شَعِيرَةُ الْحَجِّ، وَتَوْجِيهَاتٌ لِلْحُجَّاجِ.
أ.د عبدالله الطيار
1447/11/29 - 2026/05/16 10:08AM
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اصْطَفَانَا مِنْ خَلْقِهِ مُوَحِّدِينَ، وَخَصَّنَا بِأَكْمَلِ الشَّرَائِعِ، فَأَتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَةَ، وَأَكْمَلَ لَنَا الدِّينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ وسلم عليْهِ وعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، أمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَتَزَوُّدوا بِتَقْوَاهُ: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) البقرة: [197].
عِبَادَ اللهِ: الْحَجُّ فَرِيضَةٌ دِينِيَّةٌ، وَعِبَادَةٌ قَوْلِيَّةٌ وَفِعْلِيَّةٌ، يَبْذُلُ فِيهَا الْحَاجُّ النَّفْسَ وَالْمَالَ وَيَهْجُرُ لِأَجْلِهَا الْوَطَنَ وَالدَّارَ، وَيَقْطَعُ الْفَيَافِيَ وَالْقِفَارَ، تَلْبِيَةً لِنِدَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
بِقَوْلِهِ: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)
أَيُّهَا المؤْمِنُونَ: وَالْحَجُّ تَجْدِيدٌ لِلْعَهْدِ، وَتَطْهِيرٌ لِلنَّفْسِ، وَتَرْبِيَةٌ لِلرُّوحِ، وَمَظْهَرٌ لِلتَّآلُفِ بَينَ المُسْلِمِينَ، وَهُوَ مَشْرُوطٌ بِالاسْتِطَاعَةِ المَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) الحج: [97] فَرَفَعَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ غَيرِ المُسْتَطِيعِ الْحَرَجَ وَالْعَنَتَ، وَالمَشَقَّةَ وَالتَّعَبَ، قَالَ رَبُّنَا: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) البقرة: [286].
عِبَادَ اللهِ: وَالْحَجُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ شَعَائِرَ تُؤَدَّى، بَلْ هُوَ مَحَطَّةٌ إِيمَانِيَّةٌ تَتَطَلَّبُ مِنَ الْحَاجِّ اسْتِعْدَاداً خَاصّاً يَجْمَعُ بَيْنَ طَهَارَةِ الرُّوحِ، وَسَلَامَةِ الْبَدَنِ، وَالْوَعْيِ بِالنِّظَامِ؛ وَلِذَا أُوجِزُ بَعْضَ التَّوْجِيهَاتِ؛ لِتَكُونَ تَذْكِرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وَتَبْصِرَةً لِلْمُتَّقِينَ، وَبَلَاغاً لِلْعَالَمِينَ، فَأَقُولُ:
أَوَّلاً: الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَنْ يُبَادِرَ بِالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ، وَأَنْ يَتَحَرَّى الْحَلَالَ، فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّباً، وَأَنْ يُبْقِيَ نَفَقَةً لِأَهْلِهِ وَمَنْ يَعُولُ، تَكْفِيهِمْ عَنِ السُّؤَالِ، وَيُوصِيهِمْ بِالتَّقْوَى، وَيَتَخَيَّرَ رِفْقَتَهُ، وَيَتَعَلَّمَ مَا يُشْرَعُ لَهُ فِي حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ.
ثَانِيًا: الْحِرْصُ عَلَى مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْأَرْكَانِ وَالْأَقْوَالِ، وَالْأَفْعَالِ وَالْهَيْئَاتِ، فَالدِّينَ وَحْيٌ مُتَّبَعٌ، لَا هَوًى مُبْتَدَعٌ، قَالَ ﷺ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (3062). وَإِذَا لَزِمَ الْعَبْدُ خُطَى النَّبِيِّ ﷺ وَاقْتَدَى بِهَدْيِهِ، ذَاقَ حَلَاوَةَ الْعِبَادَةِ، وَلَذَّةَ الطَّاعَةِ.
ثَالِثًا: حُجَّاجَ بَيْتِ اللهِ: أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَالْزَمُوا السَّكِينَةَ وَالْوَقَارَ، فَقَدْ أَوْصَى ﷺ الْحَجِيجَ بِقَوْلِهِ: (أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ؛ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (1671) فَاحْذَرُوا التَّدَافُعَ وَالزِّحَامَ، وَالْزَمُوا السَّكِينَةَ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَالسُّلُوكِ وَالْهَيْئَاتِ، قَالَ تَعَالى: (فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) الحج: [34].
رَابِعًا: حُجَّاجَ بَيْتِ اللهِ: إِنَّ الْحَجَّ لَيْسَ مِضْمَارَ مَشَقَّةٍ وَلَا مَيْدَانَ مُشَادَّةٍ، بَلْ هُوَ عِبَادَةٌ قَوَامُهَا الِاتِّبَاعُ وَسَمْتُهَا السَّكِينَةُ وَسَبِيلُهَا التَّخْفِيفُ وَالتَّسْهِيلُ، فَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ، فَالشَّرِيعَةُ سَمْحَةٌ غَرَّاءُ، قَالَ تَعَالَى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) الحج: [78] وخَطَبَ ﷺ المسْلِمينَ يَوْمَ النَّحْرِ: (فَما سُئِلَ يَومَئذٍ عن شيءٍ إلّا قالَ: افْعَلْ ولا حَرَجَ) أخرجه البخاري (1737) ومسلم (1306).
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرِّجِيمِ: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) البقرة: [185]. بَارَكَ اللهُ لي ولكم فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِمَا مِنَ الْآَيَاتِ وَالْحِكْمَةِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي ولَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّ رَبِّي كَانَ غَفَّارًا.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة: الْحَمْدُ للهِ وَلِيِّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ ألّا إلَهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أجمعين أمَّا بَعْدُ: فَأُوصِي حُجَّاجَ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ بِضَرُورَةِ الْحُصُولِ عَلَى تَصَارِيحِ الْحَجِّ عَبْرَ الْقَنَوَاتِ الرَّسْمِيَّةِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَالْحَذَرِ مِنَ الْمُحْتَالِينَ وَالْمُضَلِّلِينَ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ بِلَا تَصْرِيحٍ يُؤْذِي الْحَجِيجَ، وَيُعِيقُ الْخِدْمَاتِ، وَيُشْغِلُ الْجِهَاتِ الْأَمْنِيَّةَ وَالصِّحِّيَّةَ، كَمَا أَنَّهُ مُخَالَفَةٌ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ، قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ)
حُجَّاجَ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ: احْرِصُوا عَلَى اتِّبَاعِ الْأَنْظِمَةِ الْأَمْنِيَّةِ وَالصِّحِّيَّةِ، وَالتَّعَاوُنِ مَعَ الْمُشْرِفِينَ وَالْمُنَظِّمِينَ، وَرِجَالِ الْأَمْنِ، وَمُقَدِّمِي الْخَدَمَاتِ، وَاحْذَرُوا التَّعَرُّضَ الْمُبَاشِرَ لِأَشِعَّةِ الشَّمْسِ، خَاصَّةً أَوْقَاتَ الظَّهِيرَةِ.
أيها المؤمنون: إِنَّ بِلَادَنَا الْمُبَارَكَةَ -الْمَمْلَكَةَ الْعَرَبِيَّةَ السُّعُودِيَّةَ- تَسْتَنْفِرُ جُهُودَهَا الْبَشَرِيَّةَ وَالْمَادِّيَّةَ وَالتَّقْنِيَّةَ وَالصِّحِّيَّةَ وَالتَّوْعَوِيَّةَ، وَتَقِفُ عَلَى قَدَمِ الْجِدِّ وَالْمُتَابَعَةِ فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ، لِاسْتِقْبَالِ وُفُودِ الرَّحْمَنِ، وَتَوْفِيرِ سُبُلِ الرَّاحَةِ وَالسَّكِينَةِ، وَالْأَمَانِ وَالطُّمَأْنِينَةِ؛ لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ أَدَاءِ فَرِيضَتِهِمْ بِيُسْرٍ وَسُهُولَةٍ، كما أنّ بلادُنا -حفظهَا اللهُ- منذ عُقُودٍ بَعِيدَةٍ، وَأَزْمَانٍ عَدِيدَةٍ، تُكَرِّسُ الجهودَ الماليَّةَ والبدنيَّةَ والتكنولوجيَّةَ لخدمةِ القرآنِ الكريمِ، والعنايةِ بهِ، وطباعتِهِ ونشرِهِ، وَدَعْمِ مَدَارِسِ وَحَلَقَاتِ تَحْفِيظِ الْقُرْآَنِ الْكَرِيمِ، مَحَليًّا وَدَوْليًا، وَالتَّشْجِيع عَلَى حِفْظِ وَمُدَارَسَةِ الْقُرْآَنِ الْكَرِيمِ بِإِقَامَةِ مُسَابَقَاتٍ عَالمِيَّةٍ وَدَوْلِيَّةٍ تَكْرِيمًا لأَهْلِ القُرْآَنِ.
عباد الله: احْرِصُوا عَلَى اسْتِغْلالِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، فَهِيَ مَوْسِمٌ عَظِيمٌ، وَهِيَ مِنْ أَفْضَلِ مَوَاسِمِ الْعَامِ، فَاجْتَهِدُوا فِيهَا، وَاسْتَثْمِرُوا أَوْقَاتَهَا بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ.
أَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَجْعَلَ حَجَّ هَذَا الْعَامِ مُبَارَكًا مَيْمُونًا، وَأَنْ يَحْفَظَ الْحَجِيجَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ. اَللَّهُمَّ أمِّنا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّق وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِالْعَزِيزِ حَفِظَهُ اللهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ حَفِظَهُ اللهُ، واجزهم خَيْرَ الْجَزَاءِ عَلَى مَا يُقَدِّمُونَهُ لِخِدْمَةِ الحجيج، اللَّهُمَّ احْفَظْ عُلَمَاءَنَا، وَوُلاةَ أَمْرِنَا، وَالمُرَابِطِينَ عَلَى حُدُودِنَا، وَرِجَالَ أَمْنِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَأَمْنِ الطُّرُقِ، اللهم ارْحَمْ هذَا الْجَمْعَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ والمؤْمِنَاتِ، واغْفِرْ لَهُمْ ولآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، وَاجْمَعْنَا وإيَّاهُمْ ووالدِينَا وإِخْوَانَنَا وذُرِّيَّاتِنَا وَأَزْوَاجَنَا وجِيرَانَنَا ومشايخنا وَمَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَيْنَا في جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
الجمعة 28/ 11 /1447 هـ