فضل العفو والصفح
عبدالرحمن سليمان المصري
فضل العفو والصفح
الخطبة الأولى
الحمد لله العفو الغفور، جعل العفو من شيم الأبرار ، ووعد العافين عن الناس بأجر لا يحده ميزان، وعِزٍّ لا يطاله خذلان ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ، أما بعد :
أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى فهي وصية الله للأولين والآخرين ، قال تعالى: ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ﴾ .
عباد الله : الأخلاق شأنها عظيم ، وقد جعلها الإسلام قربة يتقرب بها العبد إلى رب العالمين ، ومن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين ، وأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا ، والمؤمن يدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم ، وأكثر ما يدخل الناس الجنة ، تقوى الله وحسن الخلق ، وهي الأساس المتين في بناء المجتمعات وترابطها ، وإن من الأخلاق الكريمة ، والخصال الحميدة ؛ صفة العفو والصفح .
عباد الله : والعفو اسم من أسماء الله عز وجل ، وصفة من صفاته ، الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفا ، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفا ، قال تعالى: ﴿ إن الله لعفو غفور ﴾الحج:60 .
وهو سبحانه يحب من يتصف بالعفو ، فمن يعفو عن زلات الناس ، ويتجاوز عن إساءتهم ، ويصبر على أخطائهم ، ابتغاء مرضاة الله ؛ فاز بالجنان ، ونال رضا الرحمن ، قال تعالى: ﴿ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين * الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ﴾آل عمران:133-134 .
وقد أمر الله به ، وحث عليه رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ قال تعالى:﴿ فاصفح الصفح الجميل ﴾الحجر:85 ، وقال: ﴿ فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين ﴾المائدة: 13،قال القرطبي رحمه الله: والعفو: ترك المؤاخذة بالذنب ، والصفح هو: إزالة أثره من النفس أ.هـ.
وقد رتب الله على من عفى عن الناس ؛ بأجر لا حد له ولا عد ، قال تعالى: ﴿ فمن عفا وأصلح فأجره على الله ﴾الشورى:40 .
عباد الله: وكان نبينا صلى الله عليه وسلم يعفو ويصفح ، ويحسن إلى من أساء إليه ، قال ابن مسعود رضي الله عنه: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ؛ ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. رواه البخاري.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:" كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته ، ثم قال: مر لي من مال الله الذي عندك ، فالتفت إليه فضحك ، ثم أمر له بعطاء " رواه البخاري.
عباد الله : وكفار مكة آذوه وسبوه ، وأخرجوه وحاربوه ونالوا منه ، وما تركوا بابا من أبواب الشر إلا سلكوه، ثم دخل مكة فاتحا، فأظهره الله عليهم وحكمه فيهم ، وهم لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، فقال لهم : ما ترون أني صانع بكم ، فيبست الشفاه، وغارت العيون، وتنوعت بهم الظنون، ومع هذا قال لهم : أقول كما قال أخي يوسف: ﴿ لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ﴾يوسف:92.
عباد الله : والعفو والصفح من سمات المتقين، الذين شرفت نفوسهم وطهرت قلوبهم ، وعلت عند الله مراتبهم ، ففي حادثة الإفك ، كان ممن تكلم في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: مسطح بن أثاثة رضي الله عنه وهو من المهاجرين الأولين وممن شهد بدرا ، وكان مسكينا لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر رضي الله عنه لقرابته منه ، فحلف ألا ينفق عليه فقد آذاه في ابنته ، فلما أقيم عليه الحد ، وقد تاب وقبل الله منه ، أنزل الله قوله: ﴿ وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ﴾، فقال الصديق رضي الله عنه: بلى، والله إنا نحب يا ربنا أن تغفر لنا ، ثم أعاد النفقة على مسطح ، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا .
عباد الله : وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل عليه رجل فيه شدة في كلامه ، فقال له: هيه يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل ، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به ، فقال له أحد الحاضرين يا أمير المؤمنين: إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾ الأعراف: 199، وإن هذا من الجاهلين ، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله. رواه البخاري .
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، وسلم تسليما كثيرا ، أما بعد :
عباد الله: إن النفوس قد جبلت على الشح في الحقوق ، وقد جاء الإسلام بالحث على العفو ، ومقابلة الإساءة بالإحسان ، ابتغاء للأجر والمثوبة من الله جل وعلا .
فالعفو دليل على رباطة الجأش، وشجاعة النفس ، وانتصارا على الهوى والشيطان ، ولا يعني الضعف والهوان ، كما يتصوره كثير من الناس ، قال صلى الله عليه وسلم:" وما زاد الله عبدا بعفو ؛ إلا عزا " فهو يورث صاحبه الرفعة في الدنيا والآخرة.
عباد الله : إن إغفال خلق العفو والصفح في حياتنا ، وشيوع المحاسبة والمعاقبة والمجازاة، بين الأزواج والأبناء، والقرابة والجيران ، وبين المسلمين في الأسواق والطرقات والمجالس ، وبين قائدي السيارات ، يؤدي ذلك إلى تقطيع الأواصر والروابط ، وإشاعة أجواء التباغض والتدابر والتحاسد .
وإن أسعد الناس أكثرهم سماحة ، بأخذ ما عفا وصفا من أخلاق الناس، وما سمحت به طباعهم، والنظر إلى المحاسن ، وغض الطرف عن المساوئ ، فلا يحاسب على كل كلمة، ولا يهجر لمجرد هفوة، ولا يقطع رحما لأجل لعاعة من الدنيا .
ولنا في رسول الله أسوة حسنة ، فقد كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا ؛ لم يكن فاحشا، ولا متفحشا، ولا صخابا بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح ، وجاء إليه رجل فقال: يا رسول الله ، كم نعفو عن الخادم؟ قال: «اعفوا عنه في كل يوم سبعين مرة " .
وقيسوا هذا وطبقوه مع من حولكم ، مع استشعار ثواب الله وأجره وغفرانه ، وما سيناله المؤمن على عفوه وصفحه عمن أساء ، فالجزاء من جنس العمل ، فمن استقصى على الخلق ؛ استقصى الله عليه ، ومن يصفح ؛ يصفح الله عنه ، ﴿ ألا تحبون أن يغفر الله لكم ﴾.
قال الحسن البصري رحمه الله : إذا جثت الأمم بين يدي رب العالمين يوم القيامة ، نودوا : ليقم من أجره على الله ، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا .أ.هـ.
قال تعالى:﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ﴾فصلت:34-35.
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه ، فقال تعالى: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ .
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
المرفقات
1776362638_فضل العفو والصفح خطبة2.docx
1776362644_فضل العفو والصفح خطبة2.pdf