فضائل عشر ذي الحجة
أ. د حسن بن محمد شبالة
1447/11/27 - 2026/05/14 10:01AM
عباد الله: في هذه الأيام المباركة التي نعيشها جميعاً، هي أفضل أيام الدنيا على الإطلاق وهي "عشر ذي الحجة"، تلك الأيام المباركة التي فضَّلها الله سبحانه وتعالى على سائر الأيام واختصَّها بشيءٍ من الفضلِ والأجرِ لمن استغلَّها واجتهَدَ فيها في طاعةِ الله سبحانه وتعالى.
وقد أقسمَ الله سبحانه وتعالى بها في كتابِه في قولِه: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1-2]. كما أن الله سبحانه وتعالى أيضاً ذكرَها في قولِه سبحانه: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [البقرة: 203]؛ وهذه الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة.
كما أن الله سبحانه وتعالى جعلَها أيضاً من ضمن أشهر الحج كما قال جل وعلا: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197]، وهي شهر شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة. وهي كذلك من ضمن الأشهر الحرم التي نهى الله سبحانه وتعالى فيها الناس عن ظلم أنفسهم كما قال: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36]، وهي شهر ذي القعدة، وشهر ذي الحجة، وشهر محرم، وشهر رجب.
وقد رد في فضلها حديث خاص فقد جاء في الصحيح من حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى الله من هذه الأيام -يعني عشر ذي الحجة- قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء)) (رواه البخاري).
وفي ذلك الدعوة من النبي صلى الله عليه وسلم إلى استغلالها والانتباه لها، وقد كان السلف رحمهم الله تعالى يجتهدون في هذه العشر أكثر من اجتهادهم في العشر الأواخر من رمضان.
فانظروا إلى هذا الفضل العظيم والثواب الجزيل لمن عمل عملاً صالحاً في هذه الأيام؛ فعمله الصالح المقبول الخالص عند الله سبحانه وتعالى يفضل على الجهاد في سبيل الله، نعم يفضل على الخروج والقتال والمرابطة في سبيل الله، واستثنى النبي صلى الله عليه وسلم نوعاً واحداً من الجهاد، وهو من خرج بماله ونفسه مجاهداً في سبيل الله ثم قُتل ولم يرجع بشيء، لا بمال ولا بغنيمة ولا بنفسه؛ هذا الذي يمكن أن يفضل من اجتهد بالعمل الصالح في أيام العشر. فدل ذلك على فضلها وعظيم ثوابها وأجرها.
ولكن للأسف هناك غفلة كبيرة عند كثير من الناس اليوم عنها، والتقصير بالاجتهاد فيها إما جهلاً أو تكاسلاً، بخلاف اهتمام الناس بالعشر الأواخر من رمضان؛ فإنهم يهتمون بالعشر الأواخر من رمضان لعلمهم بفضلها وأجرها وثوابها، وفيها ليلة هي أعظم ليالي الدنيا وهي ليلة القدر، مع أن العشر الأوائل من شهر ذي الحجة لها نفس المكانة وفيها من الأجر والثواب مثل مافي العشر الأواخر من رمضان، بل ربما أكثر وأعظم؛ وذلك للحديث الذي سمعتم، وأيضاً لأنه يجتمع فيها عبادات لا تجتمع في غيرها في أيام أخرى.
ولذلك كان الراجح من كلام أهل العلم في بيان المفاضلة بين عشر ذي الحجة والعشر الأواخر من رمضان، أن أيام عشر ذي الحجة -يعني نهارها- أفضل من نهار العشر الأواخر من رمضان، وأن ليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة. لماذا؟ لأن في ليالي العشر من رمضان ليلة هي أعظم ليالي الدنيا وهي ليلة القدر، وفي ايام العشر الأول من شهر ذي الحجة يوم هو أعظم الأيام على الإطلاق وهو يوم النحر.
فدل ذلك على مكانة هذه العشر، سواء عشر رمضان أو عشر ذي الحجة. والناس يعتنون بالعشر الأواخر من رمضان اجتهاداً واعتكافاً وصياماً وقياماً وذكراً وقراءة للقرآن؛ فأين هم من الاجتهاد في هذه الأيام المباركة مع ما سمعتم من فضلها وثوابها ووجوب استغلالها ؟!
أيها المؤمنون: والعمل الصالح في هذه الأيام اسم عام يشمل كل الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة لها شرطان: أن تكون خالصة لوجه الله ليس فيها رياء ولا سمعة، وأن تكون مشروعة شرعها الله سبحانه وتعالى سواء كانت عبادات أو أباحها الله وأذن بها لما فيها من منفعة الخلق فهذه كلها أعمال صالحة؛ لأن كل ما فيه خير للبشرية وإحسان إلى الخلق فهو عمل صالح.
وقد ارشد النبي صلى الله عليه وسلم، إلى الاجتهاد في هذه الأيام بالأعمال الصالحة في قوله: ((ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من أيام عشر ذي الحجة)).
ومن فضل الله على عباده أن نوع عليهم في أفعال الخير والبر وسائر الأعمال الصالحة حتى لا تسأم النفوس، ولكي لا تعجز بعض النفوس عن فعل بعض الأعمال فتشعر بالقنوط واليأس؛ جعل أبواب الخير كثيرة وعلى المسلم أن يجتهد في الباب الذي يتقن ويحسن ويقدر عليه.
١. ومن أعظم الأعمال الصالحة في هذه الأيام الإهلال بالحج والعمرة لمن قدر عليه؛ فهذه الأيام هي أيام الحج وفيها تؤدى أركان الحج واعظمها الوقوف بعرفة وفيها يوم الحج الأكبر، يوم النحر، وفيه أعمال صالحة كثيرة.وقد قال صلى الله عليه وسلم: في،فضل الحج: ((والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)) (رواه البخاري ومسلم). فمن وفقه الله للحج، فأعمال الحج ومناسك الحج من أفضل الأعمال الصالحة، وأعمال الحج متنوعة فيها الذكر وفيها القراءة للقران وفيها الصلاة وفيها إنفاق المال وفيها الوقوف في المشاعر وفيها ذبح الهدايا والضحايا وفيها سائر أعمال الطاعات والقربات والإحسان إلى الخلق.
٢. ومن الأعمال الصالحة المشروعة في هذه الأيام ذكر الله سبحانه وتعالى؛ وهو من أفضل الأعمال، وهو عمل سهل يسير على من يسره الله عليه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق -يعني الفضة- وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى)) (رواه الترمذي).
وذكر الله عبادة عظيمة في كل الأوقات، ولكنها في هذه الأيام المباركة لها أجر وثواب عظيم عند الله سبحانه وتعالى، فلا يزال لسانك أيها العبد رطباً من ذكر الله. فاذكر الله في بيتك، واذكر الله في الأسواق، واذكر الله وأنت راقد واذكر الله وأنت قائم واذكر الله وأنت جالس؛ كما قال في وصف عباده الصالحين: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191]، واذكر الله سبحانه وتعالى بالتسبيح والتهليل والتحميد في سائر الاوقات، فالذكر عبادة سهلة وأجرها عظيم، والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى إلى ذلك؛ لأن كثير من الناس اليوم مشغلون عن ذكر الله سبحانه وتعالى بالقيل والقال والغيبة والنميمة ومتابعة وسائل التواصل الاجتماعي والأخبار والقنوات وسائر الملهيات، والأصل في المسلم أن يجتهد في هذه الأيام بالذكر والتسبيح والتهليل وقراءة القرآن للأجر العظيم في ذلك.
٣. ومن الأعمال الصالحة المشروعة في هذه الأيام الصيام؛ وهو داخل ضمن العمل الصالح، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((من صام يوماً في سبيل الله، بَعَّدَ الله وجهه عن النار سبعين خريفاً)) (رواه البخاري ومسلم).
والصيام في هذه العشر مستحب وينبغي للمسلم أن يجتهد في صومها إن قدر على ذلك، وما يقال إن الصوم في هذه الأيام ليس بسنة قول مرجوح؛ وان كان قد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم من العشر شيئاً، لكن هذا خبر منها عما علمت، وقد علم غيرها من زوجاته أنه كان يصوم، فأخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك صيامها، وأيضاً المشروع أن نمتثل أمره القولي ولا ننتظر حتى ننظر في فعله، فالسنة القولية مقدمة على السنة الفعلية، وقد قال لنا: ((ما من أيام العمل الصالح فيها أحب لله من عشر ذي الحجة))؛ ولا شك أن الصيام من العمل الصالح.
وأيضاً عائشة رضي الله عنها كانت زوجة من تسع زوجات، يأتيها في العشر يوماً واحداً، فكونها تنفي صيام العشر كلها فهذا حسب علمها. وعلى ضوء ذلك فلا يشغب عليكم بعض الناس بإن الصيام فيها بدعة؛ فليس ببدعة، بل هو مستحب وهو من ضمن الاعمال الصالحة التي يفعلها الإنسان في هذه الأيام إن قدر على ذلك، ويفضل للمسلم أن يجمع في هذه الأيام بين أكثر من عبادة؛ كعبادة الصيام والذكر وقراءة القرآن والتكبير والصدقة وغيرها حتى يدخل الجنة من جميع أبوابها.
٤. ومن الاعمال الصالحة في هذه الأيام: التكبير؛ فيستحب للمسلم ان يكثر من تكبير الله سبحانه وتعالى، فيقول: "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد"، ونحوها من الصيغ، ويرفع بها صوته في الأسواق والشوارع والمحلات، ويذكر من حوله بها ليحصل على الأجر والثواب العظيم في هذه الأيام المباركة، وهذا هو التكبير المطلق ويشرع من بداية عشر ذي الحجة في كل مكان وفي أي وقت، وكان أبو هريرة وابن عمر رضي الله عنهما يخرجان إلى الأسواق فيرفعان أصواتهما بالتكبير، فيكبر الناس بتكبيرهما؛ فاقتدوا بهما وذكِّروا الناس وأسمعوهم ذكر الله في الأسواق؛ لأن الأسواق مكان للشياطين، وابغض البقاع الى الله الأسواق؛ لأنه لا يذكر فيها الله إلا قليلاً.
اما التكبير المقيد فيشرع بعد الصلوات من فجر يوم عرفة؛ فإذا صلى الناس الفجر كبروا الله في مساجدهم بعد الصلوات، فيقولون: "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد"، ونحوها من الصيغ الواردة والمستحبة والمتعددة، فبأي صيغة من صيغ التكبير كبرت فلا حرج، وارفع صوتك بالتكبير. وكبر بعد الصلوات الخمس ويستمر التكبير المقيد إلى بعد صلاة العصر من اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، لأن هذا التكبير مرتبط بأيام نحر الأضاحي والهدي، لتكبروا الله على ما رزقكم من بهيمة الأنعام.
٥. ومن الأعمال الصالحة المشروعة في هذه الأيام الصدقة ولو بالقليل، فتصدق اخي المسلم بما يسره الله لك من الخير ولو بالقليل من بالمال، او الطعام، او الثياب، او بسائر ما يحتاجه الناس من الفقراء والمحتاجين، وتفقد الجيران والمتعففين من الأرامل والأيتام، وضع صدقتك في مكانها الصحيح، ولا يشغلنك كثرة الشحاتين والسائلين الذين اتخذوها حرفة ومهنة، فابحث انت عن الفقراء، والمتعففين من جيرانك وعن الأيتام والأرامل والمعوزين، وتصدق بما يسر الله لك في هذه الأيام حتى يضاعف الله لك الأجر والثواب بهذه الصدقات؛ وفي الحديث: (إن أحدكم ليتصدق بالتمرة فيأخذها الله بيمينه ثم ينميها له حتى تكون عند الله يوم القيامة مثل جبل أحد)، فالله ينميها لك ويعظمها ويكبر أجرها لأنك وضعتها في موضعها الصحيح وأخرجتها خالصة لله لا تريد بها رياءً ولا سمعة ولا أذى.
ومن الصدقة، الصدقة بغير المال؛ فتصدق بوجاهتك، وتصدق بعرضك وسامح من أخطأ في حقك، فهذه من الصدقات، وأجورها عظيمة عند الله سبحانه وتعالى.
ومن الصدقات: التسبيح والتهليل والتكبير فقد جاء فقراء المهاجرين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور - وهم أصحاب الأموال- لما سمعوا فضل الصدقة كل واحد ذهب وتصدق من ماله، فوقع في قلوب الفقراء حسرة وجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يشتكون من هذه الحسرة، فقالوا: ((ذهب أهل الدثور بالأجور؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم))؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة)) (رواه مسلم). سبحان الله، ما أعظم هذا الدين وما أيسره! حين أعطاك أبواباً مفتوحة للصدقة حتى ولو لم تملك المال.
٦. ومن الأعمال الصالحة في هذه الأيام المباركة قراءة القرآن وتدبره والاستماع إليه؛ وهي فرصة عظيمة لو خصصنا هذه الأيام لسماع القرآن، يكفي انشغالاً بالموسيقى والأغاني والأناشيد والكلام الفارغ والزوامل والأخبار والإعلام، فخصصوا هذا الوقت المفيد العظيم لقراءة القرآن، فإن لم تستطع أن تقرأ فاسمع القرآن، فإنك إن سمعته منتبهاً ومصغياً إلى القارئ؛ كنت كالذي قرأه، واليوم، ولله الحمد، صار السماع للقرآن من أسهل الأمور من خلال تطبيقات القران في جوالك، نزل تطبيق القرآن الصوتي واستمع إلى القرآن وأنت تمشي وأنت جالس في بيتك او في متجرك او في سوقك او في مكان عملك، واستمع إلى القرآن بإنصات، تحصل على الاجر المذكور في الحديث: ((من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف)) (رواه الترمذي). فكم نستطيع أن نجمع من أجور وثواب في هذه الأيام المباركات لو استغليناها؟!، فمن وفقه الله واستغل هذه الأيام وجعل له وقتاً لقراءة القرآن فيها، فيمكنه أن يختم في هذه العشر القران كاملا بحيث يقرأ في كل يوم ثلاثة أجزاء لو خصص ساعة واحدة لذلك؛ فالجزء الواحد يمكن ان تقرأه أو تستمع إليه بعشرين دقيقة، ساعة واحدة من أربع وعشرين ساعة ألا نستطيع أن نجعلها للقرآن في هذه الأيام المباركة؟.
ثم لا تنسى وأنت تقرأ أن تتعظ بما تسمع وبما تقرأ؛ فهناك آيات تدعوك إلى الاستقامة والصلاح، وآيات تدعوك إلى ترك الظلم والإجرام وترك الفواحش، وآيات تذكرك بالجنة وما فيها، وآيات تذكرك بالنار وعذابها، فتدبر ذلك كله وستخرج بإذن الله سبحانه وتعالى من هذه القراءة بزيادة لإيمانك واستقامة لنفسك وتزكية لها، وتشعر أنك فعلاً في مدرسة تربوية لإصلاح النفس.
٧. ومن الأعمال الصالحة في هذه الأيام الدعاء؛ فالدعاء هو العبادة بنوعيه: دعاء المسألة ودعاء العبادة، فدعاء المسألة أن تسأل ما تريده من الله من خير الدنيا والآخرة، ودعاء العبادة أن تكثر من تعظيم الله بمدحه وذكره وتحميده والثناء عليه قال سبحانه: {وَإِذَا سألك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]. وهو مشروع في كل وقت ولكنه في هذه الأيام أكثر أجراً وثواباً وأحرى أن يستجاب للعبد، وخاصة أدعية يوم عرفة؛ فهو يوم من الأيام الفاضلة عند الله سبحانه وتعالى ويستحب تخصصه والاجتهاد فيه بالدُّعاء، وطلب ما تشاء من خير الدنيا والآخرة فإن الله جعله من مواطن الاستجابة.
فعلى المسلم أن يجتهد في هذه الأيام في الأوقات التي فيها تحري الإجابة بالدعاء، وأوقات اجابة الدعاء كثيرة منها: بين الأذان والإقامة في الصلوات الخمس كلها، وعند إفطارك إذا كنت صائماً، وعند قيامك الليل وإذا قمت لتصلي الوتر، او قمت لتستغفر بالسحر وتتسحر؛ وفي السجود، وفي أواخر التشهد، وغيرها فهذه أوقات فاضلة والدعاء فيها مستجاب.
٨. ومن الاعمال الصالحة في هذه العشر عبادة عظيمة من العبادات، وهي عبادة صلاة العيد؛ وهي سنة ولكنها من الشعائر وأجرها عظيم، قال الله: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]. وفيها يجتمع الناس ويتصافحون ويلقي بعضهم على بعض التحية، فيذهب من نفوسهم الغل والحسد ويحصل لهم الأجر والثواب.
٩. ومن الاعمال الصالحة في هذه الايام: شعيرة ذبح الأضاحي؛ وإهراق الدماء التي يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى. فللمسلم بعدد شعر أضحيته أجر وثواب وحسنات عند الله سبحانه وتعالى، وهي سنة مؤكدة ينبغي أن يحرص عليها المسلم ان قدر عليها، ومن ليس مستطيعاً فمعفو عنه، فقد ضحى النبي صلى الله عليه وسلم عن فقراء أمته.
ويستحب لمن ملك أضحية كاملة؛ أن يكف عن قص أظافره وشعره طيلة العشر، ومن ليس عنده أضحية كاملة فلا يستحب له أن يمسك عن ذلك، وكذلك لايلزم باقي عائلة المضحي ان يسمكوا عن ذلك.
أسأل الله جل وعلا أن ينفعني بما قلتُ وسمعتم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فقد قال الله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131]؛ فالتقوى هي خير الزاد، كما قال: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197].
أيها المؤمنون عباد الله:
١٠. ومن الأعمال الصالحة في هذه العشر المباركة، الأعمال الدنيوية التي فيها منفعة للخلق كالإحسان إلى الجيران والأقارب، وإماطة الأذى عن الطرقات، ومنع الشر عن الآخرين، والشفاعة لهم، والصلح بينهم، ودلالتهم على الطريق، وفعل الخير، وعمارة الطرقات وغيرها من الأعمال المتعدية التي يظن الناس أنها ليست عبادة. فان العبادة في الإسلام ليست محصورة على الطاعات المتعلقة بالله، بل العبادة في الإسلام هي: "كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة"؛ فكل ما أحبه الله ورضيه فهو عبادة، مما يتعلق به جل وعلا من فرائض وواجبات، ومما يتعلق بالإحسان إلى الخلق، والإحسان إلى الحيوان، والإحسان إلى البيئة، فإذا أخلص المسلم فيها النية، فهي من العبادات التي يؤجر عليها؛ ولذلك نقول: إن الموظف الأمين في وظيفته الذي يسعى لحل مشكلات الناس والمراجعين والتيسير عليهم في هذه الأيام فهو في عبادة، يتعبد لله سبحانه وتعالى بهذا العمل مثلما يتعبد الصائم القائم في المسجد؛ ومثله الذي يقوم بحل قضايا الناس، وإبعاد الشر عنهم؛ فكل ذلك داخل ضمن مفهوم العبادة في الإسلام، وأجرها عظيم وفضلها في هذه الأيام كبير عند الله سبحانه وتعالى.
أيها المؤمنون عباد الله: مع هذا الفضل وذلك الأجر في هذه الأيام المباركة، لا ننسى ما تشهده أمة الإسلام اليوم من عربدة اليهود والنصارى في فلسطين وغيرها من اليلدان المسلمة، والواجب على المسلمين في هذه الأيام المباركة هو الدعاء لإخوانهم المستضعفين في أرض فلسطين وفي غيرها من بلاد المسلمين.
فالمسلم الحق هو الذي يتعبد الله سبحانه وتعالى في هذه الأيام المباركة ولكنه لا ينسى إخوانه المستضعفين من الدعاء، ولا ينسى أن يحمل قضيتهم وينشرها ويشعر بها الناس؛ فلا يصح ان الكفار البعيدين عن الإسلام في أوروبا وفي غيرها من دول الغرب، أكثر تفاعلاً مع قضية فلسطين ومشاكل المسلمين من بعض المسلمين. ففي بعض تلك البلدان قامت مظاهرات واحتجاجات وشجب واستنكار وإلغاء صفقات تضامنا مع مايجري للمسلمين في فلسطين، فأين دول الإسلام؟ وأين شعوب المسلمين من ذلك؟ فالواجب عليهم أكبر؛ لأن هؤلاء إخوانهم في الدين والعقيدة. وقضية فلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، ولا قضية شعب غزة وحده؛ بل قضية كل المسلمين، ففيها المسجد الأقصى وهو وقف لجميع المسلمين.
لذا لا تنسوا إخوانكم في هذه الأيام المباركة من الدعاء ورفع قضيتهم والتفاعل معها، وإذا وجدت قنوات آمنة للتبرع لهم وإيصال الخير لهم فلا تتخلفوا عن ذلك فهم أولى من فقراء البلدان الأخرى لأنهم يعيشون ضيقاً وحصاراً حتى أكلوا أوراق الأشجار من شدة الحصار.
ولا تنسوا أيضاً الدعاء على الكفار المجرمين المعتدين، في هذه الايام المباركة فادعوا لإخوانكم بالنصر والتمكين وادعُوا على أعداء الإسلام والمسلمين بالهلاك والتدمير، وهذا أمر لا عذر لنا في تركه؛ لأنه لا كلفة فيه؛ ولا أحد سيمنعك ان دعوت سرا ، ولن يحدد منك موقفا بسبب ذلك، فاستعينوا بالله سبحانه وتعالى، واجعلوا قضية فلسطين وإخوانكم المحاصرين في غزة قضيتكم الأولى.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعز الإسلام وأهله، وأن يذل الشرك وأهله. وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وأزواجه وذريته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.