الاِستِقَامَةِ: لا يَنْخَدِعُونَ بِكَثْرَةِ أَعْمَالِهِم، وقُوَّةِ إِيْمَانِهِمْ؛ فَهُمْ بَيْنَ (الخَوفِ والرَّجَاءِ)؛ لأَنَّ الأَعْمَال بِالخَوَاتِيمِ، والحَيُّ لا تُؤْمَنُ عليهِ الفِتْنَة! قال U: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾.
وكَثِيرٌ مِن النَّاسِ: يَنْخَدِعُ بِصِحَّتِهِ، ويَغْتَرُّ بِقُوَّتِهِ! قال ﷺ: (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَرَاغُ). قال ابنُ الجَوْزِيّ: (يَجِبُ على مَنْ لا يَدْري مَتَى يَبْغَتُهُ المَوْتُ: أَنْ يَكُوْنَ مُسْتَعِدًّا، ولا يَغْتَرَّ بِالشَّبَابِ والصِّحَةِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ مَنْ يَمُوْتُ الشُّبَّان!).
ومِنْ أَعْظَمِ المُخَادِعِينَ: ذَلِكَ الشَّيطَانُ الرَّجِيمُ؛ فَهُوَ يُخْفِي الخَدِيعَةَ في صُوْرَةِ النَّصِيْحَةِ! كما فَعَلَ بِأَبِيْنَا آدَمَ u؛ فَلَمْ يَزَلْ يَخْدَعُهُ، وحَلَفَ أَنَّهُ نَاصِحٌ لَهُ؛ فَاطْمَئَنَّ آدَمُ إلى قَوْلِه؛ حَتَّى أَخْرَجَهُ الشيطانُ مِنَ الجَنَّة! قال U: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ﴾.
أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا، وَاسْتَغْفِرُ اللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوْهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم
* * * *
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة
الحَمْدُ للهِ على إِحْسَانِه، والشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيْقِهِ وامْتِنَانِه، وأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا الله، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُه، وآلِهِ وَأَصْحَابِه وأَتْبَاعِه.
أَمَّا بَعْدُ: المُسْلِمُ العَاقِلُ؛ لا تَنْطَلِي عَلَيهِ خَدِيْعَةُ الإِعْلَامِ: الَّذِي يَقُومُ عَلَى تَلْمِيعِ التَّافِهِيْنَ والسَّاقِطِيْنَ؛ حَتَّى تَطَاوَلَ الأَقْزَامُ على الأَئِمَّةِ الأَعْلَامِ، وأَصْبَحَت الشُّهْرَةُ؛ هِيَ مِعْيَارُ القُدْوَةِ! قال ﷺ: (سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ: يُصَدَّقُ فِيهَا الكَاذِبُ، ويُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، ويُؤْتَمَنُ فِيهَا الخَائِنُ، ويُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ، ويَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ)، قيل: (ومَا الرُّوَيْبِضَةُ؟)، قال: (الرَّجُلُ التَّافِهُ، يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ العَامَّةِ!).
والتَّقَيُّ اللَّبِيْبُ؛ لا يَنْخَدِعُ بِكَثْرَةِ البَاطِلِ وَأَهْلِهِ؛ لِأَنَّ هَدَفَهُ الحَقُّ (ولَوْ قَلَّ أَهْلُهُ). وَأَمَّا تَقْلِيْدُ الأَكْثَرِيَّةِ البَاطِلَةِ؛ فَهِيَ العَصَا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عليها كُلُّ عَاجِزٍ، ويَنْخَدِعُ لَهَا كُلُّ مَخْدُوعٍ! قال ابنُ القَيِّم: (لَمَّا كَانَ طَالِبُ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ: طَالِبَ أَمْرٍ أَكْثَرُ النَّاسِ نَاكِبُونَ عَنْهُ، نَبَّهَ اللهُ على الرَّفِيقِ في هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾؛ فَلَا يَكْتَرِثْ بِمُخَالَفَةِ النَّاكِبِينَ عَنْهُ، فَإِنَّهُمْ هُمُ الَأَقَلُّونَ قَدْرًا، وَإِنْ كَانُوا الأَكْثَرِينَ عَدَدًا). قال ﷻ: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ في السِرِّ والنَّجْوَى؛ فَالتَّقْوَى: خَيرُ زَادٍ لِيَوْمِ المَعَادِ! ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
عِبَادَ الله: المُؤْمِنُ عَاقِلٌ فَطِنٌ، لا يَغْتَرُّ بِالطَّمَعِ، ولا يَرْكَنُ إلى الخُدَعِ؛ فَهُوَ يُرَاقِبُ العَوَاقِبَ، ولا يَنْخَدِعُ بِالظَّوَاهِرِ!
وأَوَّلُ المَظَاهِرِ الخَادِعَة: هذه الدُّنيا الفَانِيَةُ؛ فهي خَدَّاعَةٌ بجَمَالِهَا إِن أَقْبَلَتْ؛ فَجَّاعَةٌ بِزَوَالهَا إِن أَدْبَرَتْ! قال ﷺ: (إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا؛ فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؛ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، واتَّقُوا النِّسَاءَ). قال العُلَمَاءُ: يَنْبَغِي لِمَنْ فُتِحَتْ عَلَيْهِ زَهْرَةُ الدُّنْيَا: أَنْ يَحْذَرَ مِنْ سُوْءِ عَاقِبَتِهَا، وشَرِّ فِتْنَتِهَا، ولا يَطْمَئِنُّ إلى زُخْرُفِهَا، إِنَّمَا هِيَ سَحَابَةُ صَيْفٍ، أَوْ خَيَالُ طَيْفٍ! قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
والشُّبَهُ خَطَّافَةٌ، تَخْدَعُ القُلَوْبَ بِبَرِيْقِهَا، وهِيَ في الحَقِيْقَةِ: أَوْهَى مِنْ بَيتِ العَنْكَبُوت! قال الإِمَامُ أَحْمَدُ -فِي وَصْفِ أَهْلِ الشُّبُهَات-: (يَقُوْلُونَ عَلَى اللهِ، وفي اللهِ، وفي كِتَابِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، ويَتَكَلَّمُونَ بِالمُتَشَابِهِ مِن الكَلَامِ، ويَخْدَعُونَ جُهَّالَ الناسِ بِمَا يُشَبِّهُونَ عَلَيْهِم؛ فَنَعُوذُ بِاَللهِ مِنْ فِتَنِ المُضِلِّينَ).
وانْخَدَعَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: بإِتْقَانِ الكُفَّارِ لِصِنَاعَةِ الدُّنْيَا، فَظَنُّوْا بِذَلِكَ أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ المُطْلَقِ، وَأَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ تِلْكَ الصِّنَاعَةِ: أَنَّهُ مُتَخَلِّفٌ! وهَذَا جَهْلٌ فَاضِحٌ، وَغَلَطٌ فَادِحٌ! قال ﷻ: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾. قال الشنقيطِيُّ: (مَا خَيَّلَهُ أَعْدَاءُ الدِّينِ لِضِعَافِ الْعُقُولِ: مِنْ أَنَّ التَّقَدُّمَ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِالِانْسِلَاخِ مِنْ دِينِ الإِسلَامِ! فَكَانَ مِنْ نَتَائِجِ ذَلِكَ: انْحِلَالُهُمْ مِنَ الدِّينِ رَغْبَةً فِي التَّقَدُّمِ؛ فَخَسِرُوا الدُّنْيَا والآخِرَةَ! ولَوْ رَاجَعُوا دِينَهُم؛ لَرَجَعَ لَهُمْ عِزُّهُم ومَجْدُهُم).
ومِنْ خُدَعِ إِبلِيس: تَقْدِيْمُ العَقْلِ والفِكْرِ وَالنَّظَرِ، على النَّقْلِ والحَدِيثِ والأَثَرِ.
لا تُخْدَعَنَّ عَنْ الحَدِيثِ وَأَهْلِهِ
فَالرَّأْيُ لَيْلٌ وَالْحَدِيثُ نَهَارُ
يقولُ ابنُ الجَوْزِي: (رَأَيْتُ في العَقْلِ نَوْعَ مُنَازَعَةٍ لِلْتَّطَلُّعِ إلى مَعْرِفَةِ جَمِيعِ حِكَمِ الحَقِّ في حُكْمِهِ؛ فَقُلْتُ لَهُ: اِحْذَرْ أَنْ تُخدَعَ يَا مِسْكِين! فَإِنَّكَ بَعْضُ مَوْضُوْعَاتِهِ، وَذَرَّةٌ مِنْ مَصْنُوعَاتِهِ).
ومِنْ المَظَاهِرِ الخَدَّاعَةِ: تَقْدِيْمُ المالِ وَالجَمَالِ، على الدِّيْنِ والأَعْمَالِ! قال ﷺ: (إِنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وأَمْوَالِكُمْ، ولَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأَعْمَالِكُمْ).
ومِن الخُدَعِ المُنْتِنَةِ: الفَخْرُ في الأَحْسَابِ، والطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ؛ فَفِي الحَدِيْثِ: (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ الَّذِينَ مَاتُوا، إِنَّمَا هُمْ فَحْمُ جَهَنَّمَ! أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنْ الجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الخِرَاءَ بِأَنْفِهِ!).
ومِعْيَارُ النَّسَبِ: أَوَّلُ مَعَايِيرِ الدُّنْيَا سُقُوْطًا في الآخِرَةِ! ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾. قال شيخُ الإسلام: (لَيْسَ في كِتَابِ اللَّهِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ يَمْدَحُ فِيهَا أَحَدًا بِنَسَبِهِ، ولَا يَذُمُّ أَحَدًا بِنَسَبِهِ؛ وإِنَّمَا يَمْدَحُ الإِيمَانَ والتَّقْوَى ويَذُمُّ بِالكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيَانِ). يقول ابنُ حَزم: (إِذَا فَكَّرَ العَاقِلُ في أَنَّ فَضْلَ آبَائِهِ لا يُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ، ولا يُكْسِبُهُ مَالًا؛ فَأَيّ مَعْنىً لِلإِعْجَابِ بِمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ؟! والمُعْجَبُ بِذَلِكَ: كَالمُعْجَبِ بِمَالِ جَارِهِ، أو كَالغَبِيِّ يَفْخَرُ بِذَكَاءِ أَبِيْهِ!).
وأَهْلُ الاِستِقَامَةِ: لا يَنْخَدِعُونَ بِكَثْرَةِ أَعْمَالِهِم، وقُوَّةِ إِيْمَانِهِمْ؛ فَهُمْ بَيْنَ (الخَوفِ والرَّجَاءِ)؛ لأَنَّ الأَعْمَال بِالخَوَاتِيمِ، والحَيُّ لا تُؤْمَنُ عليهِ الفِتْنَة! قال U: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾.
وكَثِيرٌ مِن النَّاسِ: يَنْخَدِعُ بِصِحَّتِهِ، ويَغْتَرُّ بِقُوَّتِهِ! قال ﷺ: (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَرَاغُ). قال ابنُ الجَوْزِيّ: (يَجِبُ على مَنْ لا يَدْري مَتَى يَبْغَتُهُ المَوْتُ: أَنْ يَكُوْنَ مُسْتَعِدًّا، ولا يَغْتَرَّ بِالشَّبَابِ والصِّحَةِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ مَنْ يَمُوْتُ الشُّبَّان!).
ومِنْ أَعْظَمِ المُخَادِعِينَ: ذَلِكَ الشَّيطَانُ الرَّجِيمُ؛ فَهُوَ يُخْفِي الخَدِيعَةَ في صُوْرَةِ النَّصِيْحَةِ! كما فَعَلَ بِأَبِيْنَا آدَمَ u؛ فَلَمْ يَزَلْ يَخْدَعُهُ، وحَلَفَ أَنَّهُ نَاصِحٌ لَهُ؛ فَاطْمَئَنَّ آدَمُ إلى قَوْلِه؛ حَتَّى أَخْرَجَهُ الشيطانُ مِنَ الجَنَّة! قال U: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ﴾.
أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا، وَاسْتَغْفِرُ اللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوْهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم
* * * *
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة
الحَمْدُ للهِ على إِحْسَانِه، والشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيْقِهِ وامْتِنَانِه، وأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا الله، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُه، وآلِهِ وَأَصْحَابِه وأَتْبَاعِه.
أَمَّا بَعْدُ: المُسْلِمُ العَاقِلُ؛ لا تَنْطَلِي عَلَيهِ خَدِيْعَةُ الإِعْلَامِ: الَّذِي يَقُومُ عَلَى تَلْمِيعِ التَّافِهِيْنَ والسَّاقِطِيْنَ؛ حَتَّى تَطَاوَلَ الأَقْزَامُ على الأَئِمَّةِ الأَعْلَامِ، وأَصْبَحَت الشُّهْرَةُ؛ هِيَ مِعْيَارُ القُدْوَةِ! قال ﷺ: (سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ: يُصَدَّقُ فِيهَا الكَاذِبُ، ويُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، ويُؤْتَمَنُ فِيهَا الخَائِنُ، ويُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ، ويَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ)، قيل: (ومَا الرُّوَيْبِضَةُ؟)، قال: (الرَّجُلُ التَّافِهُ، يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ العَامَّةِ!).
والتَّقَيُّ اللَّبِيْبُ؛ لا يَنْخَدِعُ بِكَثْرَةِ البَاطِلِ وَأَهْلِهِ؛ لِأَنَّ هَدَفَهُ الحَقُّ (ولَوْ قَلَّ أَهْلُهُ). وَأَمَّا تَقْلِيْدُ الأَكْثَرِيَّةِ البَاطِلَةِ؛ فَهِيَ العَصَا الَّتِي يَتَوَكَّأُ عليها كُلُّ عَاجِزٍ، ويَنْخَدِعُ لَهَا كُلُّ مَخْدُوعٍ! قال ابنُ القَيِّم: (لَمَّا كَانَ طَالِبُ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ: طَالِبَ أَمْرٍ أَكْثَرُ النَّاسِ نَاكِبُونَ عَنْهُ، نَبَّهَ اللهُ على الرَّفِيقِ في هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾؛ فَلَا يَكْتَرِثْ بِمُخَالَفَةِ النَّاكِبِينَ عَنْهُ، فَإِنَّهُمْ هُمُ الَأَقَلُّونَ قَدْرًا، وَإِنْ كَانُوا الأَكْثَرِينَ عَدَدًا). قال ﷻ: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾.
المرفقات
1775790623_سنوات خداعات (نسخة للطباعة).pdf
1775790624_سنوات خداعات (مختصرة).docx
1775790625_سنوات خداعات.pdf
1775790625_سنوات خداعات (نسخة للطباعة).docx
1775790625_سنوات خداعات (نسخة مختصرة).pdf