فَضَائِلُ يَوْمِ عَرَفَةَ.
أ.د عبدالله الطيار
1447/12/06 - 2026/05/23 09:10AM
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ، جَعَلَ عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ غُرَّةَ الزَّمَانِ، وَاصْطَفَى مِنْهَا يَوْمَ عَرَفَةَ مَوْطِنًا لِلرَّحْمَةِ وَالْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ: فاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ فالتَّقْوَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَلاذًا، وَلِلْعَاصِينَ لِوَاذًا قَالَ تعالى: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا) النبأ: [31].
أيُّهَا المُؤْمِنُونَ: اخْتَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَيَّامَ الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، بِعِبَادَةٍ عَظِيمَةٍ وَهِيَ الْحَجُّ وَاصْطَفَى مِنَ الْعَشْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَخَصََّهُ بِرُكْنِ الْحَجِّ الْأَعْظَمِ، قَالَ ﷺ: (الْحَجُّ عَرَفَةُ).
عِبَادَ اللهِ: وَيَوْمُ عَرَفَةَ مِنْحَةٌ وَغَنِيمَةٌ، وَفُرْصَةٌ ثَمِينَةٌ، تَتَضَاعَفُ فِيهِ الْحَسَنَاتُ، وَتُجَابُ فيهِ الدَّعَوَاتُ، وتُغْفَرُ فِيهِ الذُّنُوبُ وَالزَّلاتُ، وَيَتَحَيَّنُهُ أَصْحَابُ الْذُّنُوب والعِلاتِ قَالَ تَعَالَى: (وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) [البروج:1-3] قالَ ﷺ: (الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ) أخرجه الترمذي (3339) وصححه الألباني في صحيح الجامع (8201).
عِبَادَ اللهِ: وَأَعْظَمُ فَضَائِلِ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَتَجَلَّى فِيهِ لِأَهْلِ الْمَوْقِفِ، قَالَ ﷺ: (مَا مِن يَومٍ أكْثَرَ مِن أنْ يُعْتِقَ اللهُ فيه عَبْدًا مِنَ النّارِ، مِن يَومِ عَرَفَةَ، وإنّه لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ المَلائِكَةَ، فيَقولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلاءِ؟) أخرجه مسلم (1348). ثُمَّ يُكْرِمُ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الْجُمُوعَ بِقَوْلِهِ: (أَفِيضُوا عِبَادِي مَغْفُورًا لَكُمْ، وَلمَنْ شَفَعْتُمْ لَهُ) أخرجه ابن حبان (1887) وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (1131) فَأَنَّى لِعُيُونِ الْعَابِدِينَ أَنْ تَغْفَلَ؟! وَأَنَّى لأَلْسِنَةِ الذَّاكِرِينَ أَنْ تَتَوَقَّفَ؟!
أيُّهَا المؤمنُونَ: وَمِنَ الْعِبَادَاتِ المشْرُوعَةِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ: الصِّيَامُ لِغَيْرِ الْحَاجِّ فَقَدْ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَن صَوْمِ يَومِ عَرَفَةَ فَقَالَ: (يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ) أخرجه مسلم (1162).
عِبَادَ الله: وَمِنَ الْغَنَائِمِ في يومِ عَرَفَةَ: الدُّعَاءُ، قَالَ ﷺ: (خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا والنَّبيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إلَهَ إلّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ ولَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ) أخرجه الترمذي (3585) وحسّنه الألباني. ويُسَنُّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ بِالدُّعَاءِ، يَقُولُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رضي الله عنه: (كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو فَمَالَتْ بِهِ نَاقَتُهُ فَسَقَطَ خِطَامُهَا فَتَنَاوَلَ الْخِطَامَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ وَهوَ رافعٌ يَدَهُ الأخرى) أخرجه النسائي (3011) وصححه.
عِبَادَ اللهِ: وَمَعَ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، يَبْدَأُ التَّكْبِيرُ الْمُقَيَّدُ بِأَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ لغير الحاج، وأما الحاج فمن ظهر يوم النحر، وَيَسْتَمِرُّ إِلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يَقُولُ ﷺ: (فأَكثِرُوا فيهِنَّ مِنَ التَّهليلِ، والتَّكبيرِ، والتَّحميدِ).
أَيُّهَا المؤْمِنُونَ: شَمِّرُوا وَجِدُّوا وَأَقْبِلُوا عَلَى رَبِّكُمْ جَلَّ وَعَلا فَقَدْ دَعَاكُمْ وَأَدْنَاكُمْ وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنْكُمْ، فَانْقَطِعُوا فِي هَذا الْيَومِ خَاصَّةً عَمَا سِوَاهُ وَلا يَشْغَلَنَّكُم شَاغِلٌ عَن الدُّعَاءِ اطْرَحُوا مَا فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الشَّوَاغِلِ، وَمَا فِي قُلُوبِكُمْ مِنَ الْخَوَاطِرِ، وَانْطَرِحُوا بِبَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرِّجِيمِ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فاطر: [15]. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي ولَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَقَّ حَمْدِهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَاتَمِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ: وَاعْلَمُوا أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ هُوَ أَعْظَمُ أَيَّامِ الدُّنْيَا قَالَ ﷺ: (إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ) وَأَفْضَلُ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ المسْلِمُ لِرَبِّهِ جلَّ وعلا فِي هَذَا الْيَوْمِ هُوَ ذَبْحُ الأَضَاحِي، قَالَ ﷺ: (مَا عَمِلَ آدمِيٌّ مِن عمَلٍ يومَ النَّحرِ أَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ؛ إنَّهَا لتَأْتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وأظْلافِها، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا) أخرجه الترمذي (1493)
وَقَدْ حَذّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ تَرْكِ هَذِه الشَّعِيرَةِ للقادر بِقَوْلِهِ: (مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ، فَلا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانا) أخرجه ابن ماجه (3123) وصححه الألباني (6490).
فَبَادِرُوا يَوْمَ الْعِيدِ بِنَحْرِ ضَحَايَاكُمْ وَصِلَةِ أَرْحَامِكُمْ، وَأَلِظُّوا بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ، وَاشْكُرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ، وَأَخْلِصُوا بِالدُّعَاءِ لِوُلاةِ أَمْرِكُمْ، وَعُلَمَائِكُمْ، وَجُنُودِكُمْ، اللَّهُمَّ اقْبَلْنَا بِكَرَمِكَ، وَاشْمَلْنَا بِعَفْوِكَ، وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ.
اللَّهُمَّ وَفِّق وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِالْعَزِيزِ حَفِظَهُ اللهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ حَفِظَهُ اللهُ واجْزِهِمْ خَيْرَ الْجَزَاءِ عَلَى مَا يُقَدِّمُونَهُ لِخِدْمَةِ الحجيجِ، اللَّهُمَّ احْفَظْ عُلَمَاءَنَا، وَوُلاةَ أَمْرِنَا، وَالمُرَابِطِينَ عَلَى حُدُودِنَا، اللَّهُمَّ رُدَّ عَنَّا كَيْدَ الْكَائِدِينَ، وَعُدْوَانَ المُعْتَدِينَ، اللَّهُمَّ حَرِّمْ هَذِهِ الْوُجُوهَ عَنِ النَّارِ، وَاجْمَعْنَا وَوَالِدِينَا وَذُرِّيَّاتِنَا في مَنَازِلِ الأَبْرَارِ. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
الجمعة 5 /12 /1444هـ