عسى وعسى الجزء الاول
أمير محمد محمد المدري
عسى وعسى الجزء الاول
الحمد لله تبارك وتعالى، يقضي بما شاء، ويفعل ما يريد، وربك يخلق ما يشاء ويختار، أحمده سبحانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يمهل للظالم والباغي ويملي له، حتى إذا أخذه لم يفلته سبحانه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير من سعى وطاف، وأفضل من بكى لله وخاف، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد: عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله رحمكم الله، وتوبوا إليه، واستغفروه، واعلموا أنه ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة. فاللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا.
إخوة الإيمان: نعيش وإياكم في هذه اللحظات المباركة مع حقيقة قرآنية وسنة ربانية، من تأملها انطفى من قلبه كل ألم، واستساغ في الحياة كل وجع وسقم. هذه الحقيقة تُطفي الأنين، وتُعلّم العبد الرضا باختيار الرب الكريم.
إنها حقيقة قرآنية قررها ربنا، وعنوانها في سورة البقرة الآية السادسة عشرة بعد المائتين، فقال جل من قائل:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
وأكدها في سورة النساء الآية التاسعة عشرة، فقال تعالى:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].
وزاد هذه الحقيقة تأكيدًا في سورة النور الآية الحادية عشرة:
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النور: 11].
إنها حقيقة قرآنية تُعلّم العبد المؤمن أن يدعو ويقول: "اللهم خر لي فإني لا أحسن الاختيار، يا رب دبّر لي فإني لا أحسن التدبير". حقيقة قرآنية تُعلّم العبد دائمًا أن يلهج لسانه وقلبه في كل ما يقع له من خير وشر فيقول: "لعله خير".
نعم، فكل أمر المؤمن خير، كما قال الحبيب المصطفى ﷺ، فالمؤمن منشرح الصدر في السراء والضراء، شاكراً في الرخاء، صابرًا عند البلاء، قائلًا: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، قائلًا:
﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51].
عباد الله:
إن الإنسان قد يقع له شيء من الأقدار المؤلمة، والمصائب الموجعة التي تكرهها نفسه، فربما جزع، أو أصابه الحزن، وظن أن ذلك المقدور هو الضربة القاضية، والفاجعة المهلكة لآماله وحياته. فإذا بذلك المقدور مُنحة في ثوب محنة، وعطية في رداء بلية، وفوائد لأقوام ظنوها مصائب. وكم أتى نفع الإنسان من حيث لا يحتسب! فلا إله إلا الله القائل:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
وعلى العكس؛ فكم من إنسان سعى في شيء ظاهره خير، وأسرع إليه، واستمات في سبيل الحصول عليه، وبذل الغالي والنفيس من أجل الوصول إليه، فإذا بالأمر يأتي على خلاف ما يريد! فلا إله إلا الله القائل:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
ذُكر أن رجلاً قدم إلى المطار للسفر، وكان حريصًا على رحلته، ولديه موعد مهم، والناس في انتظاره لعملٍ مهم، وهو مجهد بعض الشيء، فأخذته غفوة، مع أنه حدد المنبه، فأفاق لكنه تأخر، وقد أقلعت الطائرة، وفاتته الرحلة، فضاق صدره، وندم ندمًا شديدًا. ولم تمض دقائق على هذه الحال التي هو عليها حتى أُعلن عن سقوط الطائرة، واحتراق من فيها بالكامل. ألم يكن فوات الرحلة خيرًا لهذا الرجل؟ ولكن أين المعتبرون والمتعظون؟
أخي المؤمن، أخي الحبيب: لو كُشف لك عما في الغيب، لم تختر غير ما اختاره الله لك. ليكن شعارك: "لعله خير". أحسن الظن بربك.
مصيبة في المال أو الأهل أو الولد؟ لعله خير. تأخر زواج أو تأخر إنجاب؟ لعله خير. لعل الله دفع عني ما هو أعظم، لعل الله يخفي لي خيرًا مما ذهب عني. ردد دوماً: "لعله خير".
إخوة يوسف عليه السلام أرادوا قتله فلم يمت، أرادوا محو أثره فارتفع شأنه وعلا نجمه، أرادوا بيعه مملوكًا فأصبح ملكًا، أرادوا أن يُزيلوا محبته من قلب أبيهم فما ازداد أبوهم إلا حبًا وشغفًا به. وكأن الله تعالى يقول:
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النور: 11].
مريم عليها السلام لما حملت بعيسى عليه السلام، وجاءت الآلام، وخافت الفضيحة، قالت: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ [مريم: 23]. لم تكن تعلم أن في جوفها نبيًا ومن أولي العزم من الرسل. سبحان الله! كم من مشكلة تحل بالعبد يظن أنها المهلكة، فكان فيها الخير والبركة.
يتجسد هذا المعنى في قصة موسى والعبد الصالح في سورة الكهف التي نقرأها كل جمعة، حين قام العبد بخرق السفينة، خرقٌ ظاهره عيب وشر؛ لكن الله جعل فيه البركة والنجاة من الغصب، قال تعالى:
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: 79].
فبهذا العيب نجت السفينة من أن يأخذها ذلك الملك الظالم غصبًا.
أخي المؤمن: سفينتك قد تكون زوجتك التي فقدتها بموت أو غياب، وقد يكون ابنك المجروح، أو مالك المُصادر، أو وظيفتك، أو عزيز لديك. لو خُرقت سفينتك، أترضى بقضاء الله وتعلم أن الله يدبر لك خيرًا تجهله فيه النجاة؟ أم تسخط وتستنكر قضاء الله؟
قُتل غلام رحيم فيه لطف خفي؛ فهذا الغلام لا يستحق القتل في الظاهر، ولكن الغيب يُطْلِع العبدَ الصالح على سبب قوي لقتله، إنه سينشأ كافرًا طاغيًا، تكمن في نفسه بذور الكفر والطغيان، فلو عاش لأرهق والديه المؤمنَيْنِ بكفره وطغيانه، وقادهما بدافع حبهما له أن يتبعاه في طريقه، فيموتا على الكفر فيكونوا جميعًا من أهل النار. فأراد الله بقتل الغلام أن يبدلهما الله خلفًا خيرًا منه، لطفاً ورحمة به وبوالديه فيدخلوا جميعًا في رحمته يوم القيامة.
قال تعالى:
﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: 80-81].
توقف –أخي الحبيب– مع هذه الحادثة قليلاً. كم من إنسان حُرم الذرية بقدَر الله، فضاق بذلك ذرعًا، واهتم واغتم وضاق صدره! وهذه طبيعة البشر؛ لكن الذي لا ينبغي أن يحدث هو الحزن الدائم، والشعور بالحرمان الذي يقضي على بقية مشاريعه في الحياة. وليت من حُرم نعمة الولد يتأمل هذه الآية، لا ليذهب حزنه فحسب؛ بل ليطمئن قلبه، وينشرح صدره، ويرتاح خاطره. ربما صرف الله هذه النعمة رحمة به، وما يدريه؟ لعله إذا رُزق بولد صار هذا الولد سببًا في شقاء والديه وتعاستهما وتنغيص عيشهما! أو تشويه سمعتهما.
تزوج أحدهم، رُزق بنتًا، ثم حملت زوجته ورغب في الولد، لكن سبحان الله كانت بنتًا، وكلما حملت زوجته يتمنى الولد لكن رزقه الله بست بنات، فقال لزوجته: لو حملت ببنت سابعة فأنت طالق –لا إله إلا الله– أما علم هذا الجاهل أن الله هو الواهب الذي يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور؟
رُوي أن امرأة دخلت على داود عليه السلام فقالت: يا نبي الله! ربك ظالم أم عادل؟ فقال داود: ويحك يا امرأة، هو العدل الذي لا يجور. فقال لها: ما قصتك؟ قالت: أنا أرملة، عندي ثلاثة بنات أقوم عليهن من غزل يدي، فلما كان أمس شددت غزلي بخرقة حمراء، وأردت أن أذهب إلى السوق لأبيعه وأطعم أطفالي، فإذا بطائر انقض علي وأخذ الخرقة والغزل وذهب، وبقيت حزينة لا أملك شيئًا أطعم به أطفالي. فبينما كانت المرأة مع داود عليه السلام في الكلام، إذا بالباب يطرق على داود، فأذن بالدخول، وفوجئ حينها بعشرة من التجار، كل واحد بيده مائة دينار، قالوا: يا نبي الله أعطها لمستحقها. فقال داود عليه السلام: ما خطبكم؟ ما قصة هذا المال؟ قالوا: يا نبي الله! كنا في مركب، فهاجت علينا الريح، وأشرفنا على الغرق، فإذا بطائر يلقي علينا خرقة حمراء وفيها غزل، فسددنا به عيب المركب، فهانت علينا الريح، وانسد العيب، ونذرنا إلى الله أن يتصدق كل واحد منا بمائة دينار، وهذا المال بين يديك فتصدق به على من أردت. فالتفت داود عليه السلام إلى المرأة وقال لها: ربي يتاجر لك في البر والبحر وتجعلينه ظالمًا؟! وأعطاها المال، وقال: أنفقيه على أطفالك.
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
أخي الحبيب: أيهما تختار: اختيار الله وتدبيره لك، أم اختيارك وتدبيرك لنفسك؟ فلماذا لا نثق في حكمة الله وتدبيره، ونرضى باختياره، ونطبق شرعه؟ لماذا ننتظر دائمًا أن نعلم الحكمة في قضائه وتدبيره قبل أن نُسلّم ونفوّض الأمر لله؟
ومن هنا جاءت صلاة الاستخارة. جاء في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ -ويسمي حاجته- خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أو قال: عاجله وآجله- فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أو قال: عاجله وآجله- فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ».
فأين الناس من هذا الفعل، إذا ما أراد أحدهم سفرًا أو تجارة أو زواجًا أو امتلاك شيء؟
قال ابن عمر رضي الله عنهما: إن العبد ليستخير فيختار الله له، فيسخط على ربه عز وجل، فلا يلبث ينظر في العاقبة، فتكون العاقبة خيرًا له.
فيا أيها الحبيب: أحسن الظن بربك، وتفاءل، والقادم أجمل، وقل في كل ما يحصل لك: "لعله خير".
وروى مسلم في صحيحه عن صهيب رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».
قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كلام قيم ما ملخصه: فرِّغ خاطرك لله فيما أمرت به، ولا تشغله بما ضُمن لك، فما دام الأجل باقياً كان الرزق آتياً، وإذا سد الله عليك بحكمته طريقاً من طرقه، فتح لك برحمته طريقاً أنفع لك منه وأكمل.
فتأمل حال الجنين: يأتيه غذاؤه وهو الدم من طريق واحد وهو السُّرة، فلما خرج من بطن أمه وانقطعت تلك الطريق، فتح الله له طريقين اثنين؛ أعني الثديين، وأجرى له فيهما رزقاً أطيب وألذ من الأول؛ لبناً خالصاً سائغاً. فإذا تمت مدة الرضاع وانقطع الطريقان بالفطام، فتح طرقاً أربعاً أكمل منها، هما طعامان وشرابان؛ فالطعامان من حيوان ونبات؛ والشرابان من مياه وألبان وما يضاف إليهما من المنافع والملاذ.
فإذا مات وانقطعت عنه هذه الطرق الأربع، فتح الله له إن كان سعيداً طرقاً ثمانية؛ هي أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، نسأل الله من فضله.
فالله لا يمنع عبده المؤمن شيئاً من الدنيا إلا ويؤتيه أفضل منه وأنفع، وليس ذلك لغير المؤمن، إن الله يمنعه الحظ الأدنى الخسيس ليعطيه الأعلى النفيس، والعبد لجهله بمصالح نفسه وكرم ربه ورحمته لا يعرف التفاوت بين ما مُنع منه وما ادخر له، بل هو مولع بحب العاجل وإن كان دنيئاً، وبقلة الرغبة في الآجل وإن كان علياً، ولو أنصف العبدُ ربه –وأنَّى له ذلك– لعلم أن فضله عليه فيما منعه في الدنيا ولذاتها أعظم من فضله عليه فيما آتاه منها.
فما منعه إلا ليعطيه، وما ابتلاه إلا ليعافيه، وما امتحنه إلا ليصافيه، ولا أماته إلا ليحييه، ولا أخرجه إلى هذه الدار إلا ليتأهب للقدوم عليه، ويسلك الطرق الموصلة إليه:
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: 62].
هذا، وصلوا - رحمكم الله - على خير البرية، وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك فقال في كتابه الكريم:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
اللهم اجعلنا من الذين إذا أصابتهم سراء شكروا، وإذا أصابتهم ضراء صبروا، وإذا أخطأ عليهم غفروا، وإذا ظُلموا عفواً وصفحوا. اللهم ارزقنا حسن الظن بك، والرضا بقضائك، والتسليم لأمرك. اللهم اجعلنا من الذين يقولون في كل ما يقع لهم: "لعله خير"، فيكون خيرًا لهم في عاجلهم وآجلهم.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
المرفقات
1778337096_عسى وعسى الجزء الاول.doc